عوض علي أحمد الطالبي
لم تكن الكلمة يوماً مجرد أثرٍ عابر يُمحى مع تقلّبات الأيام، بل كانت دائماً البذرة الأولى لكل حضارة، والحجر الأساس في كل بناء فكري وثقافي يُكتَب له الخلود، فالقلم حين يُسكب حبره وعياً وحكمة، يتحول من أدواةٍ للتدوين إلى صانعٍ للهوية، وشاهدٍ حيٍّ على نهضة الأمم وتاريخها.
إن الحرف الرصين والفكر المستنير هما الركيزتان اللتان تقوم عليهما المجتمعات العظيمة ففي الفضاء الفكري والنهضوي، لا تُقاس رفعة الأمة بما تملكه من زائل الماديات فحسب، بل بما تحمله من حصانة فكرية وعقول نيرة تتكافأ في الطموح والسمو، عقول تؤمن بأن المعرفة هي السبيل الوحيد لنيل الأمجاد الأصيلة واستعادة البهاء الحضاري. وحين تتراجع الشواهد المادية وتتحلل العمرانات تحت وطأة السنين، تظل «الحروف» صامدة، تنقل تجارب الأولين وتصوغ تطلعات الآخرين، فالكلمة الصحفية والأدبية المسؤولة ليست مجرد وصفٍ للواقع، بل هي إعادة تشكيلٍ له، وإضاءة على المسارات التي يجب أن تسلكها عقول أبناء المجتمع نحو مستقبل أشد ضياءً وتألقاً.
ولا تكتمل رسالة الحرف إلا إذا وافقتها «عقولٌ متكافئة في الرفعة» عقول تشغف بالتطوير والتفكير والتجديد، وتستند في الوقت ذاته إلى إرثها وثقافتها ومجدها التليد.
إن التكامل بين قضايا الوطن وفكر أبنائه هو ما يصنع الفارق، ويرتقي بالمجتمع إلى أعلى مراتب السناء والرفعة.
ختاماً.. ستبقى الكلمات والأفكار التي تُكتب بصدق ووعي هي الحصن المنيع والمنار المستنير، تُبنى بها صروح العلم والمعرفة، وتستمر بها الأمم في صعودها نحو علياء المجد، ليظل الأثر شاهداً والنور ساطعاً عبر الأزمان.
يقول الشاعر:
تَبْقَى الحُرُوفُ عَلَى الزَّمَانِ شَوَاهِدَا
تَبْنِي الصُّرُوحَ وَتَسْتَنِيرُ بَهَاءَهَا
وَإِذَا العُقُولُ تَكَافَأَتْ فِي رِفْعَةٍ
نَالَتْ مِنَ المَجْدِ التَّلِيدِ سَنَاءَهَا