حمد عبد العزيز الكنتي
منذ الأزل والعباءة شاغلة البال، ومُحيِّرة الرجال الذين قال شاعرهم في وصف الغِيدِ الحِسان وهُن مُتلفِعَات بالسواد، وتشع الحياة من بريق عيونهن التي تذهب بلُب أحزم الرجال، وتهز ثباتهم، وتخطف وقارهم:
قل للمَليحة في الخِمارِ الأَسوَدِ
ماذا فعلتِ بناسك متعبدِ
قد كانَ شَمَّرَ للصَلاة ثيابه
حتىّ قعدتِ له بباب المسجد
حينما عانق قلبه عيونها الفاتنة تغيّرت إعدادات كيانه، مشعلة بذلك نيران عيونها التي أسرى به وقعها الساحر نحو آفاق لا مُنتهى لها، متقمصاً قول الشاعر:
اخلع سوادك في المدينة
نسوة قطعن أيدهن عنك تصبرا
لقد سكنت نظراتها الجميلة قلبه، واستقرت بكاملها في كيانه، وطفق يُقلِّبها فيما تبقى من عقله، فقد ذهبت بلُبّه، وسافرت بوعيه، لتبقى صورتها رفيقة ذهنه ساكنةً في خلده، يتذكر عباءتها وهي تفتح ذراعيها الحريرية لتبث روح الحياة فيما غفا من كيانه، فيستحضرها في لحظة شغف وقد تزاحمت عليها أنوثتها، وضاقت عليها نعومة ملابسها، وبحثت عن تحقيق معاناتها بعباية تنحسر عنها ذات اليمين وذات الشمال، وتدور على مفاتنها بدقة عالية، وكأنها لوحة فنية بديعة الجمال، وصفها الشاعر محمد عبدالباري بقوله:
حنانيك يا خطوة خطوة
تُربي اللظى في صدور الرجال
حرير هو الصمت ما بيننا
لذا لست اجرحه بالسؤال
تجي ولا شمس إلا الطلوع
تعود ولا شمس إلا الزوال
وتمشي بلا ظلاها فهي لا
مثيل لنرجسها في الظلال
لقد روى ظمأه من عطش المسافات التي خلع فيها نطاق وعيه مُتساقطاً في نار لهفةٍ هيأت الواقع السينمائي لفيلم أحداثه تشبه خيالات فيلم الأوديسة، مستذكراً قول الشاعر محمد عبدالباري:
(يُوترنا البرد والمستحيل
تعالي إلى داخلي وارجفي)
ورغم ضعفها تبقى قويةً بمشاعرها الرهيفة التي تحتوي فيها بأنوثتها الطاغية أعتى الرجال، فتغمرهم بلُطفها المُطمئن، وهم مُزمَلِينَ في حِجرِهَا، تائهين في لطائفها المتدفقة البهيجة، آخذين من طاقة حنانها الدافئة زادهم المعنوي للحاضر الهانئ، والغد الجميل، في مشهد اشتياق عبّر عنه الشاعر بقوله:
عهدي بهـا قـدّام تلبـس عبايـه
وأنا بعد قبل البس شمـاغ وعقـال
كانت لنا في كـل شـارع حكايـه
وكنّا نقول علـوم ماهيـب تنقـال!
لا شفتها مـع أول الـدرب جايـه
مدري أنا اللي ملت ولاّ الوطا مال!
وآغار حتّى من عيـون اصدقايـه
لا طالعوهـا قلت: تكفـون يا عيـال!
أصبحت هذه العباءة تُمثل هويتها، وتُبرز جمالها وأناقتها، هذا الجمال الذي خطف الأبصار، وحارت فيه العقول، وزالت به الألباب، واشتعلت به الأفئدة، حاملةً بين طياتها الكثير من الأسرار، وتفتح بما تُخفيه خلفها العديد من الأسئلة وهي تفض التنازع بين الأقمشة التائهة بين الوضوح والغموض، والمنسجمة في نسيج حريرها الناعم مع نعومة من تلبسها، في تماهٍ آسرٍ لا يثبت فيه أحد على شيء، وكأنه فيلم سينمائي تشويقه متصاعد، ونهايته يمثلها قول الشاعر:
الجميلاتُ حريقٌ أولٌ
في الخيالاتِ وبردٌ في الحنايا
الجميلاتُ هدايا اللهِ
من يقدرُ الآن على ردِ الهدايا؟!
إنها الغواية التي ذكرته بقول ذلك العاشق:
(فخرجت مُمتلئاً بها حتى غازلني الناس في الشوارع)!، لتبقى دائماً في ذهنه يقتات على جمالها، ويسافر في سحر عيونها، ويتذكر انحناءاتها وانثناءاتها، والنور المُشع من ظُلمة عباءتها الناعمة، والفتنة الطاغية حول ملابسها، والبركان الثائر على امتداد جسدها المُمتلئ حيويةً ورِّقَة، مُستذكراً قول الشاعر:
مدت إلي يدها
وما طلبت مدها
وردها من واجبي
وما استطعت ردها
والحمد لله على
أن لم تمد خدها