الهادي التليلي
من لم يذق من زيت زيتونها كأنما لم يذق الزيت أبدا، تلك هي الحقيقة التي أجمع عليها التاريخ والجغرافيا وكل الأجيال المتعاقبة وزوارها المتيمين بها، كيف لا وهي المدينة الوحيدة في العالم التي بنيت بعض أسوارها بزيت الزيتون عندما هدم الاستعمار بعض جدرانها هذه الأسوار الغارقة في الجمال، والتي تعاقبت عليها عصور وحضارات، نعم هذه الأسوار كنز من التاريخ والمهن والحرف والحكايات، فسواء دخلتها من باب القصبة أو باب الديوان أو الباب الجبلي أو الباب الشرقي أو الباب الغربي فأنت ترى تفاصيل حياة أهل المكان، وسواء توجهت إلى الجامع الكبير أو أسواقها؛ كسوق الربع والمعروف بالملابس والحرف اليدوية وسوق الكامور الذي يستقطب المولعين بكل شيء يحمل رائحة المدينة وسوق الصباغين والذي كان ملتصقا بمهنة الجلود وسوق السمك أو حسب تسمية أهل المكان وسوق الفرياني والمعروف بلوازم الخياطة وسوق بوشويشة للخضر والفاكهة وسوق الحدادين وغيرها من الأسواق داخل هذه الأسوار.
مدينة صفاقس أو مدينة السحر الدائم تستقبلك بماضيها وحاضرها وقصص الأولياء وثبات أبنائها اما الاستعمار وقصص الحاجوجة التي تعود الى القرن الثاني عشر ميلادي والتي قدم خلالها اهل المدينة درسا في البطولة على النرمان الذين احتلوا المدينة ساعتها حيث جمعوا الفول من بيوت المدينة بعدد القادرين على حمل السلاح وقاموا بثورة استعمل فيها النيران والمشاعل الموقدة بالزيت وهنا كل شذرة من تاريخ المدينة لا يغيب فيها الزيت.
صقاقس التي عانت تاريخيا من الغزاة التي كانت عصية عليهم ففي 5 ماي 1786 وخلال حرب البندقية والايالة التونسية تم قصفها من الأسطول الإيطالي وفي الربض القبلي المواجه للباب الجبلي وقد سقط عدد كبير.
من أبنائها خلال هذه المواجهات وخلال الاحتلال الفرنسي وتحديدا في 5 ماي 1952 وفي 18جانفي من نفس السنة شهدت المدينة خليانا نتج عنه مجازر واعتقالات.
مدينة صفاقس الجميلة بأحيائها وطرقاتها مثل طريق المطار وما يحويه من أحياء وأماكن عتيقة تسمى بالزنقة وطبعا وادي الرمل وزنقة السردينة والشيشمة نسبة إلى الحنفية وزنقة العربي وزنقة الجبانة وغيرها، وعدد كبير من الأحياء بعضها قديم وبعضها جديد منها حي الانس وحي الحبيب وحي البحري وحي النوروالمحارزة وطريق قابس وتونس وساقية الدائر والزيت وغيرها، والتي تصب كلها في باب لبحر حيث المؤسسات العصرية والفنادق الفارهة والأسواق الحديثة.
صفاقس الجميلة بالمدن التابعة إليها قرقنة والصخيرة وعقارب والمحرس والغريبة وبير علي بن خليفة وجبنيانة والعامرة والحنشة ومنزل شاكر وطينة تشكل نسيجا اجتماعيا متكاملا.
صفاقس التي أصبحت العاصمة الاقتصادية برجالاتها الذين تعلموا التعويل على الذات وصناعة النجاحات، وكذلك أصبحت القطب التعليمي والعلمي حيث تحصد كل عام المراتب الأولى في التعليم، و تعتبر نموذجا في الجدية والانضباط الذي يحتاجه كل بلد لبناء نهضته.
تلك هي صفاقس قطعة من التاريخ مثل الذهب الذي لا يذهب بريقه مهما حاول الصدأ النيل منه.