عمرو أبوالعطا
يحتل صنع الله إبراهيم موقعًا خاصًا في الرواية العربية الحديثة، فقد بنى مشروعه الأدبي على علاقة شديدة التوتر مع الواقع، وعلى إيمان بقدرة الكتابة على كشف ما تخفيه الخطابات السياسية والاجتماعية من تناقضات. جاءت رواياته محملة بالتاريخ اليومي للناس، وبأصوات الصحف والإعلانات والوثائق والبيانات، وبصور الحياة العادية حين تتقاطع مع السلطة والاقتصاد والإعلام. لذلك تجاوز أثره حدود النص الأدبي إلى المجال الأوسع للوعي العربي، وأصبح اسمه مرتبطًا بصورة الكاتب المستقل الذي يضع الحقيقة في مواجهة الشعارات، ويرفض تحويل الأدب إلى وسيلة لتجميل الواقع أو خدمة خطاب رسمي.
في 13 أغسطس 2025، رحل صنع الله إبراهيم عن عمر ناهز 88 عامًا، بعد مسيرة أدبية امتدت قرابة ستة عقود، عاش خلالها قريبًا من التحولات الكبرى التي مرت بها مصر والعالم العربي. جاء رحيله بعد سنوات ظل خلالها حاضرًا في المشهد الثقافي، متابعًا للقراءة والكتابة والأسئلة التي شغلت مشروعه منذ بداياته. غاب الجسد، وبقيت الكتب والأسئلة والطرائق التي ابتكرها في النظر إلى المجتمع والتاريخ والسلطة. لذلك تبدو ذكرى رحيله مناسبة لاستعادة تجربة روائي ارتبط اسمه بالبحث عن الحقيقة داخل التفاصيل الصغيرة، وبمحاولة تحرير الأدب من اللغة الجاهزة والمواقف المعلبة.
ولد في القاهرة عام 1937، في مرحلة كانت مصر والعالم العربي يمران خلالها بتحولات سياسية واجتماعية عميقة. كانت آثار الاستعمار حاضرة، وكانت مشروعات الاستقلال وبناء الدولة الحديثة تحمل وعودًا واسعة بالتغيير. وسط هذه التحولات تشكل وعيه السياسي والفكري، ثم جاءت تجربة السجن بين عامي 1959 و1964 بسبب انتمائه إلى حزب سياسي مصري معارض، لتمنح هذا الوعي عمقه الأكثر تأثيرًا.
كان السجن بالنسبة إليه تجربة قاسية ومساحة للتعلم والملاحظة واختبار الإنسان تحت الضغط. هناك قرأ وراقب وسجل تفاصيل الحياة من حوله، وتعلم كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على قدر من الحرية الداخلية حين تحاصره المؤسسة. كتب يومياته على أوراق السجائر واحتفظ بها سنوات، ثم تحولت تلك التجربة إلى جزء أساسي من ذاكرته الأدبية. خرج من السجن أكثر حساسية تجاه العلاقة بين الفرد والمؤسسة، وأكثر اهتمامًا بالتفاصيل التي تكشف طبيعة النظام الأكبر.
من هنا جاءت رؤيته للسلطة باعتبارها حضورًا يتجاوز السجن والاعتقال إلى الإجراءات اليومية والبيروقراطية والرقابة واللغة الرسمية. قد تظهر السلطة في موظف خلف مكتب، أو في ورقة تحتاج إلى ختم، أو في خبر منشور في صحيفة، أو في إعلان يوجه رغبات المستهلكين. هذا الاتساع في مفهوم السلطة منح رواياته قدرة على التقاط أشكال دقيقة من القهر والاستلاب، حيث تستطيع الإجراءات واللغة والمؤسسات أن تؤدي دورًا مؤثرًا في تضييق مساحة الفرد.
في «تلك الرائحة»، الصادرة عام 1966، عاد سجين سياسي إلى القاهرة بعد الإفراج عنه، فوجد نفسه أمام مدينة يعرفها وتبدو في الوقت ذاته غريبة عنه. يتحرك بين الشوارع والأصدقاء والأقارب والمواصلات، ويراقب الحياة اليومية بعبارات مقتصدة، فيما يظل أثر السجن حاضرًا في نظرته إلى العالم. هنا انتقل من تجربة الاعتقال المباشرة إلى سؤال أعمق؛ كيف يعود الإنسان إلى الحياة بعد تجربة غيرت علاقته بالأشياء والناس والزمن؟
تكمن أهمية الرواية في أنها لا تقدم السجين بطلاً أسطوريًا، وإنما تتابع إنسانًا يحاول استعادة صلته بالعالم. السياسة تظهر في الخلفية، بينما تتقدم التفاصيل اليومية إلى الواجهة. الحياة تستمر، والناس يتحدثون عن أشياء عادية، والمدينة تتحرك، فيما يحمل العائد من السجن ذاكرة مختلفة. بهذا الأسلوب أصبح القمع حاضرًا في الصمت والملل والاغتراب، لا في الشعارات وحدها.
ومن هذه التجربة بدأت تتشكل واقعية صنع الله الخاصة. الواقعية عنده تقوم على اختيار تفاصيل قادرة على كشف النظام الذي أنتجها. رحلة في حافلة قد تكشف حالة الدولة أكثر مما يكشفها خطاب سياسي طويل، ومحادثة داخل أسرة قد تكشف أثر التحولات الاقتصادية والاجتماعية بصورة أعمق من تقرير رسمي. الجملة عنده تقيس الواقع، ثم تترك للقارئ مهمة تركيب الدلالة.
في عام 1971 سافر إلى موسكو لدراسة السينما، فتعرّف إلى تجارب المخرجين الروس وإلى بعض مبادئ المونتاج، ولا سيما قدرة تجاور صورتين أو لقطتين متباعدتين على توليد معنى جديد، وعلى جعل التناقض أكثر إيحاءً من الشرح المباشر. ويمكن قراءة بعض تقنياته الروائية اللاحقة، في ضوء هذه الخبرة السينمائية، بوصفها عمليات تركيب تجمع بين مواد سردية ووثائق وأصوات مختلفة، وتضع القارئ أمام شبكة من العلاقات التي يشارك في إعادة بنائها.
أصبح الكولاج نتيجة طبيعية لهذا التصور. القصاصة الصحفية، والإعلان، والبيان الرسمي، والخبر السياسي، والتقرير، والصورة الأرشيفية، تتحول داخل الروايات إلى مواد سردية لها وظيفة فكرية وجمالية. الإعلان يتحدث عن الرفاهية، بينما يعيش المواطن أزمة اقتصادية، والخبر الرسمي يقدم صورة مطمئنة، بينما تكشف تفاصيل الحياة وجهًا آخر. من المسافة بين الصوتين تتولد الدلالة.
في «ذات» الصادرة عام 1992 تظهر هذه التقنية بأوضح صورها. ينتقل صنع الله إبراهيم إلى الحياة المصرية اليومية من خلال امرأة عادية تصبح مرآة لتحولات المجتمع. تتحرك ذات بين البيت والعمل والأسرة والطعام والملابس والأسعار والإعلانات، بينما تتحرك إلى جوارها الأخبار والقرارات والأزمات السياسية والاقتصادية. المساران يتقاطعان باستمرار، فيصبح التاريخ العام جزءًا من التاريخ الشخصي.
تغير سعر سلعة ينعكس على الأسرة، وتغير لغة الدولة يظهر داخل العلاقات الاجتماعية، والأزمة الاقتصادية تدخل المطبخ، والإعلان يدخل إلى الحلم الشخصي. ذات شخصية فردية، لكنها تحمل داخل حياتها آثارًا واسعة للتحولات التي عرفها المجتمع المصري منذ النصف الثاني من القرن العشرين. وهنا تتضح قدرة صنع الله إبراهيم على جعل السياسة مرئية في مكان يبدو بعيدًا عنها: داخل البيت.
الصحافة في «ذات» تتجاوز وظيفة التوثيق، إذ تكشف طريقة صناعة الصورة العامة للمجتمع. حين تتجاور الأخبار والإعلانات مع تفاصيل حياة ذات، تظهر الفجوة بين الصورة التي تقدمها وسائل الإعلام والتجربة التي يعيشها المواطن. يصبح الخبر السياسي شاهدًا على زمنه، ويصبح الإعلان وثيقة اجتماعية، وتتحول الحياة الخاصة إلى سجل صغير لتحولات المجتمع.
في «اللجنة» الصادرة عام 1981 ينتقل المشروع إلى منطقة أكثر تجريدًا. يواجه البطل مؤسسة غامضة تستدعيه إلى سلسلة من المقابلات والفحوص والانتظارات والأسئلة. لا يعرف على وجه الدقة من يقف خلف اللجنة، ولا يستطيع الوصول إلى منطق واضح يحكم قراراتها. تصبح المؤسسة ذاتها شخصية مركزية، ويصبح الغموض جزءًا من آلية السيطرة.
قوة «اللجنة» تتجسد في أن السلطة فيها لا تحتاج إلى وجه محدد. يكفي وجود المؤسسة والإجراءات حتى يشعر الفرد بأنه مراقب ومطالب بإثبات ذاته بصورة مستمرة. الفحص يتحول إلى وسيلة للسيطرة، والانتظار يصبح شكلًا من أشكال الإذلال، والإنسان يجد نفسه مضطرًا إلى محاولة فهم ما تريده المؤسسة حتى قبل أن تطلب منه شيئًا محددًا.
تحمل الرواية طابعًا كابوسيًا وعبثيًا، وتقترب من أسئلة الحرية والوجود ومصير الفرد أمام نظام مغلق. غير أن العبث عند صنع الله مرتبط بالسياق السياسي والاجتماعي، فالمشكلة تنشأ من علاقة مختلة بين الفرد والمؤسسة. لذلك يتحول القلق الوجودي إلى قلق سياسي، ويصبح السؤال عن معنى الحياة مرتبطًا بالسؤال عن معنى الحرية.
وتفتح «اللجنة» كذلك بابًا على الهيمنة الثقافية والاقتصادية. فالقوة تستطيع أن تدخل إلى الذوق واللغة وأنماط التفكير، ولا تظل محصورة في القمع المباشر. تصبح المنتجات والصور والمعلومات أدوات لإعادة تشكيل الإنسان، ويصبح الخضوع أكثر تعقيدًا حين يبدأ الفرد في قبول المعايير التي تفرضها المؤسسة باعتبارها أمورًا طبيعية.
أما «شرف» الصادرة عام 1997، فتعيد السجن إلى مركز التجربة الروائية. يدخل أشرف، الطالب الجامعي، السجن بعد واقعة تتصل بالدفاع عن شرفه، ثم يجد نفسه داخل منظومة تكشف الفساد والطبقية واختلال العدالة. يصبح السجن صورة مكثفة للمجتمع، حيث تتجاور داخله طبقات وتجارب مختلفة، وتتفاوت فرص النجاة بحسب المال والنفوذ والمكانة.
السجن هنا مرآة للمجتمع. علاقات السجناء بالسجانين، واختلاف المعاملة، وتفاوت فرص الحصول على الحقوق، كلها تكشف طريقة توزيع القوة خارج السجن. العقوبة نفسها تتحول إلى سؤال عن العدالة: ماذا يحدث حين تعاقب المؤسسة الإنسان دون معالجة الظروف التي ساهمت في دفعه إلى الجريمة؟ وكيف يتحول مكان يفترض أن يصلح الإنسان إلى بيئة تعيد إنتاج العنف واليأس؟
تتقاطع «تلك الرائحة» و«اللجنة» و«ذات» و«شرف» في سؤال الإنسان داخل النظام. تتغير البيئة من رواية إلى أخرى، بينما يبقى السؤال حاضرًا؛ كيف يعيش الفرد داخل مؤسسة أكبر منه؟ كيف تتسلل السلطة إلى حياته الخاصة؟ كيف يؤثر الاقتصاد في مشاعره وعلاقاته؟ وكيف يحتفظ بقدر من حريته وسط منظومة تفرض أشكالًا متعددة من الامتثال؟
اتسعت جغرافيا مشروعه خارج مصر، فكتب عن بيروت والحرب الأهلية اللبنانية في «بيروت بيروت»، وعن الثورة في عُمان في «وردة»، وعن موسكو وتجربة الطلاب العرب في «الجليد»، كما عاد إلى التاريخ المصري في «العمامة والقبعة». تغير المكان، بينما بقي السؤال المركزي حاضرًا: كيف تعمل القوة، وكيف يتأثر الإنسان بها، وكيف يعيد التاريخ تشكيل الحاضر؟
في «بيروت بيروت» تصبح الحرب شبكة من الطوائف والإعلام والمال والتدخل الخارجي والعنف. استعان الكاتب بالأفلام والوثائق والأرشيف، لأن تقديم جميع الأطراف عبر شخصيات منفصلة كان سيجعل الرواية شديدة التشعب. جاءت الوثيقة لتمنح الحرب أصواتًا متعددة، وتضع القارئ أمام روايات متنافسة عن الحدث الواحد.
وفي «وردة» تعامل مع اليسار العربي بعيدًا عن التمجيد. المرأة المناضلة تفتح أسئلة المشاركة السياسية، وتكشف التناقض بين الحلم والتنظيم، وبين التضحية الشخصية والواقع السياسي. أما «العمامة والقبعة»، التي تعود إلى الحملة الفرنسية على مصر، فتجعل الماضي مرآة للحاضر، وتطرح أسئلة العلاقة بين القوة الغازية والمعرفة، وبين الانبهار والمقاومة، وبين فهم الآخر ومقاومته.
وتظهر في الرواية ولا سيما في فصل «الربع الخالي»، دورة الأمل والإحباط التي لخصها صنع الله إبراهيم في قوله: «المصريون هكذا يصبرون طويلاً ثم ينفجرون في فورة حماس سرعان ما تنطفئ، ويعود كل شيء إلى ما كان عليه».
التاريخ عند صنع الله إبراهيم مادة حية. الماضي يعود إلى الحاضر من خلال آثاره، والحاضر يساعد على إعادة قراءة الماضي. لذلك يحتاج التعامل معه إلى مسافة زمنية تسمح بفهم التفاصيل بعيدًا عن الانفعال اللحظي. الرواية عنده تبحث عن الجذور، وتربط الحدث الكبير بحياة الناس الذين عاشوا نتائجه.
ومن أهم ملامح مشروعه الاقتصاد اللغوي. الجملة قليلة الزخرفة، دقيقة الحركة، وتمنح التفاصيل مساحة أكبر من التعليق. حين يقلل الراوي من التفسير، تنتقل مهمة إنتاج الدلالة إلى ترتيب الوقائع وتجاور الأصوات. يصبح الصمت بين جملتين جزءًا من المعنى، لأن القارئ يكتشف بنفسه التناقض بين خطاب المؤسسة وما يعيشه الفرد.
وهنا يتضح مفهوم «المونتاج الروائي». في «ذات» يتجاور زمن البيت والعمل مع زمن الأخبار والقرارات والأزمات. في «اللجنة» ينتج التكرار إحساسًا بالحصار، وفي «بيروت بيروت» تقطع الوثائق استمرارية الحكاية، فتمنع القارئ من الاستقرار داخل منظور واحد. الرواية تتحول إلى مجموعة من الشظايا التي تحتاج إلى إعادة تركيب، وهو ما يجعل القارئ طرفًا في إنتاج المعنى.
وفي عام 2003 اتخذ واحدًا من أشهر مواقفه الثقافية، حين رفض جائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي التي بلغت قيمتها مئة ألف جنيه مصري. صعد إلى المنصة وأعلن رفضه للجائزة، منتقدًا السياسات آنذاك وغياب الديمقراطية . تحول الموقف إلى لحظة رمزية في تاريخ الثقافة المصرية، لأنه وضع علاقة الكاتب بالمؤسسة الرسمية أمام اختبار عملي.
تحتاج تجربته إلى قراءة تتجاوز صورة الكاتب المعارض. فصنع الله إبراهيم صاحب مشروع جمالي معقد، وله جوانب قد تثير تحفظات نقدية. كثافة الوثائق قد تؤدي في بعض المواضع إلى إبطاء الحكاية، وبعض الشخصيات قد تبدو أقرب إلى أدوات تحمل فكرة سياسية من كونها شخصيات مكتملة الأبعاد. كما أن نبرته الساخرة والجافة تمنح بعض الأعمال قدرًا من التشاؤم والبرودة. هذه السمات تكشف في الوقت ذاته طبيعة اختياره الفني وحدوده.
مع ذلك، تبقى قيمة تجربته في قدرته على توسيع حدود الرواية العربية. فقد أدخل الدولة والخصخصة والسجن والحرب والإعلام والطبقة والاقتصاد إلى قلب العمل الروائي، وفتح المجال أمام استخدام القصاصة الصحفية والإعلان والتقرير والبيان والوثيقة باعتبارها عناصر فنية. والأهم أنه جعل الرواية قادرة على مساءلة الطريقة التي تُنتج بها الحقيقة داخل المجتمع.
امتد أثره إلى أجيال من الكتاب عبر المونتاج والسخرية الجافة والارتياب من الخطابات الرسمية وتحويل التاريخ والإعلام إلى مواد روائية. غير أن أهم درس تركه لا يكمن في تقليد تقنياته. استخدام القصاصات الصحفية دون ضرورة فنية قد يحول الرواية إلى تقرير مقطع، وتقليد نبرته الساخرة قد ينتج صوتًا واحدًا يضعف تنوع الشخصيات. القيمة الحقيقية تكمن في البحث عن الشكل الذي يجعل المادة التاريخية جزءًا من تجربة الإنسان.
لهذا يمكن النظر إلى أثر صنع الله إبراهيم في الرواية العربية عبر ثلاثة مسارات متصلة؛ توسيع الموضوعات الروائية لتشمل الدولة والخصخصة والسجن والحرب والإعلام والطبقة، وتطوير الشكل بإدخال الوثيقة والإعلان والتقرير والقصاصة إلى البناء السردي، وتقديم نموذج للكاتب المستقل الذي يستمد مشروعيته من قدرته على مساءلة المؤسسات واللغة السائدة.
وقد علّم صنع الله إبراهيم الرواية أن تراقب الوسائل التي تُنتج الحقيقة، وأن تسأل: من يتحدث؟ ومن يملك حق الكلام؟ وما الذي يختفي خلف اللغة الرسمية؟ وما الذي يحدث حين نضع الرواية المعلنة إلى جوار التجربة اليومية؟ هذه الأسئلة تمنح أعماله قدرة على تجاوز زمنها، لأن المؤسسات تتغير، واللغة الإعلامية تتبدل، والتقنيات تتطور، بينما تبقى علاقة الإنسان بالقوة والمال والذاكرة سؤالًا مفتوحًا.
غاب صنع الله إبراهيم، وبقيت ظلاله موزعة بين السجن والمدينة والبيت والصحيفة والشارع والمؤسسة والذاكرة. بقيت نصوصه شاهدة على زمن كامل، وفي الوقت نفسه ظلت مفتوحة على أزمنة جديدة. فالكاتب الذي ينجح في تغيير طريقة النظر إلى الواقع لا ينتهي حضوره بانتهاء حياته، لأن كل قراءة جديدة تمنح نصوصه فرصة أخرى للكشف.
وهذا هو الأثر الذي تركه؛ أن يقرأ الكاتب الواقع بعين مستقلة، وأن يثق في قدرة القارئ على التفكير، وأن يدرك أن الأدب يستطيع مقاومة المحو بحفظ التفاصيل. حين تتحول الصحيفة إلى ذاكرة، والإعلان إلى وثيقة، والسجن إلى سؤال، والمدينة إلى سجل سياسي، والبيت إلى مرآة للاقتصاد والمجتمع، تصبح الرواية أكثر من حكاية؛ تصبح طريقة لرؤية العالم.