إبراهيم بن يوسف المالك
ليست أهمية اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في أنها أضافت اتفاقًا دفاعيًا جديدًا إلى قائمة الاتفاقات الدولية، وإنما في أنها جاءت في لحظة يتغير فيها تعريف القوة نفسها. فالدولة لم تعد تقيس قدرتها بعدد ما تملك من أسلحة، كما لم يعد الأمن شأنًا منفصلًا عن الاقتصاد، ولا أصبحت القوة محصورة في القدرة على خوض الحرب. القوة الحديثة هي القدرة على حماية المصالح، وتأمين طرق التجارة والطاقة، وحماية البنية التحتية، وامتلاك التكنولوجيا، وضمان سلاسل الإمداد، وتحويل الشراكات إلى قدرات مستدامة.
من هذه الزاوية، تبدو اتفاقية مكة أبعد من إطارها العسكري المباشر. فهي تنص على أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد اعتداءً عليها جميعًا، بما يعزز الردع ويمنح الاتفاقية وزنًا سياسيًا وإستراتيجيًا واضحًا. لكن الردع لا يصنعه النص وحده، وإنما تصنعه القدرة التي تقف خلفه. ولذلك فإن القيمة الحقيقية للاتفاقية ستتحدد بمدى قدرة الدول الثلاث على تحويل الالتزام السياسي إلى قدرة فعلية قابلة للاستمرار والتنفيذ.
وهنا تكمن خصوصية هذا الترتيب. فالدول الثلاث لا تتشابه في عناصر قوتها، وإنما تتكامل. المملكة العربية السعودية تمتلك الوزن الاقتصادي والمالي، والسوق، والطاقة، والموقع الجغرافي، والمشروعات الكبرى التي يمكن أن تستوعب استثمارات وتقنيات متقدمة. وتمتلك تركيا قاعدة صناعية دفاعية متطورة وخبرة واسعة في تطوير المنظومات الجوية والإلكترونية والطائرات غير المأهولة. أما باكستان فتضيف خبرة عسكرية طويلة، وقدرات دفاعية متقدمة، وعمقًا إستراتيجيًا مختلفًا. وعندما تتقاطع هذه العناصر ضمن إطار مؤسسي، فإن الناتج المحتمل لا يكون مجرد مجموع قدرات الدول الثلاث، بل قدرة جديدة تنشأ من تكاملها.
ولهذا فإن نجاح الاتفاقية لن يقاس فقط بعدد التدريبات المشتركة أو مستوى التنسيق العسكري، وإنما بقدرتها على بناء منظومة متكاملة للقدرات. فالصناعة الدفاعية الحديثة لا تقوم على امتلاك المنصة النهائية وحدها، وإنما على المعرفة التي تقف خلفها، والتقنية التي تطورها، وسلاسل الإمداد التي تضمن استمرارها، والبحث والتطوير الذي يحافظ على تفوقها، والكوادر البشرية التي تستطيع تشغيلها وتحديثها وإنتاجها. وعندما ينتقل التعاون من امتلاك المنتجات إلى بناء القدرات، تتحول الشراكة الدفاعية إلى مسار صناعي وتقني واقتصادي أوسع.
وهذه النقطة تتقاطع مباشرة مع التحول الذي تشهده المملكة في إطار رؤية 2030، حيث أصبح توطين الصناعات الدفاعية جزءًا من بناء قاعدة صناعية وتقنية أكثر تنوعًا. لذلك فإن قيمة الشراكات الدولية لا تكمن فقط فيما توفره من منتجات جاهزة، وإنما في قدرتها على فتح الطريق أمام نقل المعرفة، وتوطين التقنية، وتطوير القدرات المحلية، وبناء سلاسل قيمة قادرة على الاستمرار والتوسع. ومن هذه الزاوية، يمكن أن تمثل الاتفاقية إطارًا جديدًا لتكامل القدرات أكثر من كونها مجرد ترتيب لتنسيق الدفاع.
وتملك تركيا في هذا المجال قيمة خاصة، ليس فقط بسبب تطور صناعاتها الدفاعية، وإنما لأنها تقدم نموذجًا لتحويل الاستثمار في الدفاع إلى صناعة وتكنولوجيا وصادرات ونفوذ. وفي المقابل تمتلك باكستان خبرة عسكرية وصناعية متراكمة، إضافة إلى موقعها وعمقها الإستراتيجي في جنوب آسيا. أما المملكة فتملك المقومات التي يمكن أن تحول التعاون إلى سوق واستثمار وبنية صناعية ومركز إقليمي. ومن هنا يمكن أن تتشكل معادلة مختلفة تقوم على تكامل رأس المال والسوق مع التكنولوجيا والخبرة والقدرة العسكرية.
وقد تمتد آثار هذه المعادلة إلى قطاعات تتجاوز الصناعات الدفاعية التقليدية، لتشمل الطيران والفضاء والإلكترونيات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والأنظمة غير المأهولة وغيرها من الصناعات ذات القيمة المضافة المرتفعة. وكلما ارتفع مستوى التكامل، أصبح الدفاع نفسه جزءًا من منظومة اقتصادية وتقنية أوسع، بدلًا من أن يبقى قطاعًا منفصلًا عن مسار التنمية.
لكن هناك بعدًا آخر لا يقل أهمية عن الصناعة، وهو الجغرافيا. فالدول الثلاث لا تتجاور، لكنها تتصل عبر فضاء جغرافي يربط الخليج بالبحر الأحمر وشرق المتوسط وبحر العرب وجنوب آسيا. المملكة تقع عند واحدة من أهم نقاط التقاء طرق الطاقة والتجارة العالمية، وتركيا تمثل جسرًا بين الشرق والمتوسط وأوروبا، فيما تمتد باكستان إلى بحر العرب وجنوب آسيا. وبذلك فإن الاتفاقية تجمع ثلاث عقد إستراتيجية متباعدة جغرافيًا لكنها مترابطة اقتصاديًا.
وهذا يجعل أمن الممرات جزءًا من المعادلة الدفاعية والاقتصادية في آن واحد. فقد أثبتت التطورات الأخيرة أن اضطراب طريق تجاري واحد يمكن أن يرفع تكاليف النقل والتأمين والطاقة، ويؤثر في سلاسل الإمداد والأسواق التي تقع على مسافات بعيدة من منطقة الصراع. لم يعد أمن الممرات البحرية مسألة عسكرية بحتة، بل أصبح أحد شروط الاقتصاد العالمي. ومن هنا يمكن أن تتحول الشراكة بين الدول الثلاث، إذا تطورت مؤسسيًا وعمليًا، إلى أحد مكونات أمن أوسع للمصالح وحركة التجارة والطاقة.
كما أن الاتفاقية تعكس تحولًا أوسع في مفهوم الشراكات الإستراتيجية. فالمملكة لا تبني علاقاتها الدولية على محور واحد، ولا تحصر خياراتها في شريك أو منظومة واحدة، وإنما توسع شبكة الشراكات بما يمنحها مساحة أكبر للحركة وقدرة أعلى على إدارة المخاطر. وهذا لا يعني استبدال شريك بشريك، بل بناء تعدد في الخيارات الإستراتيجية. وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة مع تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، التي تطور في الوقت نفسه شراكات أمنية ودفاعية خارج إطار الحلف. وهذا يعكس اتجاهًا دوليًا متزايدًا نحو بناء شبكات متعددة من الشراكات بدلًا من الاعتماد على مظلة واحدة.
ولذلك فإن اختزال اتفاقية مكة في وصفها بأنها «ناتو إسلامي» قد يكون جذابًا إعلاميًا، لكنه يختزل معناها أكثر مما يفسرها. فالقضية الأهم ليست الاسم الذي سيطلق عليها، وإنما القدرة التي يمكن أن تتشكل خلفها. الاتفاقيات لا تصنع القوة بمجرد توقيعها، لكنها تفتح الطريق أمام صناعة القوة، والنص السياسي لا يصبح رادعًا إلا عندما يعرف الآخرون أن وراءه قدرة حقيقية على التنفيذ.
وهنا تبدأ المرحلة الأكثر أهمية. فالاتفاقية تحتاج إلى بناء آلياتها المؤسسية والتشغيلية، وتحديد مستويات التنسيق والاستجابة، وربط الالتزام السياسي بقدرات مشتركة قابلة للاستخدام. وقد بدأ بالفعل وضع أطر للتنسيق، لكن الاختبار الحقيقي سيكون فيما ستنتجه هذه الأطر على الأرض. فإذا بقيت الاتفاقية في حدود التنسيق السياسي والعسكري، فستظل اتفاقية دفاعية مهمة. أما إذا نجحت في إنتاج برامج مشتركة في الصناعة والتكنولوجيا والتدريب والبحث والتطوير وسلاسل الإمداد، فإنها ستتحول إلى شيء أكبر بكثير.
وهنا يظهر الأثر الاقتصادي الحقيقي. فالتعاون الدفاعي يمكن أن يصبح مدخلًا للاستثمار المشترك، ونقل التقنية، وتطوير الصناعات المتقدمة، وتوطين سلاسل الإمداد، وتأهيل الكفاءات، وتوسيع الأسواق، وإنتاج تقنيات يمكن أن تجد طريقها إلى الاستخدامات المدنية والتجارية. وعندها لا يعود الإنفاق على الأمن مجرد إنفاق لحماية الموجود، بل يتحول جزء منه إلى استثمار في القدرة التي تنتج المستقبل.
هذه هي النقلة التي تستحق الانتباه. فالقوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد شيئًا تخزنه الدولة في مستودعاتها العسكرية، وإنما منظومة مترابطة من الاقتصاد والتقنية والصناعة والمعلومات والجغرافيا والقدرة البشرية والشراكات. ومن يمتلك هذه العناصر منفصلة قد يمتلك إمكانات كبيرة، لكن من يستطيع ربطها في منظومة واحدة يمتلك قدرة أكبر على حماية مصالحه وصناعة خياراته والتأثير في محيطه.
ومن هنا قد تكون القيمة الأبعد لاتفاقية مكة أنها تفتح المجال أمام انتقال مختلف في مفهوم القوة، من إدارة القدرات الموجودة إلى صناعة قدرات جديدة، ومن التعاون في مواجهة المخاطر إلى بناء منظومات قادرة على إنتاج الردع والتكنولوجيا والصناعة والنفوذ. فالمملكة وتركيا وباكستان تملك كل منها عناصر قوة مختلفة، لكن القيمة الإستراتيجية تبدأ عندما تتحول هذه العناصر من موارد منفصلة إلى قدرة مشتركة.
في النهاية، لا ينبغي أن يكون معيار نجاح مكة عدد البيانات التي ستصدر، ولا عدد المناورات التي ستنفذ، ولا حتى حجم التعاون العسكري الذي سيعلن. المعيار الحقيقي هو ما إذا كانت الدول الثلاث ستستطيع تحويل التوقيع إلى قدرة، والقدرة إلى صناعة، والصناعة إلى اقتصاد، والاقتصاد إلى نفوذ.
فالاتفاقيات تبدأ بالتوقيع، لكن التحالفات الحقيقية تبدأ عندما يصبح وراء التوقيع ما يكفي من القدرة على التنفيذ. وإذا استطاعت مكة أن تحقق ذلك، فإنها لن تكون مجرد اتفاقية للدفاع عن القوة القائمة، بل قد تصبح منصة لصناعة قوة جديدة.