ناصر بن فريوان الشراري
هناك من يرى الفخامة في الأقواس الحجرية الشاهقة، والسجاد الأحمر الممتد في أروقة قصر بكنجهام الملكي، حيث تكتمل معايير الأناقة الأرستقراطية وتتناسق التفاصيل لتصنع أبهى صور البذخ، ولكن ثمة طراز آخر من الأناقة لا يُقاس بالذهب ولا بالثريات المتدلية، إنه ذاك السحر الذي ينبعث من قلب البادية، حيث تتحول الصحراء في فصل الربيع إلى قصر مفتوح بلا جدران، وسقفه السماء المرصعة بالنجوم.
في شمالنا الأشم، حيث تتماوج حرة الحرة بهيبتها ووعورتها الساحرة، وتستريح حماد طريف وحزم الجلاميد تحت عباءة الربيع الخضراء، يجري وادي المرا ووادي الأبيض بماء الحياة ليحيي الأرض بعد موتها، هناك لا تحتاج إلى تذاكر دخول ولا إلى بروتوكولات رسمية لتشعر بأنك ملكٌ يجلس على عرش الطبيعة، فالأرض الرؤوم، إذ تكتسي بعامل اليخضور وتتزيَّن بالريضان الخضراء والخباري الملأى بمياه الأمطار الصافية، تصبح البساط الملكي الأكثر أنسجةً ودفئاً في العالم.
في هذه المملكة البرية، يتجلّى الرقي في أبهى صوره حين تجتمع العائلة وأبناء العم حول قبس النار، ليست الأناقة هنا باللباس الرسمي، بل بصفاء النفوس، وتلك اللحمة الاجتماعية التي تتوارثها الأجيال، إنها القعدة التي تجمع بين الكرم الأصيل وحسن العشيرة، حيث ترعى الإبل «عطايا الله وزينة المرابع» في تلك المراتع الغناء، لتكمل اللوحة البدوية الخالدة.
ومع هبوط الليل، عندما ترتفع القمراء لتفرش ضياءها الفضي على الثرى الحاني، تبدأ مراسم السمر الملكي، لا عزف في هذا القصر يضاهي أنغام الدحة بأصالتها، ولا رزانة السامري وهو ينساب مع نسيم الشتاء والربيع، حيث تتداول الألسن عذب القصيد وأجمل القصص التي تحفظ تاريخ الآباء والأجداد، إنها الرفاهية المكتملة التي تُرمى فيها أعباء الحياة على ثرى الأرض النقي، لترتمي الروح في حضن الطبيعة الرؤوم.
إن الربط بين جمال الصحراء وأناقة قصر بكنجهام ليس مجرد استعارة لفظية، بل هو عمق في استيعاب مفهوم الجمال، فالأناقة الحقيقية هي حالة ذهنية ونفسية تعيشها الروح عندما تتناغم مع المكان، وفي ربيعيّات حماد طريف والحرة ووديانها، نعيش طقوساً ملكية مكتملة الأركان، تُثبت أن الطبيعة العذراء هي القصر الأكبر، وأن ليل الصحراء ونجومها هما التاج الأكثر بريقاً على مر العصور.