د. عبدالله علي بانخر
درجت النظرة السائدة في الأوساط الثقافية العربية على اعتبار الرواية الرومانسية جنسًا أدبيًا خفيفًا، موجهًا لإمتاع القارئ بقصص الحب والفراق، بمنأى عن معارك السياسة وتعقيداتها. غير أن هذا التصنيف المتداول تراجع مع صدور كتاب أكاديمي لافت عن مطابع جامعة ستانفورد الأمريكية، يحمل عنوان: «سياسة الميلودراما: الحياة الثقافية والسياسية لإحسان عبد القدوس وجمال عبد الناصر»، للباحث الأمريكي جوناثان سمولين، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في كلية دارتموث.
لا يقدم الكتاب سيرة تقليدية لأمير الرواية العربية، وإنما يعيد قراءة تاريخ مصر في العهد الناصري وحركة يوليو 1952 من زاوية غير مطروقة. ويكشف سمولين كيف حملت قصص الحب والفراق في روايات إحسان عبد القدوس دلالات سياسية مضمرة، عبّر من خلالها عن تحفظه على تراجع الوعود الديمقراطية للثورة وانزياحها التدريجي نحو حكم عسكري مركزي. ولم يكن إحسان روائيًا محضًا، بل كان أيضًا صحفيًا جسورًا لُقب بـ «الفارس النبيل»، لحرصه على استقلالية قلمه بمنأى عن الاصطفافات الحزبية الضيقة.
العلاقة الملتبسة بين الكاتب والسلطة
يفتتح سمولين كتابه بمشهد دال على تعقيد العلاقة بين المثقف والسلطة في تلك المرحلة. ففي صباح 31 يوليو 1954، خرج إحسان عبد القدوس من زنزانته الانفرادية في السجن الحربي، بعد اعتقال دام 95 يومًا، على خلفية مقالاته الجريئة في مجلة «روز اليوسف»، وأبرزها مقالته «الجمعية السرية التي تحكم مصر» التي طالب فيها بعودة الحياة النيابية.
اللافت أنه ما إن وصل إلى منزله في حي جاردن سيتي حتى تلقى اتصالاً من الرئيس جمال عبد الناصر يدعوه فيه إلى الغداء في منزله. جلس الرجلان، وتناولا الطعام، وشاهدا فيلمًا سينمائيًا معًا، وتبادلا أطراف الحديث في شؤون عامة، دون أن يشير عبد الناصر إلى اعتقال ضيفه طوال الأشهر الثلاثة الماضية. وتكررت لقاءات الغداء هذه في محاولة لاحتواء الكاتب، حتى أن عبد الناصر قال له مازحًا مرة: «أريد أن أعالجك». وتمثل هذه المفارقات المحور الذي يتحرك فيه كتاب سمولين، إذ يرصد كيف كان عبد الناصر يتدخل شخصيًا في كتابات إحسان، مطالبًا بتعديل بعض السطور، وحين تعثر الحوار المباشر بينهما، تولى هذه المهمة من بعده أنور السادات ثم محمد حسنين هيكل.
مواقف صحفية سبقت الثورة ورافقتها
ارتبط اسم إحسان عبد القدوس بقضية «الأسلحة الفاسدة» عام 1950، حين قاد عبر مجلة «روز اليوسف» حملة صحفية كشف فيها عن تورط حاشية الملك فاروق في توريد أسلحة غير مطابقة للجيش المصري في حرب فلسطين، متحملاً في سبيل ذلك مواجهات قضائية وتهديدات مباشرة. وفي المقابل، كان محمد حسنين هيكل آنذاك مراسلاً حربيًا شابًا لصحيفة «أخبار اليوم»، يغطي المعارك من الميدان دون أن ينخرط في تلك الحملة الصحفية، قبل أن يعود بعد عقود ليوثقها في كتابه «أزمة العروش وصدمة الجيوش». وقد أسهمت مقالات إحسان في تحريك الرأي العام وتمهيد المشهد لثورة 23 يوليو 1952.
وبعد أشهر قليلة من قيام الثورة، واصل إحسان النهج ذاته بمقاله «الجمعية السرية التي تحكم مصر»، مطالبًا مجلس قيادة الثورة بتسليم السلطة إلى هيئة نيابية منتخبة، وهو ما دفع باعتقاله في السجن الحربي عام 1954، رغم عروض تقلد مناصب رسمية عُرضت عليه، مؤثرًا البقاء في صفوف الرأي العام على الانخراط في السلطة.
الرومانسية بوصفها لغة سياسية موازية
تكمن القيمة الفكرية الأبرز في طرح سمولين في قراءته لروايات إحسان المتسلسلة التي كانت تُنشر في «روز اليوسف»، إذ يرى أنها لم تكن مجرد حكايات ترفيهية، بل سجلاً عاطفيًا واجتماعيًا موازيًا لمسار الثورة. وتعمل الحبكة الرومانسية عنده، بحسب سمولين، على مستويين: مستوى ظاهري يتمثل في علاقات عاطفية معقدة، ومستوى رمزي باطني يعكس علاقة الشعب المصري بالثورة وبالقيادة العسكرية.
تتجلى هذه الرمزية في رواية «الوسادة الخالية»، التي مثلت آخر أعمال إحسان المؤيدة لجمال عبد الناصر وبدايات الثورة، قبل أن يتحول المسار في رواية «لا أنام» (1955)، حيث تتحول قصة الفتاة التي تُلحق الأذى بعائلتها بسبب حبها الأناني إلى قراءة رمزية لمسار مجلس قيادة الثورة في تقييد الحياة النيابية حفاظًا على السلطة. وبلغ هذا الخط الرمزي ذروته في رواية «أنف وثلاث عيون»، التي عُرضت على خلفيتها قضية قضائية ضد الكاتب بتهمة خدش الحياء العام، فيما اعتُبر مواجهة مبطنة مع حرية الكتابة.
صحافة الاستقلال في مقابل صحافة الشراكة
لم يكن التباين بين إحسان عبد القدوس ومحمد حسنين هيكل حول موقع الصحافة من السلطة خلافًا شخصيًا، بقدر ما كان اختلافًا في الرؤية. فقد انطلق إحسان من فكرة أن الصحافة ينبغي أن تبقى سلطة رقابية مستقلة، فأيّد الثورة بشرط تحقيق الديمقراطية، ودفع ثمن هذا الموقف من حريته حين اصطدم برغبة السلطة في الهيمنة على المشهد الإعلامي. في المقابل، آمن هيكل بأن الصحفي يمكن أن يكون شريكًا في المشروع الوطني، فاقترب من عبد الناصر وأسهم في صياغة خطاب الثورة الإعلامي، ليصبح أحد أبرز أقلامها.
ومع تضييق مساحة المعارضة الصحفية، اختار إحسان الانصراف عن العمل السياسي المباشر، متفرغًا للرواية بوصفها مساحة بديلة للتعبير، عبر أعمال مثل «في بيتنا رجل» و«شيء في صدري»، منطلقًا من قناعته بأن تحرر المجتمع هو الخطوة الأولى نحو أي إصلاح ديمقراطي.
منهج البحث وامتداد الأثر إلى الأبناء
اعتمد جوناثان سمولين في كتابه على منهجية بحثية دقيقة، استند فيها إلى أرشيف إحسان الشخصي، ومراسلاته، ومئات الأعداد الصحفية، إضافة إلى مقابلات مع أفراد من عائلته، ليخلص إلى أن العهد الناصري لم يكن خاليًا من أدب المعارضة، وإن اتخذ أشكالاً غير مباشرة. وقد حظي الكتاب بتقدير عدد من الأكاديميين، من بينهم يوآف دي كابوا وعلاء الأسواني، كما أثار نقاشًا حول حدود قراءة الأعمال العاطفية بوصفها إسقاطات سياسية مقصودة.
وامتد أثر هذا الموقف إلى الجيل التالي من الأسرة، إذ سلك الابن محمد عبد القدوس مسارًا احتجاجيًا مباشرًا كلفه الاعتقال في عهدي السادات ومبارك، ومن ذلك إدراج اسمه ضمن قرارات التحفظ في سبتمبر 1981، كما ورد في كتاب محمد حسنين هيكل «خريف الغضب». فإذا كان الأب قد عبّر عن موقفه عبر رمزية الرواية، فقد اختار الابن المواجهة المباشرة، ليلتقي الجيلان عند الثمن ذاته: ثمن الكلمة الحرة. أما الابن الأصغر، المهندس أحمد إحسان، فقد حمل عن والده تمسكه بالمبادئ في إدارة الشأن العائلي والإرث الأدبي.
إرث فكري متجدد
ورث إحسان الاهتمام بالشأن العام عن أمه الرائدة الصحفية روز اليوسف، وأدرك مع الوقت أن الانخراط المباشر في السياسة، في ظل هيمنة السلطة، قد لا يخدم القضية التي آمن بها أكثر من التعبير عنها بوسائل أخرى. ويظل كتاب «سياسة الميلودراما» شهادة على أن الحب والفراق في روايات عبد القدوس لم يكونا هروبًا من الواقع، وإنما كانا وسيلة تعبير أخرى عن قضايا الحرية والديمقراطية، ليبقى إحسان عبد القدوس أحد أبرز الأمثلة على الكاتب الذي اختار الأدب مساحة للاستمرار في الدفاع عن قناعاته.