فائز بن سلمان الحمدي
لله في آلائه على عباده أسرارٌ لا تنكشف لمن وقف عند ظواهر الأشياء؛ فإن الظاهر قشرٌ، والباطن لُباب. والناس في النعم رجلان: رجلٌ ينظر بعين الحساب، فيُحصي ما أنفق، ورجلٌ ينظر بعين الموهبة، فيشهد ما أفاض الله من فضله. ذاك يُقلِّب صفحات النفقة، وهذا يتلو صحائف المنَّة، وبونٌ بعيدٌ بين من يقرأ النعمة في خزائن المال، ومن يقرؤها في خزائن الرحمة.
ومن أعجب ما آل إليه أمر الناس أن غدت مواسم السرور مواطنَ للتبرُّم، حتى كأن الله إذا شرَّف عبدًا باجتماع الأحبة، وعمارة الدار بالوافدين، وتجاوب الدعوات في أرجائها، قد أثقله محنةً لا منحة. فيُستقصى ما استهلكته النفقة، ولا يُستقصى ما أثمرته المودة؛ ويُستوفى وصف الكدح، ويُغفل وصف الفضل، فكأن النعمة حُوكِمت بلسان الجسد، ولم تُستشهد الروح على حقيقتها.
وما الزواج في جوهره عقدُ رجلٍ على امرأة، وإنما هو التئام أنسابٍ بعد تفرُّق، وائتلاف أرواحٍ بعد تناءٍ، واستئناف وشائجَ بعثرتها الأيام، حتى إذا أذن الله بهذا اليوم جمعها كما يجمع الغيث أوصال الروضة بعد جدبها، فتسترد الأرض نضرتها، وتسترد القلوب أُنسها.
أيها المتحدث عن الكلفة، إن عددت ما غادر يدك، فاعدد كذلك ما ولج قلب أمك من السرور، وما استنار به وجه أبيك من البشر، وما انبسط في صدور ذويك من العز، وما ارتفع إلى السماء من أكفٍّ لم تعرف لك إلا الدعاء. أتحسب أن المال إذا بُذل في سبيل الألفة قد ضاع؟ كلا، ولكنه فارق صورته، واكتسى صورةً أكرم منها؛ فما عاد ذهبًا يُقتنى، بل غدا مودةً تُورث، وذكرًا يُستعاد، ودعوةً تُرجى. وما من نعمةٍ جليلةٍ إلا وقد أقام الله على بابها بوَّابًا من المشقة؛ ليُعلِّم عباده أن نفائس العطايا لا تُنال براحة الأبدان، وإنما تُنال بصبر النفوس. فما يُسمِّيه الناس تعبًا هو ــ عند أهل البصيرة ــ زكاةُ السرور، كما أن العرق زكاةُ السعي، والدمع زكاةُ المحبة.
ولقد رأيت الناس يحفظون أثمان الولائم، وينسون أنهم شيَّدوا فيها من صروح الألفة ما تعجز الأعوام عن تشييده.
يذكرون عدد الصحاف، ولا يذكرون عدد القلوب التي التأمت؛ ويحصون ثمن الزينة، ولا يحصون ما أشرق في الوجوه من بهجةٍ، ولا ما انسكب في الأرواح من سكينة. فمن الجور أن تُختزل هذه المنحة الربانية في فاتورةٍ تُؤدَّى أو نفقةٍ تُحصى؛ فإن تلك أعراضٌ تعبر بانقضاء يومها، وأما ما بثَّه الله فيها من أنسٍ، وما أجرى خلالها من ينابيع الرحمة بين القلوب، فذلك هو الباقي؛ لأنه من جنس المعاني التي لا يطويها الزمن.
فإذا تحدثت عن الأعراس، فلا تقف عند الجهد؛ فإن الجهد خادمٌ لا سيِّد، ووسيلةٌ لا غاية. ولكن انظر إلى البيت وقد دبت فيه الحياة، وإلى المجالس وقد ازدانت بالوجوه قبل الحُلِيِّ والزينة، وإلى القلوب وقد اغتسلت من غبار الأيام تحت ظلال الفرح. ذلك هو أدب التحدث بنعمة الله: أن تُذكر المشقة فلا تُنكر، ولكن ألا تُرفع حتى تحجب المنحة، ولا تُضخَّم حتى تطفئ إشراق العطية. فإن الله إذا ساق إليك يومًا التأمت فيه الأرحام، وتصافت فيه النفوس، وارتفعت فيه الدعوات، فقد أودع بين يديك من خزائن فضله ما لا تُدركه الموازين؛ لأن المال متاعٌ إلى نفاد، وأما المعنى فباقيةٌ من الباقيات، يُحمد الله عليها ما تعاقب الصباح والمساء.