د. سطام بن عبدالله آل سعد
تدخل المملكة مرحلة جديدة في قطاع النقل بعد نجاح التجربة الأولية للمركبات ذاتية القيادة في الرياض، واتجاه الهيئة العامة للنقل إلى إصدار التراخيص والتوسع في مدن المملكة. وهذه الخطوة تستحق أن تُقرأ بوصفها فرصة اقتصادية وتقنية وتنموية، تتجاوز تشغيل مركبات تقود نفسها إلى بناء منظومة وطنية متكاملة حول هذه التقنية.
فالاستفادة الحقيقية تبدأ حين يتحول دخول المركبات ذاتية القيادة إلى صناعة ومعرفة وتشريعات ووظائف. والمملكة تملك فرصة مبكرة للدخول بقوة في هذا القطاع قبل أن تترسخ مراكزه العالمية وتتحدد خريطته الاقتصادية، وهو ما يجعل بناء منظومة وطنية للاختبار والاعتماد من أولويات المرحلة المقبلة.
فالبيئة السعودية تختلف عن كثير من البيئات التي طُورت فيها هذه المركبات؛ من درجات الحرارة المرتفعة والغبار والعواصف الرملية، إلى الطرق الصحراوية والمسافات الطويلة بين المدن والكثافة المرورية في بعض المواقع والمواسم. ولذلك فإن نجاح المركبة في أوروبا أو شرق آسيا لا يعني بالضرورة كفاءتها بالمستوى نفسه في البيئة المحلية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مركز وطني متخصص لاختبار المركبات وتقنيات الاستشعار والذكاء الاصطناعي في الظروف المناخية والجغرافية السعودية، بحيث يتحول مع الوقت إلى جهة إقليمية لاعتماد المركبات المخصصة للعمل في البيئات الصحراوية. وعندها تصبح المملكة موقعًا لاختبار التقنية وتطويرها، إلى جانب كونها سوقًا لها.
ولا يكتمل ذلك دون ربط التراخيص بالتوطين ونقل المعرفة. فالشركات العالمية الراغبة في تشغيل المركبات ذاتية القيادة داخل المملكة يمكن أن تسهم في تدريب الكفاءات السعودية، وإنشاء مراكز للتشغيل والصيانة، وتطوير البرمجيات، ومعايرة أجهزة الاستشعار، وبناء شراكات بحثية مع الجامعات. وبذلك يصبح الترخيص أداة لتنمية المحتوى المحلي واستقطاب المعرفة والاستثمار، بدلاً من أن يقتصر على السماح بالتشغيل.
ومع دخول هذه الشركات، تبرز البيانات بوصفها إحدى أهم القيم التي تنتجها هذه التقنية؛ إذ تجمع المركبات ذاتية القيادة كميات ضخمة من المعلومات عن الطرق وحركة المرور والإشارات والمشاة والبيئة المحيطة، وتُوظف هذه البيانات، ضمن ضوابط الحماية والخصوصية، في إنشاء منصة وطنية للتنقل الذاتي تدعم تحسين الطرق، ورفع مستوى السلامة، وتطوير الخوارزميات والحلول الملائمة للبيئة السعودية.
هذا التطور يفرض في الوقت نفسه معالجة مبكرة للجوانب التشريعية، إذ ترتبط المسؤولية في المركبة التقليدية غالبًا بالسائق، بينما تتوزع في المركبة ذاتية القيادة بين المالك، والشركة المشغلة، ومصنع المركبة، ومطور النظام أو البرمجيات. ولذلك من المهم تحديد المسؤولية القانونية والتأمينية بوضوح، مع إلزام المركبات بسجل إلكتروني يشبه «الصندوق الأسود» يوثق حالة المركبة وقرارات النظام قبل الحادث وأثناءه، بما يحفظ الحقوق ويساعد الجهات المختصة على التحقيق.
ويرتبط بذلك مباشرة جانب الأمن السيبراني، لأن المركبة ذاتية القيادة هي نظام رقمي متصل بالشبكات والبرمجيات. وأي اختراق لهذه الأنظمة قد يتحول إلى تهديد مباشر للسلامة، ما يستدعي وضع معايير وطنية صارمة لحماية أنظمة التحكم والاتصالات والتحديثات البرمجية والبيانات.
وبعد استكمال البيئة التنظيمية والتقنية، تأتي مرحلة التوسع في الاستخدام، والأفضل أن تبدأ بالمواقع التي يمكن ضبطها وتحقق عائدًا اقتصاديًا وتشغيليًا واضحًا، مثل المطارات والجامعات والمدن الطبية والصناعية والمشروعات السياحية والمجمعات الكبرى.
كما تمتلك المملكة مجالًا يؤهلها للتفرد عالميًا، وهو إدارة التنقل في الحج والعمرة، بتوظيف المركبات الذاتية مستقبلًا في نطاقات تشغيل مخصصة تربط مواقف السيارات بمحطات القطارات ومراكز التجمع، بما يدعم تطوير حلول سعودية متخصصة لإدارة الحشود والتنقل الذكي في المواسم الكبرى.
ويبرز قطاع الشحن كذلك بوصفه أحد المجالات الواعدة لتجربة الشاحنات ذاتية القيادة على طرق مختارة بين الموانئ والمراكز اللوجستية والمناطق الصناعية. ويسهم التوسع في هذا النوع من النقل في رفع كفاءة حركة البضائع، وخفض تكاليف التشغيل، وتسريع العمليات اللوجستية، بما يعزز مكانة المملكة مركزًا لوجستيًا عالميًا.
ومع اتساع هذه الاستخدامات، تصبح تنمية رأس المال البشري ضرورة موازية للتوسع التقني. وكما بدأت الجامعات في إنشاء برامج متخصصة في النقل السككي، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مسارات أكاديمية ومهنية في هندسة المركبات الذاتية، وأنظمة الاستشعار، وذكاء النقل، والأمن السيبراني للمركبات، وإدارة الأساطيل الذكية، حتى تكون الكفاءات الوطنية جزءًا من الصناعة منذ بدايتها.
نجاح تجربة الرياض يمثل بداية مرحلة جديدة في قطاع النقل، تتطلب استعدادًا تشريعيًا وتقنيًا وبشريًا يواكب التوسع المتوقع في المركبات ذاتية القيادة. وكلما كان الاستعداد مبكرًا، كانت الاستفادة من هذه التقنية أكبر وأكثر أمانًا.