أحمد الأسمري
قرار تشخيصي واحد قد يغيّر لسنوات المسار التعليمي لطفل. اختبار يكشف قدراته، وتقييم يحدد احتياجاته، وجلسة نطق تفتح له باب التواصل، وخدمة علاجية أو سمعية أو بصرية تعينه على أن يتعلم ويشارك مثل أقرانه.
لهذا لم تعد الخدمات المساندة في التربية الخاصة عملاً هامشياً يضاف إلى التعليم، وإنما أصبحت أحد شروط نجاحه. ومع تطور النظرة عالمياً إلى تعليم الأشخاص ذوي الإعاقة، والانتقال من المؤسسات المنعزلة إلى الدمج والتعليم الشامل، ازدادت الحاجة إلى فرق متخصصة تعمل إلى جوار المدرسة والأسرة، وتساعدهما على فهم الطالب وتحديد ما يحتاجه.
وفي المملكة، نمت هذه الخدمات مع توسع برامج التربية الخاصة، ثم أخذت شكلاً أكثر تنظيماً من خلال مراكز الخدمات المساندة التي جمعت تحت سقفها مجالات متعددة في التشخيص والتقييم والتأهيل والتدخل المبكر والاستشارة والمتابعة.
وكان الدليل التنظيمي السابق للتربية الخاصة واضحاً في النظر إلى هذه المراكز بوصفها منشآت تخصصية كبيرة؛ حتى أنه حدد طاقتها الاستيعابية اليومية بين 150 و200 جلسة علاجية لمراكز الفئة «أ»، وبين 100 و150 للفئة «ب»، إلى جانب تنظيم إدارة الحالات والتشخيص والإحالة والخدمات المختلفة.
أما الدليل التنظيمي الجديد لبرامج ذوي الإعاقة، فقد أبقى للمراكز موقعاً مهماً في التقييم وتقديم الخدمات المساندة، ووسع مفهوم الخدمة الممتدة إلى البيئات التعليمية، وأدخل المراكز المعتمدة والقطاعين الخاص وغير الربحي ضمن دائرة تقديم الخدمة.
وهذه أدوار كبيرة، لكنها تحتاج إلى واقع يوازيها.
فلا يمكن لمركز مسؤول عن التقييم النفسي، واللغة والكلام، والسمع والبصر، والعلاج الوظيفي والطبيعي، والتدخل المبكر والخدمات الاجتماعية والاستشارية أن يؤدي رسالته بالكفاءة المطلوبة إذا افتقد العدد الكافي من المختصين، أو بقيت بعض تخصصاته شاغرة، أو تضخمت أعداد الحالات وقوائم الانتظار.
كما أن دقة التقييم لا تنفصل عن المكان الذي يجري فيه. فغرف الفحص المناسبة، والهدوء والخصوصية، والأجهزة الحديثة وصيانتها ومعايرتها، والاختبارات المقننة، وتجهيزات النطق والعلاج والتأهيل ليست كماليات، وأي نقص فيها قد ينعكس على جودة الخدمة والقرار الذي يبنى عليها.
وتحتاج هذه المراكز كذلك إلى ميزانيات تشغيلية واضحة وموارد تفي باحتياجاتها اليومية؛ للصيانة والنظافة والأدوات والتحديث والتدريب. ومن الصعب مطالبة مركز بأن يعمل كبيت خبرة وهو يعاني في أبسط متطلبات تشغيله.
ومن المهم مساعدتها على بناء شراكات منظمة مع المستشفيات والجامعات والجمعيات والقطاعين الخاص وغير الربحي، بما يسد فجوات التخصص، ويفتح مجالات التدريب، ويسرع الحصول على الخدمات التي لا تتوافر داخل المركز.والدعم المطلوب لا يتوقف عند تطوير المراكز القائمة؛ فالحاجة تستدعي أيضاً إحداث مراكز جديدة في المدن والمحافظات التي لا تتوافر فيها الخدمة، وإضافة مراكز أخرى في المناطق التي تواجه مراكزها ضغطاً مرتفعاً وأعداداً كبيرة من الإحالات. وهنا ينبغي ألا يكون عدد الطلاب وحده هو المعيار، فالمساحة الجغرافية، وبعد المستفيدين، وحجم الإحالات، وقوائم الانتظار، وتنوع الخدمات المطلوبة، كلها تكشف حجم الحاجة الفعلية.ويبقى مستقبل الدور نفسه موضع اهتمام. فالدليل الجديد وضع في مرحلة الكشف وجود تقرير تشخيصي طبي من وزارة الصحة أو مؤسساتها، ثم تأتي الإحالة، عند الحاجة، إلى مراكز الخدمات المساندة والمراكز المعتمدة للتقييم.
هذا المسار قد يحقق مزيداً من ضبط التشخيص، لكنه يثير في الوقت نفسه تساؤلاً مشروعاً عن الحدود المستقبلية لدور المركز مع تعدد الجهات المقدمة للخدمة. والمطلوب هنا وضوح الرؤية؛ حتى تعرف هذه المراكز موقعها، وتعمل بأمان واستقرار، وتخطط لاحتياجاتها وكوادرها وخدماتها على المدى البعيد.
فالتقرير الطبي يثبت الحالة، لكنه لا يستطيع وحده تحديد كيف يتعلم الطفل، وما قدراته، وما الخدمات التي يحتاجها داخل المدرسة. وهذه تحديداً هي المساحة التي تجعل مراكز الخدمات المساندة ضرورة لا يمكن اختصارها.ومستقبلها ينبغي أن يكون في تعزيزها؛ لتصبح بيوت خبرة حقيقية للتربية الخاصة، تمتلك الكادر والمكان والتجهيز والموارد والشراكات، وتنتشر حيث توجد الحاجة، وتصل بخبرتها إلى المدارس والأسر. فحجم الدور الذي ينتظرها اليوم أكبر من أن يترك لإمكانات لا تزال، في كثير من الأحيان، دون مستوى المهمة.