خلود الخالدي
لو سألت أي شخص مهما كان عمره أو تعليمه أو نوعه أو مجال عمله (ماذا تعرف عن الكربون؟) لسمعت أجوبة متشابهة، تتقاطع معظمها في أن الكربون لا يتجاوز كونه شيئا سلبيا، يلحق الضرر بالبيئة، وبمعنى آخر هو ليس أكثر من «نفاية بيئية» يجب التخلص منها، والحدّ من ضررها!
لكن ماذا لو أصبحت هذه النفاية مورداً، واستثماراً ترجع آثاره على البلاد بأسرها! ربما سيكون الأمر غريباً للوهلة الأولى، لكنه لن يبقى كذلك ليس بعد الاطلاع بشكل أقرب على تجربة المملكة العربية السعودية في هذا المجال، والتي تنم عن فكر أكثر ذكاء من الاستسلام لآفات البيئة بل العمل على تحويلها قدر الإمكان لمصدر من مصادر الفائدة.
الاقتصاد الدائري للكربون هو فكرة أخذت المملكة إلى أماكن ريادية في المجالات البيئية، حيث يركز على سؤال: كيف ندير هذه النفاية، بدلاً من سؤال: كيف نتخلص منها أو نزيلها وحسب! وتعكس الإدارة في هذا المعنى مجموعة إجراءات أكثر شمولاً واستدامة، وهي إعادة تدوير هذه النفاية البيئية بحيث تصبح مصدر نفع يحمل جدوى اقتصادية على المدى القريب والبعيد.
وضمن الاقتصاد الدائري للكربون تتمحور عدة أساليب أهمها الخفض أو التقليل (Reduce) بمعنى تقليل الكمية الكربونية التي تدخل المجال البيئي، من خلال اعتماد مصادر الطاقة المتجددة بشكل أكبر ضمن المنظومة البيئية، ومن أساليب الاقتصاد الدائري للكربون أيضاً إعادة الاستخدام (Reuse).
ويقصد بإعادة الاستخدام، القبض على الكربون لإعادة استخدامه كمدخل صناعي دون إحداث تغيير في تركيبه الكيميائي، على عكس إعادة التدوير (Recycle) التي تقوم على تحويل الكربون لمادة جديدة مثل السماد والوقود الصناعي من خلال إحداث تغيير في تركيبه، ويدخل الـ (Recycle) أيضاً ضمن أساليب الاقتصاد الدائري للكربون.
ومن الخفض إلى إعادة الاستخدام وإعادة التدوير إلى رابع أساسيات الاقتصاد الدائري للكربون، وهو الإزالة (Remove) أي التخلص نهائياً من الكربون بعد استخلاصه من الغلاف الجوي وتخزينه تحت الأرض.
إن كل فكرة من أفكار الاقتصاد الدائري للكربون تحمل في داخلها أهدافها المستدامة، فعلى سبيل المثال يتلخص الهدف الأساسي لخفض الكربون في منع الانبعاثات، في حين تهدف إعادة الاستخدام إلى استخدام الكربون في مجالات أخرى.
ومما لاشك فيه برز تفوق بعض الجهات في المملكة في مجال تطبيق الاقتصاد الدائري للكربون، حيث أنجزت «أرامكو» أكثر من 300 مبادرة متعلقة بالاقتصاد الدائري، كما أنها تقود مشروعاً استثنائياً لإنشاء مركزاً ضخماً لاحتجاز الكربون وتخزينه.
ومن الجهات البارزة في تطبيق الاقتصاد الدائري للكربون نجد «سابك» والتي كانت من أوائل الشركات التي تبنت فكرة المملكة وسارعت لتطبيقها في أعمالها، فبادرت بإنشاء أكبر مصنع في العالم لإعادة استخدام الكربون!
وبقيمة بلغت 5 مليار دولار، سارعت كل من «أكوا باور» و «نيوم» في تحالف لإنشاء مشروع «نيوم للهيدروجين الأخضر»، والذي يركز على فكرة الخفض والتقليل من الانبعاثات وتعزيز الاعتماد على الطاقة النظيفة.
وتأتي جهود الشركات المعروفة في المملكة في إطار جهود كبرى تقودها السعودية من خلال الجهات المسؤولة وفي مقدمتها وزارة الطاقة، والتي تدير مباشرة البرنامج الوطني للاقتصاد الدائري للكربون.
إن العمل على فكرة الاقتصاد الدائري للكربون وتبنيها من قبل الجهات المعنية في تطبيقها، تعود بمكاسب بيئية بالدرجة الأولى واقتصادية واعدة وعديدة، وعلى الصعيد البيئي تمثل الفكرة اللبنة الأولى نحو تحقيق الحياد الصفري دون تعطيل حركة الاقتصاد والصناعة بل بدعمها أيضاً.
وتتمثل العوائد الاقتصادية من خلال تحويل العبء البيئي إلى مورد يدر الأموال بدل أن يستنزفها في عمليات التخلص منه، بل يصبح أداة توفير ذكية فمن غير الشائع والنمطي القدرة على التقاط إيجابية عناصر لطالما تم التعامل معها على أنها تلحق الضرر وحسب!
وتوفر فكرة الاقتصاد الدائري للكربون الحماية لأمن الطاقة، كما تفتح الأبواب أمام استثمارات واعدة في هذا المجال من شأنها أن تخلق فرص عمل إضافية لاسيما في المجالات التقنية والمتعلقة بإدارة المشكلات البيئية بابتكارية عالية.
ومن خلال تبني المملكة للاقتصاد الدائري للكربون تقدم نموذجاً ملهماً من شأنه تحويل النظر وطريقة التعامل مع الآفات على أنها مصادر تعطيل للإنتاجية ليس أكثر، بل التعامل معها بأسلوب أكثر انفتاحاً والتفكير فيما يمكن الاستفادة منها فيه.
يمكن لرؤيا كهذه لو عممت أكثر أن تعود بآثار هامة وحافلة تحمل الأمان للبيئة وتنقذها من خطر تراكم الانبعاثات بشكل كبير من جهة، كما يمكن لها أن تمنح الكربون فرصة ليثبت نفسه كشيء ليس سلبي وضار بالمطلق من جهة أخرى.
وأخيراً جدير بنا أن نقول أن الاقتصاد الدائري للكربون، ليس حلا تقليديا لمشكلة بيئية صعبة وآخذة في التفاقم، بل حل يعكس التفكير أبعد بكثير من النظر إلى المشكلة بحدود ضيقة، إنما التركيز على إمكانية تحويل الثغرة إلى نقطة قوة، وجعلها جزءا من الحلول، في سعي مستمر تمضي خلاله المملكة نحو تعزيز الاستدامة ونشرها على نطاق يتجاوز حدود البلاد إلى أنحاء العالم!