عبدالله بن عبيد الشهراني
عندما كنت أدرس الدكتوراه، كنت أسافر أسبوعيًا بالقطار على الدرجة السياحية. وفي أحد الأيام سألت موظف التذاكر: ما الفرق بين الدرجة الأولى والدرجة السياحية؟ كنت أقصد ما الذي سيحصل عليه المسافر من راحة وخدمة وتجربة مختلفة أثناء الرحلة.
لكنه أجابني بطريقة لم أتوقعها، ودون أن يرفع عينيه عن الشاشة: «القطار مكوّن من عشر مقطورات؛ مقطورة الدرجة الأولى ستدخل المحطة أولًا، ثم تدخل بقية المقطورات تباعًا. فإذا كنت تريد أن تدفع ضعف قيمة التذكرة من أجل أن تدخل المحطة قبل غيرك بدقائق، فأنا مستعد لإصدارها لك».
بقيت هذه الإجابة في ذهني سنوات؛ لأنها تجاوزت سؤال التذكرة إلى معنى أكبر: قد تختلف المقطورات، ومستويات الراحة، ومواقع المقاعد، وتوقيت الوصول، لكن ما دام الجميع يسير على السكة نفسها، فالوجهة واحدة.
ومن هنا يلحّ عليّ سؤال كلما تأملت اندفاع بعض مجتمعاتنا نحو استنساخ بعض مكونات المنظومة الاجتماعية الغربية: إذا ركبنا القطار نفسه، وسرنا على السكة الفكرية نفسها، وتبنّينا تدريجيًا التصورات ذاتها عن الإنسان والأسرة والحرية والعلاقات، فلماذا نتوقع بالضرورة أن نصل إلى محطة مختلفة عن تلك التي وصل إليها من سبقنا؟
في المجال الهندسي، عندما تفكر شركة في تركيب خط إنتاج جديد، لا يكتفي المهندسون بكتالوج الشركة المصنّعة ولا بعرض مندوب المبيعات. يذهبون إلى المصانع التي سبقتهم إلى استخدام المنظومة، يشاهدونها بعد سنوات من التشغيل، ويسألون مستخدميها: ما الذي نجح؟ وما الذي تعطّل؟ وما العيوب التي لم تظهر يوم التدشين؟ وما التكلفة التي ظهرت لاحقًا؟
فلماذا نكون بهذه العقلانية عند استيراد آلة، ثم تقل هذه العقلانية عندما نتعامل مع منظومة اجتماعية تمس الأسرة والقيم والهوية؟
المشكلة ليست في أن نتعلّم من الغرب، بل في أن نستورد فلسفته الاجتماعية كما نستورد تقنيته؛ غافلين عن أن التقنية قد تعمل بالكفاءة نفسها في بيئات مختلفة، بينما القيم لا تُستورد جاهزة، بل تتشكّل داخل سياقاتها التاريخية والدينية والاجتماعية والثقافية الخاصة.
والمجتمعات الغربية نفسها لم تبدأ من الفراغ؛ فقد عرفت عبر تاريخها أديانًا ومؤسسات أسرية وأعرافًا وقواعد اجتماعية أكثر صلابة مما نراه في بعض صورها المعاصرة. لكن تحولات ممتدة في الحداثة والفردانية والمادية والاستهلاكية، وتراجع حضور الدين، وإعادة تعريف الحرية، إلى جانب تغيرات اقتصادية وديموغرافية واسعة، أسهمت مجتمعة في إعادة تشكيل كثير من تلك البنى، وفي تسييل ما كان يُنظر إليه سابقًا بوصفه ثابتًا اجتماعيًا.
ومن يتأمل اليوم عددًا من المجتمعات الغربية يلاحظ تغيرات لا يصح تجاهلها: تراجعًا في مركزية الزواج، واتساعًا للمعايشة خارج إطاره، وارتفاعًا في الولادات خارج مؤسسة الزواج في بعض الدول، فضلًا عن إعادة تعريف متسارعة لمفاهيم الأسرة والزواج والجنس والأدوار الاجتماعية.
ولا يمكن اختزال هذه الظواهر في سبب واحد، أو ردّها جميعًا إلى خطاب فكري بعينه؛ فقد أسهمت في تشكيلها عوامل اقتصادية وتعليمية وديموغرافية وثقافية متعددة. غير أن أحد أعمق التحولات تمثّل في انتقال مركز المرجعية تدريجيًا من ثوابت دينية واجتماعية تتجاوز رغبات الفرد، إلى تصورات أكثر فردانية تجعل الذات واستقلالها ورغباتها معيارًا متزايدًا لتعريف الحرية والحق والاختيار. ومع هذا التحول لم تتغير نظرة الإنسان إلى نفسه فحسب، بل أعيدت أيضًا صياغة معاني الالتزام والأسرة والزواج، والعلاقة بين الفرد والجماعة.
وتظهر حساسية هذا التحول حين ينتقل النقاش من نقد الممارسات وتصحيح صور الظلم إلى مساءلة المرجعية التي تُقاس بها تلك الممارسات أصلًا. فقد يبدأ الخطاب بمطالبة مشروعة بإنصاف المرأة أو بمراجعة ممارسة اجتماعية أضرت بها، ثم يتجاوز نقد التطبيق إلى إعادة تفسير بعض الأحكام والتصورات الدينية نفسها بوصفها نتاجًا تاريخيًا صاغه الرجال لحماية امتيازاتهم أو تكريس سلطة اجتماعية على المرأة، لا بوصفها جزءًا من منظومة دينية لها أصولها ومناهجها في الفهم والاستنباط.
وهنا يصبح التمييز ضروريًا: فالسؤال ليس هل وقع ظلم باسم الدين؟ فهذا ممكن، إذ قد يسيء البشر تطبيق أي منظومة. وليس هل توجد اجتهادات بشرية قابلة للنقد والمراجعة؟ فهذا من طبيعة الاجتهاد نفسه.
إنما السؤال الأعمق هو: هل موضع الخلل في الممارسة والتفسير البشري، أم أن النقد تجاوزهما إلى المرجعية الدينية ذاتها؟ فالفارق جوهري؛ لأن الأول يسعى إلى إصلاح الممارسة من داخل المنظومة، بينما الثاني يعيد بناء المنظومة انطلاقًا من مرجعية أخرى من خارجها.
وقد عرفت بعض المجتمعات الغربية مسارات شبيهة من حيث الآلية، وإن اختلف السياق الديني والتاريخي؛ إذ لم تبق التحولات الاجتماعية خلافها محصورًا في ممارسات المؤسسات الدينية أو في تفسير النصوص، بل امتد النقاش تدريجيًا إلى سلطة المرجعية الدينية نفسها في تعريف الأسرة والزواج والأدوار بين الجنسين، ثم إلى السؤال عن حق الدين أصلًا في وضع حدود للحرية الفردية.
وهنا ينبغي أن نكون أكثر انتباهًا في مجتمعاتنا.
فحين يُقدَّم كل اختلاف مع التصور الحقوقي الحديث باعتباره أثرًا لثقافة ذكورية، أو حين يُختزل بعض البناء الديني للأسرة في كونه «تفسيرًا وضعه الرجال لمصلحة الرجال»، فقد لا يعود النقاش متعلقًا بإنصاف المرأة داخل منظومتنا القيمية، بل يبدأ - من حيث ندري أو لا ندري - في نقل مركز الحكم من المرجعية الدينية إلى مرجعية أخرى تجعل الفرد واستقلاله ورغبته نقطة البداية في تعريف الحق والواجب.
وهنا يكمن أحد أكثر أشكال الاستنساخ خفاءً: فنحن قد لا نستورد النتيجة مباشرة، لكننا نستورد المقدمات التي أنتجتها.
فإذا تغير تعريف الحرية، ثم تغير تعريف الحق، ثم تغيرت المرجعية التي تضبط العلاقة بين الفرد والأسرة، فمن الطبيعي أن تبدأ بقية المفاهيم في التحرك تباعًا. وحين تتغير المرجعية، لا تتغير بعض الأحكام فقط؛ بل قد تتغير السكة التي تقود إليها بقية المفاهيم.
ومن هنا يجب أن يكون التفريق واضحًا: حقوق المرأة ليست موضع الاعتراض؛ فالعدل، وحفظ الكرامة، ومنع الظلم، وصيانة الحقوق، قيم أصيلة في ديننا وثقافتنا قبل أن تصبح جزءًا من الخطاب الحقوقي الحديث.
الإشكال يبدأ حين تتحول الحقوق من أداة لرفع الظلم وحماية الإنسان إلى فلسفة كاملة يُعاد من خلالها تعريف العلاقة بين الجنسين بمنطق الصراع والاستغناء، أو حين تصبح الحرية الفردية القيمة العليا التي تتراجع أمامها المسؤولية والواجب والالتزام الأسري.
فالفرق كبير بين أن نقول: «هذه ممارسة ظالمة ينبغي تصحيحها»، وبين أن نقول: «إن أصل البناء الديني أو الاجتماعي الذي جاءت منه هذه الممارسة بناء غير عادل ويجب استبداله».
الأولى عملية إصلاح، أما الثانية فهي تغيير للمرجعية.
والأمر نفسه ينطبق على الجدل المعاصر حول الجندر والمثلية وإعادة تعريف الزواج والأسرة. الاختلاف هنا ليس مجرد اختلاف في أنماط حياة فردية، بل في المرجعية التي تحدد أصلًا ما الزواج؟ وما الأسرة؟ وما حدود الحرية؟ وهل يكفي قبول الفرد لرغبته حتى تصبح بالضرورة قيمة اجتماعية أو حقًا يتعين على المجتمع إعادة تشكيل مؤسساته من أجله؟
هذه أسئلة لا ينبغي التعامل معها بمنطق الاتهام أو الكراهية تجاه الأفراد، لكنها في الوقت نفسه تستحق نقاشًا اجتماعيًا وفلسفيًا جادًا؛ لأن المجتمعات لا تعيش بأفراد منفصلين بعضهم عن بعض، بل بمنظومات من الالتزامات والقيم والمعايير التي تحفظ استمرارها عبر الأجيال.
ولهذا فإن خوفي ليس من الانفتاح، ولا من التعلم، ولا من الاستفادة من التجربة الغربية. فالمنجز الغربي في العلم والتقنية والإدارة والتنظيم والمؤسسات والبحث منجز عظيم، والاستفادة منه ضرورة لا موضع للجدل فيها.
الخوف الحقيقي هو أن نستورد «السكة» مع القطار؛ أن نأخذ الفلسفة التي أعادت تعريف الفرد، ثم الأسرة، ثم الزواج، ثم معنى الحرية والالتزام، ثم نظن بعد ذلك أن اختلاف ثقافتنا وحده كافٍ ليضمن لنا محطة أخرى.
وقد تكون هذه هي المغالطة التي ينبغي أن نتوقف عندها: الاعتقاد بأننا نستطيع تبني المقدمات الفكرية نفسها، ثم نتحكم بعد ذلك في النتائج الاجتماعية التي ستنتج عنها.
فالأفكار لا تبقى في الكتب طويلًا؛ تتحول مع الزمن إلى لغة، ثم إلى تصورات، ثم إلى معايير اجتماعية، ثم إلى مطالب، ثم إلى مؤسسات وتشريعات. وما يبدو اليوم نقاشًا فلسفيًا مجردًا قد يصبح غدًا جزءًا من تعريف المجتمع لما هو طبيعي ومقبول وواجب.
والحكمة ليست في رفض القطار لأنه غربي، ولا في ركوبه مغمضي الأعين لأنه حديث. الحكمة أن ننظر إلى آخر السكة، وأن ندرس تجارب الذين سبقونا إليها: ماذا كسبوا؟ ماذا خسروا؟ ماذا حدث للأسرة؟ كيف تغير الزواج؟ ماذا صنعت الفردانية بالعلاقات؟ وكيف تغير معنى الالتزام؟ وما الذي أصبح بعضهم اليوم يعيد التفكير فيه بعد عقود من التجربة؟
ليس المطلوب أن نصدر حكمًا شاملًا على الغرب، ولا أن نختزل مجتمعاته المتنوعة في صورة واحدة؛ بل أن نتعامل معه بوصفه تجربة حضارية سبقتنا زمنيًا في كثير من التحولات، وأن نتعلم من نتائجها كما نتعلم من منجزاتها.
فالاستفادة من الحضارات لا تعني استنساخها، والتعلم من الآخر لا يعني أن نرى العالم بعينيه.
نأخذ من تجارب الأمم ما ينفعنا، ونمرره عبر مصفاة عقيدتنا وقيمنا وبنيتنا الاجتماعية، ونملك الشجاعة لرفض ما لا يلائمنا مهما كان براقًا أو حديثًا، كما نملك الشجاعة لتصحيح أخطائنا وممارساتنا حين تخالف العدل الذي نؤمن به.
فالحداثة لا تعني أن نسير حيث سار الآخرون، بل أن نعرف لماذا نسير، وما الذي نحمله معنا، وما الذي نرفض حمله، وإلى أين تقودنا السكة.
وإذا كانت السكة واحدة، فاختلاف المقاعد لن يصنع لنا محطة أخرى.