عبدالرحمن العطوي
يطل عام دراسي جديد حاملا معه الكثير من الطموحات والآمال ومبشرا ببداية مرحلة جديدة في مسيرة التعليم في وطننا الغالي وهي مسيرة تحظى بدعم غير محدود من القيادة الرشيدة- أيدها الله- التي جعلت التعليم والاستثمار في الإنسان وبناء قدراته في مقدمة أولوياتها باعتبار أن الإنسان هو الثروة الحقيقية التي تبنى بها الأوطان وتصنع بها الإنجازات.
وفي هذا العام يأتي المشهد التعليمي مختلفا في جانب مهم يمس الحياة اليومية للمعلمين والمعلمات، ويتمثل في تنظيم نهاية اليوم الدراسي بصورة أكثر ارتباطا بنهاية اليوم الدراسي للطلاب والطالبات وهو توجه يستحق التوقف أمامه لأنه لا يتعامل مع المعلم باعتباره رقما في منظومة الحضور والانصراف وإنما ينظر إلى طبيعة عمله وظروفه وارتباط رسالته التعليمية مباشرة بالطالب والعملية التعليمية داخل المدرسة.
ومن واقع تجربة امتدت بي في الميدان التعليمي وكنت خلالها مديرا لإحدى المدارس حتى العام الماضي أستطيع القول: إن قضية بقاء المعلم والمعلمة داخل أسوار المدرسة بعد انصراف الطلاب لم تكن مجرد دقائق عابرة في نهاية اليوم بل كانت واقعا يعيشه الميدان ويشعر بأثره من يطبقه فعليا خصوصا المعلمين والمعلمات الذين يعملون في المدارس البعيدة عن منازلهم وفي القرى والهجر، حيث يصبح تمديد البقاء بعد خروج الطلاب عبئا إضافيا يضاف إلى رحلة يومية طويلة من وإلى المدرسة.
ولأننا نكتب من واقع تجربة ميدانية امتدت سنوات طوال جميعها في الميدان فإننا ندرك أن المعلم لا يغادر مدرسته بمجرد انتهاء الحصة فهو يحمل معه مسؤوليات التحضير والتصحيح والمتابعة والتخطيط والتطوير المهني والقيام بالأدوار التربوية المختلفة لكن حين تنتهي علاقة اليوم الدراسي بالطلاب وتغادر آخر حافلة المدرسة أبوابها فإن استمرار وجود المعلم لساعات لا ترتبط بعمل تعليمي فعلي كان له أثر نفسي واجتماعي وإنساني لا يمكن أن يقيسه إلا من عاشه.
وقد أثبتت التجربة أن الأنظمة والإجراءات مهما كانت أهدافها النبيلة تحتاج دائما إلى قراءة ميدانية مستمرة تستمع إلى صوت الميدان وتراجع أثر التطبيق وتستفيد من الملاحظات الواقعية، وهذا ما يجعل التطوير الحقيقي للتعليم عملية مستمرة لا تتوقف عند إصدار القرار وإنما تتقدم كلما اقتربت القرارات من احتياجات الميدان.
ويأتي تنظيم برنامج حضوري ضمن هذا السياق بوصفه خطوة تقنية مهمة في ضبط الحضور والانصراف وتحقيق الدقة والشفافية والاستفادة من التحول الرقمي الذي تشهده منظومة التعليم، وقد أوضحت وزارة التعليم أن تطبيق حضوري يعتمد على تحديد الموقع والسمات الحيوية ويتيح تسجيل الحضور والوصول إلى بيانات الحضور بصورة فورية وهو ما يعكس توجه الوزارة نحو بناء منظومة أكثر كفاءة في إدارة الموارد البشرية.
لكن التقنية مهما بلغت دقتها تظل أداة وليست غاية، ولذلك فإن نجاحها يتطلب تحديثا مستمرا ومعالجة ما قد يظهر من ملاحظات عند التطبيق ومنح إدارات المدارس ومديرات المدارس مساحة مناسبة من الصلاحيات للتعامل مع الحالات الاستثنائية والظروف الإنسانية والعملية التي قد تواجه منسوبي ومنسوبات المدرسة وفق ضوابط واضحة تحفظ الانضباط ولا تحول النظام إلى إجراء جامد لا يرى اختلاف الظروف بين مدرسة وأخرى.
ومن المهم هنا أن نتذكر أن المدارس ليست متطابقة، فهناك مدرسة داخل المدينة وهناك مدرسة في قرية بعيدة، وهناك معلم يقطع عشرات الكيلومترات يوميا وهناك معلمة تتحمل مشقة الطريق، وهناك مدارس تختلف في أعداد طلابها وطبيعة مراحلها وظروفها، ولذلك فإن المرونة المنضبطة ليست تهاونا في النظام بل هي في كثير من الأحيان جزء من الإدارة الحكيمة التي تحقق هدف النظام دون أن تثقل كاهل الميدان بما لا يخدم العملية التعليمية.
ولعل ما يجعل هذه المرحلة أكثر أهمية أن معالي وزير التعليم الأستاذ يوسف بن عبدالله البنيان أكد في المؤتمر الصحفي الحكومي الذي نظمته وزارة الإعلام بحضور معالي وزير الإعلام الأستاذ سلمان بن يوسف الدوسري أن الوزارة تعمل على كل ما يعزز دور المعلمين والمعلمات من خلال التطوير المهني وجودة البيئة التعليمية والخدمات المقدمة لهم كما أكد اهتمام الوزارة بتطوير المعلم والمعلمة وجعلهم جزءاً أساسياً من عملية التطوير.
وهذه الرسالة الوزارية ليست تفصيلاً عابراً بل تحمل دلالة عميقة مفادها أن تطوير التعليم يبدأ من تقدير الإنسان الذي يقف في مقدمة الصف ويصنع الفارق الحقيقي في حياة الطالب والطالبة، فالمناهج مهما تطورت والمنصات مهما تقدمت والتقنيات مهما بلغت لا يمكن أن تحقق أهدافها دون معلم مؤهل ومحفز يشعر بأن المنظومة التعليمية تنظر إليه باعتباره شريكا في صناعة المستقبل لا مجرد موظف يؤدي ساعات عمل.
وقد أكدت وزارة التعليم في مناسبات سابقة أن تطوير التعليم يرتكز على المعلم والمنهج والبيئة التعليمية وهو ما ينسجم مع التحولات الكبرى التي يشهدها التعليم السعودي في ظل رؤية المملكة 2030، كما أن صدور نظام التعليم العام بموافقة ملكية كريمة في يوليو 2026 يمثل خطوة جديدة في تعزيز حوكمة التعليم ورفع جودة البيئة التعليمية ومخرجاتها وتمكين المنظومة من أداء رسالتها بكفاءة أعلى.
إن الدولة أيدها الله لم تنظر إلى التعليم يوما باعتباره قطاعا خدميا فحسب بل جعلته أساسا لبناء الإنسان السعودي وتعزيز قدراته وتأهيله للمستقبل، ولذلك فإن كل خطوة تستهدف تحسين البيئة التعليمية ورفع جودة الأداء وتعزيز رضا المعلم والمعلمة هي في حقيقتها استثمار مباشر في مستقبل الوطن.
ومن هنا فإن القرار المتعلق بنهاية اليوم الدراسي لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد تعديل في توقيت الانصراف بل باعتباره رسالة تقدير للميدان ورسالة تؤكد أن صوت المعلم والمعلمة وملاحظات العاملين في المدارس يمكن أن تتحول إلى تطوير حقيقي عندما تكون هناك إرادة جادة للاستماع والمراجعة والتحسين.
وما نحتاجه في المرحلة المقبلة هو أن تستمر هذه الروح التطويرية وأن يكون الميدان شريكا حقيقيا في صناعة القرار وأن تمنح إدارات المدارس الثقة والصلاحيات التي تمكنها من إدارة التفاصيل اليومية بمرونة ومسؤولية لأن مدير المدرسة ومديرة المدرسة هما الأقرب إلى واقع المدرسة والأقدر على معرفة ظروف منسوبيها واحتياجات طلابها وطالباتها.
عام دراسي جديد يبدأ ونحن أكثر أملا بأن يكون عاما مختلفا في العطاء والانضباط والإنجاز وأن تكون راحة المعلم والمعلمة جزءا من جودة التعليم وأن تكون البيئة التعليمية أكثر إنسانية وأكثر مرونة وأكثر قدرة على تحقيق أهدافها وأن يبقى الطالب والطالبة في قلب كل تطوير وأن يبقى المعلم والمعلمة في قلب كل نجاح.
فكل التحية والتقدير لكل معلم ومعلمة يعودان إلى الميدان وهما يحملان رسالة عظيمة ومسؤولية وطنية لا تقدر بثمن وكل الدعاء بأن يوفقهم الله في أداء رسالتهم، وأن يجعل ما يقدمونه لأبنائنا وبناتنا في ميزان حسناتهم ونسأل الله أن يكون عاما دراسيا حافلا بالنجاح والتوفيق وأن يحفظ أبناءنا وبناتنا وأن يفتح لهم أبواب العلم والمعرفة وأن يوفق قيادتنا الرشيدة ووزارة التعليم وكل العاملين في الميدان لما فيه خير الوطن وأن يستمر تعليمنا السعودي في صناعة جيل يليق بمستقبل المملكة العربية السعودية وطموحاتها الكبرى.