سارة الشهري
نقضي وقتاً طويلاً بمفردنا، لكن المفارقة أننا نادراً ما نكون وحدنا فعلاً. نجلس بعيداً عن الناس، بينما تظل عقولنا معلقة بما يحدث حولنا؛ خبر نتابعه، ورسالة نترقبها، ومقطع نتصفحه، وصوت نملأ به الطريق. وكأننا نخشى أن تمنحنا الحياة لحظة فراغ نلتقي فيها بأنفسنا.
نفتح مواقع التواصل ونحن وحدنا، ونضع سماعاتنا أثناء المشي أو القيادة، ونشاهد مسلسلاً أثناء تناول الطعام، ونبحث دائماً عن شيء يشغل العين أو الأذن أو التفكير. حتى اللحظات التي يمكن أن تكون هادئة، نحولها إلى مساحة أخرى من الاستهلاك والمشاهدة والاستماع.
قد نكون بعيدين عن الناس، لكننا في الوقت نفسه غارقون في كل ما يحدث حولنا. فالجسد قد يكون منفرداً، بينما يظل العقل يتنقل بين الأخبار، والمحادثات والمقاطع والأحداث. والخلوة بالنفس تبدأ حين نمنح انتباهنا فرصة للعودة إلى الداخل؛ بعيداً عن التدفق المستمر للمعلومات، لنترك مساحة هادئة نتأمل فيها أفكارنا، ونفهم مشاعرنا، ونراجع ما يدور في داخلنا بصدق وهدوء.
رفقة النفس أن نجلس معها دون شاشة، وأن نمشي بلا سماعات، وأن نقود السيارة دون أن نبحث عن صوت يملأ الطريق، وأن نتناول وجبتنا دون أن نهرب إلى مسلسل أو مقطع. هي أن نسمح للصمت بأن يأخذ مكانه الطبيعي في يومنا.
في تلك اللحظات قد نكتشف أشياء كثيرة كانت مختبئة خلف الضجيج. فكرة تحتاج إلى مراجعة، شعور لم نمنحه فرصة للتعبير، قرار نؤجله، أو حتى تعب لا نعترف به لأنفسنا. وربما نكتشف أننا لا نحتاج دائماً إلى إجابة جديدة، بل إلى لحظة هادئة نستمع فيها لما يقوله الداخل.
نحن نعيش في زمن تتدفق فيه الأحداث من حولنا بلا توقف؛ أخبار، آراء، صور، مقاطع، نقاشات وتفاصيل لا تنتهي. وكلما ازداد انشغالنا بالخارج، أصبحت حاجتنا إلى استراحة داخلية أكبر.
الخلوة بالنفس ليست عزلة عن الحياة، ولا هروباً من الناس، وإنما عودة مؤقتة إلى الذات. مساحة نرتب فيها أفكارنا، ونراجع مشاعرنا، ونخفف بها حالة التوتر المستمرة التي تصنعها متابعة كل ما يحدث حولنا.
ربما نحتاج أحياناً إلى أن نترك الهاتف جانباً، ونخلع السماعات، ونسمح للصمت أن يرافقنا قليلاً. فالنفس التي نبحث عن راحتها في كل شيء حولنا، قد تكون في انتظار أن نمنحها شيئاً أبسط: رفقتنا.