د. سامي بن عبدالله الدبيخي
ذكرت مجلة «الإيكونميست» في عددها نهاية شهر يوليو أن تكييف الهواء أصبح له تبعات جيوسياسية بعد أن حوّل التغير المناخي آلة التبريد البسيطة إلى ساحة صراع سياسي عالمي وجعلها بنداً في عداد البنية التحتية الأساسية لا مجرد رفاهية.
فمن باريس إلى نيودلهي ومن برلين إلى لاهور، يتقاذف الساسة تهمة من يحق له أن يبرد منزله، بينما صنّفت قمة المناخ الأخيرة التبريد إلى جانب الماء والكهرباء كحق أساسي للبقاء. ففي أيام هذا الصيف القائظ، تدافع العشرات في كثير من المدن الأوروبية والآسيوية على متاجر وحدات التكييف. وفي كراتشي ودكا قطع محتجون غاضبون الطرق احتجاجاً على انقطاع الكهرباء وسط حرارة لامست 45 درجة مئوية.
لكن السؤال الذي يطرحه التقرير عالمياً، من يملك حق التبريد؟، له إجابة مختلفة تماماً في السعودية؛ فالمملكة لا تصطف ضمن الدول التي تتصارع على شراء مكيف بسبب محدودية مصادر الطاقة أو خلافه، بل تنتمي إلى نادٍ حظيت فيه الأسر بالتكييف منذ عقود.
غير أن هذا لا يعني أن قضية الحرارة قد حُسمت نهائيا، بل إنها انتقلت ببساطة من عتبة البيت إلى الشارع. وهنا بالضبط تلتقي «الإيكونميست» بدراسة سعودية محكّمة أنجزها باحثان من جامعة الملك سعود، بعد أن استطلعا آراء أكثر من ألف ساكن في تسعة عشر حياً بالرياض وراقبا مئات القطاعات من الشوارع، وقد تم استعراضها في مقال سابق لنا بعنوان «شوارعنا لا تشبه شوارعهم، فلماذا نقيسها بمسطرتهم؟».
جاءت النتيجة صادمة في بساطتها: حين سُئل سكان الرياض عن أضعف عنصر في بيئتهم السكنية، تصدّرت المساحات الخضراء والتشجير قائمة أدنى درجات الرضا، ليس لأن الناس لا يحبون الشجر، بل لأن الظل في مدينة تتجاوز حرارتها 45 درجة ليس زينة جمالية، بل هو الشرط الأول لمجرد الخروج من المنزل. أطلق الباحثان على هذه الفجوة اسم «العجز في البنية التحتية الحرارية»، وهو مصطلح يكاد يكون الترجمة المحلية الدقيقة لما تصفه «الإيكونميست» عالمياً بأزمة التبريد.
والأهم أن الدراسة كشفت أن معايير التخطيط العمراني المستوردة من نيويورك أو باريس أو كوبنهاغن لا تصلح ببساطة لقياس حيوية شارع من شوارع الرياض. فتلك المدن لا تعرف معنى الخروج ظهراً تحت شمس تتلظى. هذا الاستنتاج تحديداً هو ما أشعل نقاشاً أوسع حول مؤشرات جودة الحياة ذاتها، إذ طرح مقال لاحق سؤالاً أعمق: أيّ جودة حياة نقيسها، وبأيّ مسطرة؟ فمؤشرات الرفاه الغربية، كما يوضح المقال، بُنيت على مركزية الفرد واستقلاليته، بينما تتشكل جودة حياتنا حول الأسرة والجيرة والقيم الروحية، وهي أبعاد لا تلتقطها المقاييس المستوردة، تماماً كما لا تلتقط تلك المقاييس قيمة الظل والراحة الحرارية.
هكذا يتقاطع مقال «الإيكونميست» مع بحثنا عن الرياض في نقطة واحدة. فبينما يتصارع العالم سياسياً على من يملك حق تشغيل المكيف، تمتلك السعودية فرصة نادرة لتقفز خطوة متقدمة إلى الأمام، لا بمزيد من أجهزة التبريد داخل المنازل، بل بمؤشرات محلية للراحة الحرارية وكثافة الظل في الشوارع، تُصاغ بمسطرة الرياض لا بمسطرة لندن. فجودة الحياة الحقيقية في مدينة صحراوية لا تُقاس بعدد المكيفات المركّبة، بل بقدرة الإنسان على المشي في شارعه دون أن تلفحه شمس منتصف النهار. وحين تصبح «خريطة الظل» جزءاً أصيلاً من مؤشرات الأداء الرئيسة لمدننا، ستكون الرياض قد ربحت مبكراً المعركة التي لا تزال باريس وبرلين ودكا وكراتشي تخوضها بعنف اليوم: معركة من يستحق أن يحصل على جهاز تبريد.