د. أحلام علي أحمد أبو قايد
لاتبدو تسمية «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» مجرد اختيار جغرافي لمكان توقيع اتفاقية أمنية، بل تحمل دلالة رمزية وتاريخية وثقافية عميقة، فكما هو معلوم أن مكة المكرمة هي المركز الروحي والحضاري تتقاطع عنده شعوب العالم الإسلامي، ومكان ارتبط بالأمن والاستقرار وحماية طرق الحج وخدمة ضيوف الرحمن.
وفي يوم الجمعة 24 صفر 1448هـ الموافق 7 أغسطس 2026م وقعت المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» في خطوة انتقلت بالعلاقات الدفاعية بين الدول الثلاث إلى إطار أكثر تنظيمًا، ونصت الاتفاقية على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجومًا عليها جميعًا مع استهداف تعزيز الردع المشترك وتطوير التعاون الدفاعي.
ومن هنا يمكن قراءة «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» باعتبارها حلقة معاصرة في تاريخ طويل من حضور مكة في الوعي السياسي والأمني الإسلامي، وتوظيف اسم مكة وفكرة الأمن والحماية.
أولاً: مكة في الوعي السياسي والحضاري: تحتل مكة المكرمة مكانة استثنائية في التاريخ الإسلامي، فهي قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، وإليها يتجه المسلمون في صلاتهم، وإليها يفدون لأداء الحج والعمرة.
ولهذا ارتبطت مكة منذ وقت مبكر بمفهوم الأمن، فالمدينة المقدسة لم تكن مجرد مركز ديني، وإنما كانت أيضًا نقطة التقاء بين الشعوب والثقافات والطرق التجارية والحجية، وأدى اجتماع هذه الوظائف إلى جعل أمن مكة واستقرارها قضية تتجاوز حدود سكانها المحليين إلى المجال الإسلامي الأوسع.
ومن هذه الزاوية، فإن اختيار اسم «مكة» لاتفاقية دفاعية معاصرة يمكن أن يُفهم باعتباره استحضارًا لمكانة المدينة المقدسة باعتبارها رمزًا للوحدة والتضامن، وليس باعتبارها طرفًا سياسيًا أو عسكريًا في الاتفاقية.
وتزداد أهمية هذا البعد عندما تكون إحدى الدول الموقعة هي المملكة العربية السعودية، التي ترتبط مسؤوليتها تجاه الحرمين الشريفين وخدمة الحجاج والمعتمرين والمحافظة على أمنهم وسلامتهم.
واتفاقية 1448هـ/2026م هي اتفاقية متعددة الأطراف بين السعودية وتركيا وباكستان، وتقوم على مبدأ دفاعي أكثر وضوحًا، يتمثل في اعتبار الاعتداء المسلح على دولة من الدول الثلاث اعتداء على الجميع، مع تطوير التعاون الدفاعي وتعزيز الردع المشترك.
يمكن كذلك قراءة الاتفاقية من خلال مفهوم «أمن مكة» بمعناه الأوسع.
فمنذ عهد الملك عبد العزيز –يرحمه الله- ارتبط استقرار الدولة بأمن الحرمين وخدمة الحجاج، وقد ظهر هذا البعد بوضوح في المؤتمر الإسلامي الذي دعا إليه الملك عبد العزيز في مكة عام 1345هـ/1926م، حيث أكد في كلمته أمام المشاركين تعهده برعاية الأماكن المقدسة وتهيئة الظروف المناسبة لأمن وسلامة الحجاج.
وهذا السياق التاريخي مهم، لأنه يوضح أن مكة كانت في تلك المرحلة مركزًا للنقاش حول مستقبل العالم الإسلامي، وأن أمنها واستقرارها كان جزءًا من تصور أوسع للأمن في شبه الجزيرة العربية.
وبذلك فإن تسمية اتفاقية 1448هـ/2026م باسم مكة، يمكن أن تقرأ ضمن سياق تاريخي أوسع، فمكة بوصفها رمزًا للأمن، والوحدة، والتواصل بين الشعوب الإسلامية.
ثانيًا: من الوحدة المحلية إلى الشراكة الأقليمية: تختلف البيئة السياسية بين 1345هـ/1926م و 1448هـ/2026م بصورة كبيرة.
ففي عهد الملك عبد العزيز كانت الدولة في مرحلة التوحيد وترسيخ الكيان للدولة، وكانت التحديات الأساسية تتعلق بحماية المناطق، وتنظيم العلاقات مع القوى المحلية والأقليمية، أما اليوم فإن المملكة -ولله الحمد- تتربع على قائمة الدول القوية والحديثة، وتمتلك مؤسسات عسكرية وأمنية واقتصادية متقدمة، وتتحرك وفق ما فيه الصالح العام، ومن هنا يمكن النظر إلى الفرق بين الفترتين على أنه يعكس تطور مفهوم الدولة والأمن، ففي 1345هـ/ 1926م حماية الأراضي وترسيخ الاستقرار.
وفي 1448هـ/2026م بناء الردع المشترك وتطوير التعاون الدفاعي بين دول متعددة، وبالتالي فإن استحضار اسم مكة لا يعني العودة إلى الماضي، بل استخدام رمز تاريخي في إطار سياسي وأمني حديث.
ثالثًا: استحضار الملك عبد العزيز في قراءة اتفاقية مكة: من الخطأ التعامل مع المؤتمر الإسلامي المقام في مكة في عهد الملك عبد العزيز عام 1345هـ/1926م باعتباره مجرد واقعة تاريخية منفصلة، فهي تكشف جانبًا من فلسفة الملك عبد العزيز في إدارة الدولة وأهمية العلاقات الأقليمية.
ففي مرحلة التوحيد لم يكن بناء الدولة يعتمد على القوة العسكرية وحدها، وإنما على عقد الاتفاقيات، وبناء التحالفات، وإدارة العلاقات مع القوى المحلية والأقليمية.
ويكشف المؤتمر الإسلامي في مكة لعام 1345هـ/1926م عن هذا النهج، إذ جمع بين الاعتراف بالسيادة والالتزام بالحماية والتعاون في مواجهة الاعتداءات ومن هذه الزاوية يمكن القول: إن هناك استمرارية في الفكرة الأساسية العامة، لا في النص القانوني، وهي أن أمن المملكة ومحيطها الأقليمي يمكن أن يتعزز من خلال الشراكات والاتفاقات.
أما التطور الحقيقي فيظهر في انتقال هذه الفكرة من اتفاقية أمن واستقرار في مرحلة التوحيد إلى شراكة دفاعية ثلاثية في دولة حديثة تمتلك قوة ونفوذا وعلاقات واسعة.
ختامًا تمثل «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» لعام 1448هـ/2026م حدثًا مهمًا ليس فقط بسبب مضمونها الدفاعي وإنما أيضًا بسبب رمزيتها التاريخية والثقافية.
فالاتفاقية الجديدة تستند إلى واقع استراتيجي معاصر، وتجمع ثلاث دول ذات ثقل سياسي وعسكري وأقليمي، وتهدف إلى تعزيز الردع والتعاون الدفاعي، مع إعلان مبدأ أن الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث يُعامل باعتباره اعتداء على الجميع.
والأدق تاريخيًا أن نقول: إن اتفاقية مكة 1448هـ/2026م ليست امتدادًا، وإنما يُستمد اسم مكة داخل سياق جديد، فمنح الاتفاقية الجديدة عمقًا رمزيًا يستند إلى مكانة مكة في التاريخ السياسي والحضاري الإسلامي.
ومن ثم يمكن النظر إلى المسافة الزمنية بين مكة 1345هــ/1926م ومكة 1448هـ/2026م، باعتبارهما مسافة تعكس تطور الدولة السعودية، وتطور مفهوم الأمن نفسه، من حماية الأراضي وتثبيت أركان الدولة في عهد الملك عبد العزيز إلى بناء شراكات دفاعية متعددة الأطراف في هذا العهد الزاهر.
وبين التاريخ والحاضر تظل مكة هي العنصر الثابت، رمزًا للوحدة، ومركزًا للالتقاء، وفضاءً تتجاوز دلالته الحدود السياسية إلى معنى أوسع يرتبط بالأمن والاستقرار والتضامن في العالم الإسلامي.
** **
أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر - قسم التاريخ- كلية العلوم الاجتماعية - جامعة أم القرى