خالد الأنصاري
ثمة لقاءاتٌ لا تُقاسُ مدّتُها بساعاتها، ولا تُختصرُ قيمتُها في كلماتها ؛ لأنها تترك في النفس أثرًا يتجاوز لحظة اللقاء، وتستقر في الذاكرة بوصفها صفحةً من صفحات العمر الجميل.
ومن تلك اللقاءات التي يأنس بها القلب، ويعتز بها المرء، ذلكم اللقاء الذي تشرفتُ فيه صباح يوم الإثنين 20 رجب 1446هـ بزيارة لشيخي العلامة معالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ، برفقة ابني مهند، لأطلعه على ما قمت بجمعه من «المقدمات» التي كتبها لغيره، وهي المجلد الثالث من كتابي عنه «شيخنا وعلاقته بالكتب».
وكان لقاءً ممتعًا، دار فيه الحديث عن الكتب والعناية بها، وتضوعت فيه رائحة الكتب، واستعاد القلب شيئًا من ذلك الشغف النبيل الذي يصنعه العلماء بالمعرفة، ويورثونه محبيهم.
كان الحديث عن الكتب أكثر من حديثٍ عن أوراقٍ مصفوفة بين دفتي غلاف ؛ كان حديثًا عن حياةٍ كاملة، وعن صلةٍ وثيقة بين الإنسان والعلم، وعن الكتاب حين يكون رفيقًا للعمر، ووعاءً للفكرة، وحافظًا لتراث الأمة، وجسرًا يصل المتقدم بالمتأخر، والقارئ بالمعرفة، والعالم بطالب العلم.
وفي حضرة معاليه، يأخذ الكتاب مكانته التي تليق به؛ فلا يعود مجرد مصنف يُقرأ، وإنما يصبح شاهدًا على عناية صاحبه بالعلم، ودليلًا على ذوقه في الانتقاء، ومرآةً لما يحمله من همٍّ معرفي، وما يراه جديرًا بأن يبقى في ذاكرة الأجيال.
وكان من كريم فضل معاليه عليّ أن تفضّل بإهدائي نسخةً من كتابه «الضحى» فكان للهدية في النفس وقعٌ خاص؛ إذ ليست قيمة الكتاب فيما حواه من علم فحسب، بل فيما ارتبط به من ذكرى، وما أحاط به من مشاعر التقدير والامتنان.
وزاد الهديةَ جمالًا أن حظيتُ بشرف تدوين إهدائه عليها ؛ فغدت تلك الصفحات تحمل إلى جانب مادتها العلمية، أثرًا شخصيًا عزيزًا من صاحبها.
وهكذا تتحول بعض الكتب من مجرد مقتنيات إلى ذكريات نابضة، كلما وقع عليها البصر استدعى القلب مجلسًا، ووجهًا، وكلمةً، ووقتًا لا يتكرر.
وما أكرم الكتاب حين يجتمع فيه علم المؤلف، وكرم المهدي، وذكرى اللقاء ؛ عندها يغدو الكتاب قطعةً من الذاكرة، ويصبح الاحتفاظ به احتفاظًا بلحظة من العمر لا يطويها الزمن.
وحين امتد بنا الحديث إلى المكتبات، سألتُ شيخنا -حفظه الله- عن مكتبته الخاصة، فأخبرني بأنها موزعة في عدة فلل، وفي أكثر من موقع ؛ وهو أمر يكشف عن أهمية عنايته بالكتاب، وعشقه للكتب والنوادر والمخطوطات، وعن سعة مكتبته الخاصة، وكثرة ما اتصل به من خزائن المعرفة على امتداد السنين.
وسألته كذلك عن بعض المكتبات التي قام بشرائها، فذكر لي منها مكتبة أبي المجد عبد الفضيل، التي اشتراها من ورثته بعد وفاته، وكذلك مكتبة أبي سنّة.
ولم يكن اقتناء هذه المكتبات عند شيخنا قائمًا على مجرد الجمع والاستكثار؛ بل كان له في ذلك منهجٌ يقوم على الانتقاء وحسن الاختيار ؛ فإذا اشترى مكتبةً نظر في محتوياتها، وانتقى لنفسه منها ما يحتاج إليه، وغالبًا ما يقارب ذلك نصفها، ثم لا يلبث أن يحرص على ألا تبقى بقية الكتب حبيسة الأرفف، بل يسعى إلى توزيعها على طلاب العلم والمكتبات العامة ؛ لتجد طريقها إلى من ينتفع بها، وتواصل رسالتها في خدمة العلم وأهله.
وهذه لفتةٌ جديرة بالتأمل؛ إذ إن قيمة الكتاب عند شيخنا لا تتمثل في امتلاكه فحسب، وإنما في انتفاع الناس به، وكأن الكتاب عنده لا يبلغ غايته الحقيقية حتى ينتقل من رفٍّ إلى يد، ومن مكتبةٍ إلى طالب علم، ومن حيازةٍ فردية إلى منفعةٍ عامة.
ومن هنا أسهم شيخنا عبر السنين، في تكوين مكتبات عديدة داخل المملكة وخارجها ؛ إذ كان ما يقتنيه من الكتب والمكتبات يتجاوز حدود مكتبته الخاصة إلى فضاء أرحب، هو فضاء النفع العام ونشر المعرفة.
ولعل هذا يفسر جانبًا من دعمه الكبير لإنشاء المكتبات الأهلية، وحرصه على إتاحة الكتب لطلاب العلم والباحثين والراغبين في المعرفة، وشرائه لكثير من الكتب العلمية المختارة ثم توزيعها ؛ إيمانًا منه بأن الكتاب إذا بقي حبيسًا فقد جزءًا من رسالته، وأن أجمل ما في العلم أن يُبذل، وأجمل ما في الكتاب أن يُقرأ.
وفي أثناء الحديث سألته عن مدى صحة ما أُشيع عن شرائه لمكتبة شيخه العلامة محمود محمد شاكر -رحمه الله- فأخبرني بعدم صحة ذلك، وذكر أن الشيخ محمود شاكر كان قد أوصى بعدم إخراج مكتبته من مصر.
وكان في هذا التصحيح ما يؤكد أهمية التثبت من الأخبار، ولا سيما ما يتصل بتراث العلماء ومكتباتهم وآثارهم العلمية.
ومما لمسته أيضاً من شيخنا في هذه الزيارة الميمونة طريقة إعداده لدروسه ومحاضراته ومن ذلك : أنه لما اخبرته عن كتاب بعنوان «تكوين المَلَكَة الفقهية» لعله يطّلع عليه لأنه عنوان يوافق موضوع محاضرته القادمة والتي تنظمها رئاسة شؤون الحرمين، بالحرم المكي مطلع الشهر المقبل،فقال لي: «أنا لا احضّر لمحاضراتي، احبُّ ان أُوصل الفكرة التي في ذهني للطلاب.. دون إدخال الجوانب الأكاديمية عليها.. فلَوْ رجعتُ لمراجع سأجدُ نفسي أنحازُ لما فيها فأكون مجرّد ناقد، بعيداً عن الفكرة الأساسية للموضوع بطرح أفكار أخرى، قد يتوسّع فيها الموضوع ويتشعّب.. وتتأثر الفكرةِ التأصيليةِ لها..».
ومن أجمل ما سمعته من شيخنا في هذا المجلس قوله «إن جمع الكتب ليس من الفضائل العلمية، وإنما هو من الهوايات».
وهي كلمة تختصر رؤيةً عميقةً للكتاب ؛ فالفضيلة ليست في كثرة ما يملكه المرء من الكتب، وإنما في مقدار ما ينتفع به منها، وما يقرأه، وما يفهمه، وما يثمره ذلك في علمه وعمله، ثم ما ينقله إلى غيره من خيرٍ ومعرفة.فالكتب الكثيرة لا تصنع عالمًا، كما أن رفوفًا مثقلة بالمجلدات لا تكفي وحدها لصناعة طالب علم ؛ وإنما العلم ما وقر في القلب، ونفع صاحبه، وأثمر فهمًا وعملًا، ثم تجاوز أثره إلى الآخرين.
وهنا تتجلى إحدى السمات البارزة في شخصية شيخنا: أنه لا ينظر إلى الكتاب بوصفه مقتنىً فحسب، بل بوصفه رسالةً ينبغي أن تبلغ غايتها ؛ ولذلك جمع بين العناية بالكتاب، وحسن الانتقاء، ونشره، وإيصاله إلى من يحتاج إليه.
ولعل هذه الخصلة من أجمل ما يميز عنايته بالكتب؛ فهو لا يكدّسها، وإنما ينتقيها، ولا يحبسها، وإنما يبثها، ولا يرى قيمتها في كثرتها، وإنما في ثمرتها ومدى نفعها.وهكذا تصبح المكتبة في مفهومه أكثر من مكانٍ تجتمع فيه الكتب ؛ إنها ميدانٌ لحركة العلم، ومرفقٌ من مرافق المعرفة، ووسيلةٌ لنشر العلم وخدمة لطلابه.
ولم يكن جمال اللقاء مقصورًا على ما دار فيه من حديث، بل سعدتُ كذلك بلقاء ابنه الأديب الأستاذ عبدالعزيز، فرأيتُ فيه من مخائل النجابة، وسمت الأدب، وحسن الحضور، ما يسر النفس ويبعث على التفاؤل.
ولقد صدق المثل العربي الجميل: «هذا الشبل من ذاك الأسد» ؛ فإن للبيوت العلمية سمتًا يُرى، وللأسر التي عاشت في رحاب العلم والأدب أثرًا يظهر في أبنائها، لا بالتقليد المصطنع، وإنما بما تتركه البيئة الكريمة في النفوس من آثارٍ راسخة.
وما أعذب أن ترى العلم لا يقف عند صاحبه، والأدب لا ينتهي عند جيله، بل يمتد أثرهما إلى الأبناء ؛ فيكون الوالد قدوةً، ويكون الابن امتدادًا، وتظل القيم الجميلة تنتقل من جيل إلى جيل، لا بوصفها ميراثًا يُحمل، وإنما سيرةً تُعاش، وخُلقًا يُرى، وأدبًا يُمارس، وعلم ينشر.
وفي هذا المعنى تبدو البيوت العلمية أشبه بالدوحات الوارفة؛ جذورها ضاربة في أرض العلم، وأغصانها تمتد في فضاء الأدب، وثمرتها رجالٌ يحملون من كريم الخصال بقدر ما يحملون من المعارف.
ولعل أجمل ما في مثل هذه المجالس أنها تعيد للكتاب هيبته، وللعلم مكانته، وللصحبة العلمية معناها الأصيل ؛ فالمرء قد يقرأ عشرات الكتب، لكنه لا ينسى مجلسًا رأى فيه توقير الكتاب، وتقدير العلماء، والحديث عن المعرفة بوصفها رسالةً ومسؤولية، لا مجرد ترفٍ ثقافي.
لقد خرجتُ من ذلك اللقاء وأنا أحمل معي أكثر من نسخةٍ مهداة من كتاب ؛ خرجتُ بذكرى لقاءٍ كريم، وبأثر حديثٍ ثري، وبصورةٍ أجمل للكتاب ؛ حين يكون بين يدي عالمٍ يعرف قدره، وبمشهدٍ آخر يسر النفس، حين رأيتُ الأدب والنجابة في الابن، كما رأيتُ العلم والفضل والكرم في الأب.
وهكذا تبقى بعض اللقاءات أكبر من أن تُحكى ؛ لأنها تُشعر المرء أن للزمن لحظاتٍ يمنح فيها الإنسان أكثر مما يتوقع، وأن للكتب أرواحًا من الذكريات، وأن للعلماء في نفوس محبيهم مكانًا لا تبلغه الكلمات.
فما أجمل مجلسًا اجتمع فيه العلم والكتاب، والشيخ والتلميذ، والأب والابن، والفضل والأدب.وما أبهى أن يخرج المرء من مجلسٍ كهذا، وهو يدرك أن أجمل ما يتركه الإنسان بعده ليس كثرة ما جمع، وإنما حسن ما أورث ؛ علمًا ينتفع به، وأدبًا يُقتدى فيه، وسيرةً طيبةً تمتد في الأبناء كما يمتد الضوء من مشكاةٍ إلى مشكاة.
وستظل تلك الزيارة وما أحاط بها من حديثٍ وكتابٍ وإهداءٍ ولقاء، من الذكريات التي لا تُحفظ في الذاكرة وحدها، بل تحفظها الكتب أيضًا ؛ فكلما فتحتُ كتاب «الضحى» عاد إلى القلب ذلك المجلس، واستعاد الوجدان شيئًا من جماله، وكأن الكتاب يقول لصاحبه: «بعض الصفحات لا تُقرأ بالحروف، وإنما تُقرأ بالذكريات».
إضـاءة
لقد جمع الله لشيخنا رسوخَ العلم، ورفعةَ الهمة، وكرمَ الخُلُق، وحسنَ العناية بالكتاب وطلابه؛ فكان للعلم في مجلسه هيبة، وللكتاب عنده رسالة، ولطالب العلم مكانة.