عبدالكريم بن دهام الدهام
هل يملك الإنسان في رحلة وجوده ما هو أغلى من جسده ليقدمه قرباناً للإنسانية؟
إن أعظم صور الإيثار تتجلى حين يهب المرء قلباً ينبض، أو رئة تتنفس، أو جزءاً من كبده؛ ليصنع فارقاً بين الموت والحياة لشخص آخر. والمفارقة المدهشة في هذا الصنيع الإنساني، أن هذه «الهدية الأغلى» لا تذهب في الغالب إلى الأقربين من الأبناء أو الأصدقاء، بل تمتد كجسر من النور إلى عابر سبيل لا يجمعه بالمتبرع أصلٌ ولا فصل، سوى رابطة البشرية والأمل في غدٍ جديد.
لم تكن زراعة الأعضاء وليدة المصادفة، بل ضربت جذورها في أساطير الشعوب القديمة ومحاولاتهم البدائية لترميم الأجساد العليلة. وظل هذا الحلم يراود البشرية حتى تحول إلى حقيقة علمية مدوية عام 1954م. حينها، سطّر الطبيب جوزيف موراي تاريخاً جديداً في مستشفى «بريغهام والنساء» في بوسطن الأمريكية، بنجاح أول عملية نقل وزراعة كُلْية بين توأمين متطابقين، فاتحاً الباب لعصر طبي جديد يروّض الموت بالشفاء.
استشرافاً لهذه القيمة الإنسانية السامية، وتنفيذاً لرسالتها الحانية تجاه بني البشر، تنبهت المملكة العربية السعودية مبكراً لضرورة تقنين هذا الفضل وتوسيع أثره. وقد انطلقت المسيرة بشكل مؤسسي بصدور قرار هيئة كبار العلماء عام 1982م الذي أباح التبرع بالأعضاء، وتُوّجت هذه الجهود بتأسيس المركز السعودي لزراعة الأعضاء، ثم صدور نظام التبرع بالأعضاء البشرية بمرسوم ملكي كريم.
لم تقف القيادة الرشيدة عند حدود التنظيم التشريعي، بل تجسد العطاء في أسمى معانيه من خلال المبادرة الإنسانية الكريمة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظهما الله- بالتسجيل في برنامج التبرع بالأعضاء. هذه اللفتة الأبوية الحانية مثّلت قدوة قيادية استثنائية لجميع المواطنين والمقيمين، ومنحت زخماً معنوياً كبيراً للمركز السعودي، وحفزت الوعي المجتمعي للتسجيل في هذه المنظومة الإنسانية الرائدة.
اليوم، وبفضل الله ثم بفضل هذه القدوة الحكيمة، تتبوأ المملكة المرتبة الثانية عالمياً في مؤشر التبرع بالأعضاء من الأحياء. وتكشف البيانات الرسمية للمركز السعودي لزراعة الأعضاء عن حجم العطاء الاستثنائي في بلادنا؛ حيث قفزت العمليات بنسب نمو لافتة، وبلغ إجمالي الأعضاء المزروعة من الأحياء والمتوفين دماغياً في عام واحد 2,091 عضواً، شملت زراعة الكلى «وهي الأكثر إقبالاً بتسجيل أكثر من 1200 عملية سنوياً من الأحياء»، تليها زراعة أجزاء من الكبد، والقلب، الرئتين، والبنكرياس.
هذا التطور المتسارع يتكئ على بنية تحتية طبية جبارة تشمل نحو 30 برنامجاً معتمداً لزراعة الأعضاء، وأكثر من 150 مستشفى مانحاً ممتداً عبر مناطق المملكة.
تتجلى عظمة الوعي المجتمعي في الإحصاءات الرسمية؛ حيث بادر أكثر من 540 ألف مواطن ومقيم بتسجيل رغبتهم بالتبرع بأعضائهم بعد الوفاة عبر تطبيق «توكلنا» والمنصة الوطنية للتبرع وزراعة الأعضاء «أثر». هذا الإقبال الوطني يمثل طوق النجاة الحقيقي لآلاف المرضى الذين يرقدون حالياً على قوائم الانتظار «من بينهم أكثر من 18 ألف مريض يعانون من الفشل الكلوي»، يتطلعون إلى ومضة أمل تنهي معاناة أجسادهم المتعبة، مستلهمين خطى قادتهم في البذل والعطاء.
إن التبرع بالأعضاء في المملكة ليس مجرد إجراء طبي، بل هو تجسيد حي لمعنى «الأثر»؛ إنه صكّ عبور للسكينة، يرحل فيه الإنسان عن الدنيا تاركاً خلفه أغلى ما وهبه الخالق سبحانه وتعالى، خالصاً لوجهه الكريم، ليغادر الأرض وجسده فانٍ.. بينما قلبه لا يزال ينبض بالحياة في صدر غيره.