سلطان بن نايف الحربي
بعد أكثر من خمسة وعشرين عاما في التعليم، تعلمت أن الطفل لا يدخل الفصل وحده؛ يدخل معه شيء من بيته أيضا. يظهر ذلك في نظافته، وطعامه، ونظامه، وطريقة حديثه، وفي قدرته على أن يعتمد على نفسه دون أن يبحث بعينيه عمن يفعل الأشياء عنه.
ولهذا كنت أتعمد أحيانا أن أسأل طلاب الصفوف الأولية أسئلة تبدو عابرة وبريئة: هل أفطرتم هذا اليوم؟ وماذا تتوقعون أن يكون غداؤكم هذا اليوم؟ قطعا، لم أكن أقصد أن أفتش في موائد الناس، بل كنت أحاول أن أقرأ ما وراء وجوه أطفال لا يجيدون دائما التعبير عما ينقصهم.
في أحد الأيام - تحديدا في الحصة الأخيرة - أخذ الصغار يتحدثون بحماس ويتوقعون ماذا سيكون غداؤهم؟ حتى قال أحد طلاب الصف الأول: إنه سيأكل «إندومي» لأن أمه تعود متأخرة من عملها ثم تنام.
لم تكن «الإندومي» هي القضية. نظرت إليه فوجدت أن ملابسه كان يمكن أن تكون أكثر نظافة، وبدأت التفاصيل الصغيرة تتجمع أمامي. سألته عن عمل أمه، فجاءت الإجابة التي جعلت المفارقة أثقل من أن تمر عابرة: «موجهة طلابية».
توقفت مذهولا وتساءلت. كيف نجيد أحيانا إرشاد أبناء الآخرين، ثم لا ننتبه بما يكفي إلى الطفل الذي يعيش تحت سقفنا؟ وكيف تصبح الحكمة أوضح كلما ابتعد موضوعها عنا؟ وما قيمة المعرفة التربوية إذا توقفت عند باب المنزل؟
أخذت رقم والده واتصلت به مساء. قلت له مازحا بعد التحية: يبدو أنني بدأت أصدق المثل القائل: «باب النجار مخلوع». فضحك وعرف مقصدي. ثم تركنا المزاح جانبا، وقلت له ما رأيت بصراحة. لم يكن هدفي أن أدين أسرة، بل أن أنبه إلى طفل يحتاج إلى حضور أسرته. ومنذ ذلك اليوم بدأ التغيير. ظللت أراه حتى وصل الصف السادس، وكان الفرق واضحا جدا جدا.
بقيت هذه الحادثة في ذاكرتي لأنها علمتني أن الحزم في الوقت المناسب قد يكون أكثر رحمة من مجاملة طويلة. احترام خصوصية الأسرة لا يعني أن يصمت المعلم حين يرى على الطفل مؤشرات تستحق الانتباه. فالتدخل ليس فضولا ولا وصاية، بل قد يكون دفاعا عن طفل لا يملك اللغة أو الجرأة ليقول: إنه يحتاج إلى من يلتفت إليه.
وأقول للأم، وبالأخص الموظفة، بعتاب صريح ومحبة صادقة: عملك مهم، وطموحك حق، وتعبك حقيقة، لكن الوظيفة لا تمنح إعفاءك من الأمومة. أنت لست مطالبة بأن تبقي مع أطفالك كل ساعة، لكنك مطالبة بأن تعرفي كيف بدأوا يومهم؟ وهل أفطروا؟ وكيف خرجوا، ومتى عادوا؟ وما الذي تغير في وجوههم وسلوكهم؟ يمكنك أن تستعيني بخادمة تخفف عنك أعباء المنزل، لكن لا ينبغي أن يأتي يوم تصبح فيه امرأة أخرى أدرى منك بما أكل ابنك، ومتى نام، ولماذا تغير مزاجه؟ لا تتركوا أبناءكم للخادمات؛ اتركوا لهن ما جئن للمساعدة فيه، وابقوا أنتم من حيث لا يستطيع أحد أن يحل محلكم في التربية والحضور وصناعة الشخصية.
استعيني بمن يساعدك، لكن لا تفوضي أحدا ليكون أما عنك. فالمشكلة ليست في وجود الخادمة؛ بل في أن تصبح هي صاحبة التفاصيل، بينما يتراجع حضور الأم إلى الهامش.
والأب أيضا لا يملك إعفاء اسمه بالقول: «أنا أعمل». فكما أن الوظيفة لا تعفي الأم من الأمومة، فالمصاريف لا تعفي الرجل من الأبوة. ليس مطلوبا منك أن تفتح تحقيقا يوميا مع أبنائك، لكن من المؤلم أن يعرف الرجل تفاصيل عمله ومواعيده وحساباته، ثم لا يعرف من يصادق ابنه، وما الذي يقلقه، ولماذا تغير سلوكه؟ الأبوة حضور لا تمويل فقط!
لكن الحضور لا يعني أن نخدم أبناءنا حتى نعجزهم. نخطئ حين نهمل الطفل، ونخطئ أيضا حين نفعل عنه كل شيء. من الحب أن نساعد، ومن التربية أن نتراجع خطوة عندما يستطيع الطفل أن يفعل الشيء بنفسه. دعه يرتب فراشه، يحمل حقيبته، يحافظ على أدواته، ويشارك في شؤون البيت المناسبة لعمره، ويتحمل نتيجة إهماله البسيط. لا تجعلوا الخادمة تحمل عنه كل شيء، ثم تستغربوا بعد أعوام أنه ينتظر من الحياة أن تحمل عنه مسؤولياتها أيضا!
البدايات الجادة ليست قسوة. فالأعوام الأولى هي المرحلة التي تتحول فيها التفاصيل إلى عادات، وتسهم فيها العادات في تشكيل الشخصية. وما يصبح طبيعيا في السابعة في الأغلب لا يحتاج إلى معركة كل صباح في السابعة عشرة. الجدية والانضباط لا يضمنان النجاح، لكنهما يرفعان فرصه؛ لأن الطفل الذي يتعلم منذ الصغر أن عليه واجبات في المنزل، وأن الآخرين ليسوا لخدمته، أقرب إلى أن يصبح شابا يعرف أن الحرية لا تعني الهروب من المسؤولية.
ثم تأتي المدرسة. دورها عظيم، لكنه مكمل. فالأسرة تؤسس، والمدرسة تنمي، والمجتمع يعزز أو يضعف ما بدأه الاثنان بما يقدمه للطفل من نماذج يومية للسلوك والمسؤولية. لا يمكن أن نطالب المعلم في ساعات محدودة بأن يبني وحده ما أهمل البيت وضع أساسه، كما لا يجوز للمعلم أن يرى مؤشرات تستحق التنبيه، ثم يختبئ خلف عبارة: هذه شؤون أسرية!
وفي النهاية، لا يحصل الوطن فجأة على مواطن مسؤول في سن الثلاثين. ذلك المواطن كان يوما طفلا صغيرا يتعلم: هل يحمل حقيبته بنفسه؟ هل يرتب فوضاه؟ هل يتحمل نتيجة خطئه؟ وهل هناك أب وأم يريانه حقا؟! فذلك الطفل الذي قال ذات يوم: إنه سيأكل الإندومي تغير حين استيقظ بيته لمسؤوليته.
نحن لا نربي طفلا لاجتياز عام دراسي جديد؛ نحن نعد إنسانا سيحمل يوما نفسه، وأسرته، وعمله، ونصيبه من مسؤولية هذا الوطن.
فالنهايات التي تفرحنا تبدأ في الأغلب من بدايات لم يجامل فيها الكبار في مسؤولياتهم.