نجاح لافي سالم التومي
عادة لا يعرفها سوى أطفال الحواري في قرى الحدود الشمالية . وقد يكون الجميع كم كانت جميلة وبريئه تحكي بساطة الأيام وعفوية النفوس وطهارة القلوب حينما تنحى أم عميد نحو المغيب وتكون الساعة في تمام الرابعة عصراً قبل موعد المسلسل الكرتوني يبادر الأبناء والبنات بأخذ ريال العصر لكي يذهبون إلى الدكان قبل أن تصبح بقالة في ذلك العصر من أجل شراء العصير وكيس النفيش قبل أن يصبح شبسي، وكانت خطواتهم في سباق نحو المنزل من بعد ذهابهم وشرائهم من أجل اللحاق على المسلسل الكرتوني، ومن الجميل في ذلك الزمان والجميل فيه كثير!
أن الريال كان ينقسم على الشخصين بحيث يتشاركان فرحة ريال العصر بالمتعة واللذة، وقد يتطور الموضوع بعض الأحيان حتى تصبح عزيمة على كل طفل. الاقتناء حاجة واحدة تختلف عن الآخر ويجتمعون وكلٌ يتناول مما أتى به زميله تجمعهم البساطة وتغمرهم السعادة بقلة الموجود.
دخلنا في تفاصيل ريال العصر.. ونسينا أم عميد! أم عميد كانت تطلق على الشمس! اذا توسطت السماء، وتنحت؛ بمعنى اتجهت نحو الغروب
وبعد هذه التفاصيل يجتمع أبناء الحارة الصغيرة وبيوتها البسيطة المتتالية المترابطة في ذلك الملعب الصغير الذي يتوسطها ويعتبر مقر الاجتماع . فرشها التراب وعوارضها من الخشب وهو ما يعتبر المتنفس الوحيد لخروج الطاقه السلبية وقد تحصل بعض الأحيان بعض الخلافات والمشاجرات لكن سرعان ما تنتهي في كلمة ( صحيب ) وينسى الموقف والخلاف وكأن شيئاً لم يكن. وهنا يكون أذّن المغرب وانتهى اللعب وعاد الكل الى مأواه في تعب عميق قد يتحملون إلى وقت العشاء وقد لايتحملون .
وجبة العشاء تكون بعد المغرب مباشرة، لأن بعد صلاة العشاء الجميع في سباتهم العميق على أحواش السطوح من أجل النوم في الهواء البارد من أجل بكور مشرق ويوم حافل.
فماهو إحساسك وأنت تقرأ هذه الكلمات يا أيها القارئ الكريم ؟!
أما أنا، فمستذكرةٌ ومُذَكِّرة؛ أستعيد شيئًا من عبق الماضي، وأستحضر ذكرياته التي لا تزال تسكن في القلب، مهما باعدت بيننا وبينها الأيام.
ويبقى الحنين إلى الماضي له رونقه الخاص ومميزاته؛ ففيه دفء الذكريات، وبساطة الأيام، ووجوهٌ وأماكن ومواقف لا تُنسى. كما أن للحاضر روعته وجماله، بما يحمله من فرص وتجارب جديدة، وما يفتح لنا من أبواب لم نكن نراها من قبل. فالحمد لله على ما مضى، بما فيه من أفراح وأحزان ودروس وعِبر، والحمد لله على ما نحن فيه من نعمٍ نعيشها، وعلى ما هو آتٍ، نرجو أن يكون أجمل وأطيب.
فالحياة لا تتوقف عند زمنٍ مضى، ولا تكتمل بالنظر إلى المستقبل وحده؛ إنما جمالها أن نعيش حاضرنا بامتنان، ونحفظ ماضينا بوفاء، ونستقبل القادم بقلبٍ مطمئن وأملٍ لا ينقطع.
وما أجمل أن ننظر إلى الأمس بعين الرضا، وإلى اليوم بعين الامتنان، وإلى الغد بعين الأمل.
فلكل زمنٍ حكايته، ولكل مرحلةٍ جمالها، ولكل ذكرى مكانها في القلب.. والحمد لله دائمًا وأبدًا على كل ما كان، وكل ما هو كائن، وكل ما سيكون.
** **
الحدود الشمالية - رفحاء