د. ياسين علي محمد عزي
من أجمل ما أحدثته رؤية المملكة 2030 بقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظه الله، أنها أعادت تعريف معنى الثروة الوطنية نفسها. فإلى جانب ما تبنيه المملكة من مدن وصناعات وأسواق ومشروعات كبرى، يتقدم الإنسان السعودي بوصفه رأس مال لا يقل أهمية؛ معرفة تتراكم، وخبرة تنضج، وكفاءة تجد أمامها ميادين أرحب للعمل كلما ارتفع سقف الطموح الوطني. ولهذا لا تُقرأ التحولات الكبرى فيما نراه من منجزات وحدها، بل كذلك في القدرات البشرية التي تحمل نصيبها من هذه التحولات، وفي الرحلات العلمية والمهنية التي مهدت لأصحابها الانتقال إلى أدوار أكبر في العمل والقيادة.
من هذه الزاوية استوقفني صدور الأمر الملكي بتعيين مازن السديري رئيسًا لمجلس هيئة السوق المالية بمرتبة وزير. لم أبدأ بقراءة سيرته الذاتية، بل عدت إلى خطابه السابق؛ إلى مقابلات ومقاطع تحدث فيها قبل سنوات من موقع المحلل. فالسيرة ترسم مسار الخبرة، أما الخطاب فيتيح قراءة طبقة أخرى منها: المفردات التي تتكرر، والعلاقات التي يقيمها بين الرقم والسياق، وبين المعلومة والثقة، والطريقة التي يبني بها حجته وينتقل من المعطى إلى المعنى. كان السؤال، إذن، أعمق من أين درس وأين عمل: ماذا ظل حاضرًا في خطاب مازن السديري، عبر السنوات، عن السوق والمعرفة والمسؤولية؟
وجدت بين المقاطع حديثًا يعود إلى نحو أحد عشر عامًا، كان السديري فيه يتحدث من موقع المحلل عن حاجة السوق إلى معلومة رسمية أكثر انتظامًا، ويتمنى حضور مسؤول من وزارة المالية بصورة دورية للإجابة عن تساؤلات المستثمرين وتوضيح الاتجاهات الاستثمارية للدولة، ثم يصل بين وضوح الخطاب وكفاءة الاقتصاد والسوق ونظرة المستثمر ووكالات التصنيف. لم يكن يومها في موقع تنظيمي؛ كان يقرأ السوق من داخل مهنته، ويرى أن الثقة لا يصنعها رأس المال وحده، بل تسهم في بنائها أيضًا معلومة واضحة تصل في وقتها.
عند هذه النقطة لم يعد ما يعنيني مضمون الحديث وحده، بل ما يقوله عن نسق أوسع ظل حاضرًا في خطاب السديري عبر السنوات؛ فالمعلومة عنده لا تقف منفردة، وإنما تتصل بالسياق والأثر والثقة، وكأن الطريق إلى الحكم يبدأ دائمًا من معرفة العلاقات بين الأشياء قبل الوصول إلى نتيجتها.
بدأت بالاستماع إلى نماذج من خطابه وتحليلها قبل الإلمام بسيرته؛ تتبعت الأفعال التي تعود في حديثه، وطريقته في وصل الرقم بسياقه، والمعلومة بأثرها، والسوق بما يحيط بها. فتحليل الخطاب لا يكتفي بما يقوله المتحدث صراحة، ولا يفترض أن اللغة نافذة مباشرة إلى ما في الذهن، وإنما ينظر إليها وهي تبني المعنى: من أين تبدأ الحجة؟ ما الذي يوضع إلى جوار ماذا؟ وما العلاقات التي تتكرر بين المفاهيم؟ وكيف تنتقل المعلومة من رقم أو خبر إلى جزء من حكم أوسع؟ فاللغة لا تحمل الفكرة فقط، بل تحتفظ بشيء من الطريقة التي انتظمت بها حتى أخذت صورتها.
في أحد المقاطع يتحدث السديري عن يومه حين كان رئيسًا للأبحاث في الراجحي المالية. يبدأ السادسة والنصف صباحًا، يقرأ الأخبار، يعمل ثماني إلى عشر ساعات، يلتقي العملاء ويتابع الرسائل، ثم يعود إلى السوق كل ساعتين أو ثلاث ليرى ما استجد ويعدّل نماذجه المالية. وبعد انتهاء العمل يبقي للدراسة ساعتين أو ثلاثًا. كان في الثالثة والأربعين، ومع ذلك يتحدث عن الدراسة كصلة لا يريد لها أن تنقطع، وعن العقل بوصفه شيئًا ينبغي أن يظل يقظًا.
يمكن أن نقرأ ذلك كله بوصفه انضباطًا مهنيًا، لكن الأهم عندي هو صورة المعرفة التي تتشكل في هذا الحديث. فالخبرة لا تظهر باعتبارها ما تراكم وانتهى، بل باعتبارها معرفة تظل على صلة بما يستجد؛ تتابع، وتراجع، وتعدّل، وتتعلم. ومن هنا يأخذ «تعديل النموذج» دلالة أوسع من كونه إجراءً يوميًا لمحلل مالي؛ فهو يعكس وعيًا بأن المعرفة تظل قابلة لأن يعيد الواقع ترتيبها كلما تغيرت معطياته.
فالنموذج المالي، مهما بلغ إحكامه، يظل قراءة للواقع لا بديلًا عنه. قيمته ليست في ثباته، بل في قدرته على أن يستوعب ما يتغير خارج حدوده. ولذلك فإن العودة إليه مع كل حركة جديدة في السوق لا تبدو مجرد ممارسة فنية، بقدر ما تشير إلى عقل لا يفصل بين الثقة في التحليل والاستعداد لمراجعته؛ عقل يعرف أن دقة الرأي لا تأتي من التمسك به، بل من بقائه قريبًا من الواقع الذي وُضع لفهمه.
الخبرة الناضجة لا تعفي صاحبها من المراجعة، بل تمنحه أدوات أدق لها. وكلما امتدت سنواتها، لم تعد قيمتها في عدد ما مضى منها بقدر ما أصبحت في قدرة صاحبها على ملاحظة ما يتغير أمامه. وفي هذا معنى يتجاوز المال والأسواق؛ فما أجمل أن تتسع خبرة الإنسان من غير أن تضيق مساحة السؤال داخله.
حتى الزمن في حديث السديري يأخذ شكله من هذا التصور؛ فيومه ليس ساعات متجاورة فحسب، بل توزيع للطاقة والانتباه بين الأخبار والعمل والعملاء ومراجعة السوق والرياضة والدراسة. والرياضة نفسها يصلها بقدرته على التركيز والعمل، كأن الجسد والعقل والوقت ليست جزرًا منفصلة. وفي ذلك ملمح إنساني يستحق التوقف عنده؛ فالإنسان لا يؤدي مسؤولياته بعقله وحده، والقدرة على الاستمرار جزء من القدرة على الإنجاز.
حين انتقلت إلى حديث آخر له عن أرامكو، وجدت المنطق نفسه يعمل في مادة مختلفة. لم يصل إلى تقديره لقوة الشركة عن طريق الوصف وحده، بل استحضر التدفقات النقدية، والقدرة على التوزيع، والظروف التي مرت بها الأسواق، ثم وسع النظر إلى الضرائب والزكاة وطبيعة العائد والفروق بين السوق السعودية والسوق الأمريكية.
لا تكمن أهمية ذلك الحديث اليوم في أرقامه، فالأرقام ابنة أزمنتها، وإنما في الطريق الذي يسلكه إلى حكمه. فالرقم لديه لا يعمل منفردًا؛ التدفق يأخذ معناه إلى جوار التوزيع، والعائد يتصل بالضريبة والزكاة، والسوق تُقرأ في ضوء خصائص اقتصادها، والمقارنة لا تنتهي إلى مفاضلة سطحية بين سوقين، بل تساعد على فهم ما يميز كل بيئة وما تمتلكه المملكة من عناصر قوة. ليست المسألة جمع معلومات، وإنما إدراك الصلات التي تمنح كل معلومة موضعها ومعناها داخل الصورة الأوسع.
هذا النوع من الخطاب يستهويني وطنيًا قبل أن أميل إليه مهنيًا؛ فالاعتزاز بالمنجز السعودي فيه لا يستعير قوته من المبالغة، بل من المعرفة. حين ندرك موضع القوة بدقة، لا نحتاج إلى تحميل الرقم أكثر مما يحتمل؛ يكفي أن يوضع في سياقه الصحيح حتى يقول ما فيه. ومحبة الوطن لا تستغني عن معرفته، بل تزداد رسوخًا كلما عرفنا حجم ما أنجز، وأين تكمن قوته، وكيف يتقدم بين اقتصادات العالم وأسواقه.
عند هذه النقطة يكتسب حديثه القديم عن الاتصال الرسمي معنى أعمق. فالمعلومة عنده لا تأتي بعد الاقتصاد بوصفها شأنًا إعلاميًا مصاحبًا له، وإنما تدخل في البيئة التي يتحرك داخلها المستثمر. المعلومة الموثوقة تختصر المسافة بين السؤال والقرار، وتزيد وضوح المشهد الذي تتكون داخله التوقعات؛ ومن ثم تصبح الكلمة المؤسسية جزءًا من المعرفة التي تعمل بها السوق، وتصبح الشفافية ذات صلة بالكفاءة والثقة، لا مجرد قيمة اتصالية.
اللافت أن هذه الفكرة كانت حاضرة في خطابه قبل أكثر من عقد من توليه رئاسة مجلس هيئة السوق المالية. وليس المقصود أن نعيد ترتيب الماضي حتى يبدو وكأنه كان يمهد لمنصب قادم؛ فالحياة لا تُكتب بهذا الانتظام. الأجدر بالانتباه أن بعض الأسئلة التي شغلته من موقع المحلل أصبحت اليوم على تماس مباشر مع مجال اتسعت فيه مسؤوليته.
تأخذ هذه الصلة بالمعلومة ملمحًا إنسانيًا آخر حين نتذكر أن مازن هو ابن تركي السديري، أحد الأسماء الراسخة في تاريخ الصحافة السعودية، الذي ارتبط بصحيفة «الرياض» عقودًا طويلة وشغل مواقع بارزة في العمل الصحفي السعودي والخليجي. لكل منهما طريقه ومجاله، ولا تختصر رحلة الابن في إرث أبيه، غير أن للمشهد جماله الخاص: أب عاش زمنًا طويلًا مع الكلمة والشأن العام، وابن مضى إلى الهندسة والمال والأسواق، ثم ظلت للمعلومة في خطابه الاقتصادي منزلة تتصل بالثقة والقرار. طريقان مختلفان، لكن للمعلومة في كليهما قيمة لا تقف عند حضورها، بل تمتد إلى ما تصنعه من فهم.
بعد قراءة الخطاب عدت إلى السيرة، فاستوقفتني البداية قبل المحطات اللاحقة. بدأ السديري من الهندسة الصناعية في جامعة الملك سعود، ثم درس العلوم المالية في فرنسا، وعمل في بحوث الأسهم في بلجيكا، وانتقل إلى تحليل الطاقة والبتروكيماويات في المملكة، ثم إلى قيادة الأبحاث الاستثمارية، قبل تجربته مستشارًا في الأمانة العامة لمجلس الوزراء، وصولًا إلى رئاسة مجلس هيئة السوق المالية.
لم تستوقفني في الهندسة الصناعية أسماء أدواتها ومنهجياتها بقدر ما استوقفني نوع السؤال الذي يدرب هذا التخصص صاحبه على طرحه؛ فهو يصل الإنسان بالوقت والموارد والجودة والتكلفة والعمليات، وينظر إلى أداء المنظومة من خلال العلاقة بين مكوناتها. ليست جودة الجزء وحدها هي الغاية، بل موقعه في الكل، وما يضيفه إلى كفاءته، وكيف تتفاعل الأجزاء بحيث تصبح النتيجة أكبر من أداء كل واحد منها منفردًا.
عندها بدا انتقال السديري من الهندسة إلى المالية أقل ابتعادًا مما توحي به أسماء التخصصات. تغيرت المادة التي يتعامل معها؛ من عمليات وأنظمة إلى شركات وتدفقات ومخاطر وأسواق، لكن ظل سؤال العلاقة بين العناصر قابلًا للحضور: أين تتولد القيمة؟ ما المتغير الذي يؤثر في غيره؟ وكيف تتبدل النتيجة حين تتغير إحدى حلقات الصورة؟
لا يختصر تخصص جامعي إنسانًا بعد أكثر من عقدين من الممارسة، لكن بعض التخصصات تترك في أصحابها ما هو أبقى من معلومات الدراسة؛ طريقة في ترتيب السؤال، أو حسًا بالعلاقات، أو ميلًا إلى رؤية الجزء داخل الصورة الأوسع. وحين يحدث ذلك يصبح التخصص طريقة في النظر قبل أن يكون سطرًا في السيرة الذاتية.
المسار المهني للسديري يضيف إلى هذه القراءة بعدًا آخر. فكل محطة نقلته إلى مستوى مختلف من النظر؛ من شركة تُقرأ أرقامها، إلى قطاع تُفهم حركته، ثم إلى سوق تتقاطع فيها مصالح المستثمرين والشركات والمؤسسات، وصولًا إلى العمل الحكومي ثم المسؤولية التنظيمية. ليست قيمة هذا المسار في تعاقب المواقع بقدر ما هي في أن زاوية الرؤية أخذت تتسع من الجزء إلى الكل؛ فما يبدأ بسؤال عن قيمة شركة ينتهي إلى فهم البيئة التي تتحرك داخلها السوق بأكملها.
ولعل هنا ما يمنح الخبرة المتخصصة معناها الحقيقي في العمل العام. فمعرفة السوق من داخلها لا تبقى مجرد رصيد مهني سابق، وإنما تمنح صاحبها ألفة بلغتها وتفاصيلها: كيف ينظر المستثمر، وكيف تتحرك الشركة، وأين تتشكل المخاطر والفرص، وما الذي تعنيه المعلومة حين تصل أو تتأخر. وحين تنتقل هذه الخبرة إلى موقع تنظيمي، تتغير زاوية استخدامها؛ لم تعد الغاية قراءة جزء من السوق، بل الإسهام في بيئة تحفظ كفاءتها وعدالتها وشفافيتها وتدعم دورها في الاقتصاد الوطني.
هذا المعنى أعادني إلى مقال سابق كتبته عن محمد حسن علوان بعد اختياره رئيسًا لجامعة الرياض للفنون. يومها لم تستوقفني حقيقة أن روائيًا أصبح رئيسًا لجامعة بقدر ما استوقفتني المسافة القصيرة بين ما عرفه طوال تجربته وما طُلب منه أن يقوده؛ فالفن بالنسبة إليه لم يكن موضوعًا إداريًا يتعرف إليه بعد التكليف، كما أن الإدارة لم تكن عالمًا غريبًا عن تجربته. كان في اللقاء بين المسارين ما يمنح القرار دلالة تتجاوز السيرة الفردية إلى طبيعة المؤسسة نفسها.
السديري ليس علوان، والسوق المالية ليست جامعة للفنون، ولهذا أجد المقارنة أكثر فائدة. فالاختلاف بين المجالين يترك أمامنا المعنى المشترك أكثر وضوحًا: أن المعرفة العميقة بالمجال تمنح القيادة لغة أولى تدخل بها إلى مسؤوليتها. في الفن تأتي هذه اللغة من تجربة الإبداع والإدارة، وفي السوق تأتي من سنوات التحليل والبحث وقراءة الشركات والمستثمرين وحركة الاقتصاد.
هنا تبدو رؤية المملكة 2030 حاضرة في المقال لا بوصفها إضافة على الحكاية، بل بوصفها الأفق الوطني الذي تتصل به هذه الرحلة المهنية ومعانيها. فالمشروع الذي يقوده سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظه الله، لم يغيّر حجم ما تطمح إليه المملكة فحسب، بل رفع كذلك قيمة المعرفة التي يحتاجها هذا الطموح، ومنح الكفاءة السعودية ميادين أوسع لتضع ما راكمته من علم وتجربة في خدمة التحول. إن وطنًا يعيد تشكيل اقتصاده وقطاعاته ومؤسساته لا يستثمر في الأشياء وحدها؛ إنه يستثمر، قبل ذلك ومعه، في الإنسان القادر على فهم ما يتغير والمشاركة في صنعه.
لهذا تبدو لي عودة السديري المتكررة إلى «النموذج» أكثر دلالة بعد قراءة مساره كله. ليس لأن النموذج المالي يصلح استعارة للحياة، وإنما لأن الفكرة الكامنة وراء الممارسة جديرة بالتأمل: ما نعرفه اليوم ينبغي أن يظل قريبًا مما يحدث غدًا. فالمحلل الذي يراجع نموذجه لا يتخلى عن خبرته، بل يحافظ على حيويتها، ويمنعها من أن تنفصل عن الواقع الذي وُجدت لفهمه. وربما كان الفارق بين خبرة تبقى حاضرة وخبرة يثقلها الزمن هو مقدار ما تتركه الأولى من مكان لما لم تعرفه بعد.
من هنا تأخذ عبارته عن الدراسة معناها الإنساني الأجمل. كان قد تجاوز الأربعين، ووصل إلى موقع مهني معتبر، ومع ذلك ظل يتحدث عن التعلم كأنه أمر لم تُغلق صفحته. في مثل هذه اللحظة لا تصبح الشهادة هي المهمة؛ الأهم أن النجاح السابق لم ينهِ فضوله، وأن السنوات التي منحته خبرة لم تسلبه شعور المتعلم بأن أمامه دائمًا ما يستحق أن يعرفه.
تلك قيمة قريبة من روح تنمية القدرات البشرية في رؤية 2030؛ فالمعرفة التي يحتاجها زمن سريع التحول لا يمكن أن تكون معرفة ساكنة. الأسواق تتغير، والأدوات تتطور، وأنماط الاستثمار تتبدل، وما كان كافيًا لفهم الأمس قد لا يكفي وحده لفهم الغد. لذلك يصبح التعلم المستمر أقل اتصالًا بفكرة جمع الشهادات، وأكثر اتصالًا بقدرة الإنسان على أن يبقى حاضرًا في زمنه.
لكن القيمة الأبعد للخبرة تبدأ حين تتجاوز صاحبها. فالمؤسسة لا تستفيد كثيرًا من قائد يعرف وحده، بقدر ما تستفيد حين تتحول معرفته إلى ثقافة عمل، وتنتقل الخبرة إلى فرقها، وتستقر التجربة في ممارساتها، ويبقى منها ما يستطيع الآخرون البناء عليه. وهذه أحد الأفكار التي تناولتها في مقال محمد حسن علوان وجامعة الرياض للفنون؛ فالقائد لا يُقاس بحجم المساحة التي يشغلها داخل المؤسسة بقدر ما يُقاس بما يتركه فيها من قدرة على أن تعمل وتنمو وتتعلم.
عند هذا الحد يلتقي الفن بالسوق، على بعد المسافة بينهما. فالمعرفة التي تبدأ عند فرد تبلغ قيمتها المؤسسية حين لا تنتهي عنده.
حين أعود بعد ذلك إلى المقاطع التي استمعت إليها لمازن السديري، تبدو لي أقل تفرقًا مما بدت في البداية. حديث قديم عن المعلومة والثقة، وحديث عن أرامكو تُبنى فيه الحجة من علاقات الأرقام لا من وهجها، ويوم مهني يعود فيه صاحبه إلى السوق ثم إلى النموذج، وساعات يقتطعها للدراسة بعد يوم طويل. موضوعات مختلفة، لكن اللغة بينها تحفظ إيقاعًا متقاربًا: الواقع يُتابع، والمعلومة توضع في سياقها، والرأي يبقى قابلًا للمراجعة، والتعلم لا يملك نقطة نهاية واضحة.
هنا يستقر معنى عنوان المقال من غير حاجة إلى أن نفرضه على السيرة. لم يكن في تلك المقاطع وعد بمنصب قادم، ولم تكن الكلمات تعرف ما سيأتي بعدها. قيمتها في شيء أبسط وأعمق: أن بعض الأسئلة التي حضرت في خطاب المحلل ظلت معه حتى جاء زمن أصبح فيه مجال العمل نفسه أكبر من حدود التحليل.
قبل نحو أحد عشر عامًا كان السديري يسأل عن المعلومة التي يحتاجها المستثمر حتى يرى السوق بوضوح أكبر. وبعد سنوات كان يعود إلى السوق كل ساعتين أو ثلاث ليرى ما تغير، ثم يعود إلى نموذجه. وفي الثالثة والأربعين كان لا يزال يحجز من يومه وقتًا لعقل يريد أن يظل يقظًا. ثلاثة مشاهد متباعدة، لكنها حين تُقرأ اليوم إلى جوار بعضها تقول شيئًا واحدًا عن الإنسان قبل أن تقول شيئًا عن المنصب: إن المعرفة عنده لم تكن نقطة يصل إليها، بل علاقة مستمرة بما يتغير.
ولعل هذا هو الموضع الذي يلتقي فيه المسار الفردي بزمن الرؤية. فالمملكة التي تبني اقتصادًا أكثر تنوعًا وأسواقًا أعمق ومؤسسات أكثر قدرة لا تحتاج إلى رأس المال وحده، بل إلى ما تراكم في أبنائها من علم وتجربة، وإلى أن تتحول هذه الخبرات، حين تحمل المسؤولية، من إنجاز شخصي إلى قيمة تضيف إلى المؤسسة والوطن.
ذلك هو المعنى الذي أراه في أن يسبق الخطابُ المنصب: ليس أن تكون الكلمات قد تنبأت بالموقع، بل أن يأتي الموقع فتمنحنا العودة إلى الكلمات القديمة فهمًا أعمق للرحلة التي سبقته. وحين تصبح المعرفة التي راكمها الإنسان على امتداد سنواته جزءًا من مسؤولية يؤديها لوطنه، لا يعود المنصب خاتمة للسيرة؛ بل يصبح موضعًا جديدًا تظهر فيه قيمة كل ما سبقها.
** **
- أكاديمي وكاتب سعودي