فاطمة آل مبارك
«قولوا لنزّال الحدود عن حدّنا ينزح وراه».. ربما تختصر هذه العبارة، التي ارتبطت بالملك فيصل بن عبدالعزيز -رحمه الله-، جانبًا عميقًا من روح الدولة السعودية حيث كانت الحدود تعني أرضًا مصونة، وسيادةً لها هيبة، ودولةً تعرف موضعها وتملك القدرة على حمايته. كانت القوة آنذاك تُقاس بقدرة الدولة على أن تقول للآخر: هنا ينتهي الطريق.
لكن القوة اليوم، كالتاريخ، لا تثبت على صورة واحدة تتبدل أدواتها كلما اتسع مجال الدولة وتغيرت طبيعة العالم من حولها. ولم يعد «الحد» في زمننا خطًا تنتهي عنده الأرض وتبدأ خارجه المخاطر، بل غدا مفهومًا أكثر اتساعًا، تتقاطع عنده الجغرافيا بالمصلحة، والسيادة بالقدرة، والأمن بحركة الاقتصاد والمعرفة والتقنية.
فما كانت الدولة تصونه عند حدودها بات اليوم يتجاوز خطوط الخريطة إلى فضاءٍ أوسع من المصالح إلى بحرٍ يحمل تجارتها، وطاقةٍ تحرك اقتصادها، وتقنيةٍ تحصّن بنيتها، وشراكاتٍ تضاعف خياراتها، ومجالٍ دولي تتشابك فيه مصالحها مع مصالح الآخرين. وهكذا تتجسد قوة الدولة في قدرتها على تشكيل البيئة المحيطة بها، بما يحمي مصالحها ويمنح قرارها مساحة أوسع للحركة.
ومن هنا يتغير معنى السيادة نفسه من سيادة تُقاس بسلامة الحدود، إلى سيادة تُقاس بقدرة الدولة على صناعة خياراتها وحماية مجال مصالحها. إنها نقلة من حراسة الحد إلى صناعة المجال، ومن الدفاع عن المكان إلى التأثير في الشروط التي تحدد أمنه ومستقبله ولهذا تستحق اتفاقية مكة الدفاعية، التي جمعت المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في أغسطس 2026، قراءة تتجاوز وصفها باتفاق بين ثلاث دول أو إطار جديد للتعاون الدفاعي. فهي تفتح سؤالًا أعمق في مسيرة الدولة السعودية: كيف انتقل مفهوم «الحد» من خطٍ يحمي الأرض إلى أفقٍ تُبنى حوله الشراكات وتصاغ من خلاله الخيارات الاستراتيجية؟
وتبدأ دلالة الاتفاقية من مفارقة لافتة فالسعودية وتركيا وباكستان لا تجمعها حدود مشتركة، بل مسافات واسعة تفصل بين مواقعها، ومع ذلك تتقاطع مصالحها في فضاء استراتيجي يجعل من البعد الجغرافي مجالًا للتكامل. وهذه، في تقديري، إحدى أهم دلالات هذا الحدث التاريخي أن الجغرافيا لم تعد تُقرأ باعتبارها مسافة تفصل بين الدول، بل باعتبارها شبكة مترابطة تتصل فيها الممرات البحرية بالطاقة، والتجارة بالموانئ، والأسواق بسلاسل الإمداد، وتتجاوز فيها المصالح حدود الجغرافيا التقليدية.
كما أن اختيار مكة المكرمة مكانًا لهذا الحدث يفتح أفقًا آخر من المعنى فمكة مرتكز روحي ووعي جامع في العالم الإسلامي. وحين تلتقي رمزية المكان بإرادة سياسية تجمع ثلاث قوى وازنة في إطار دفاعي واحد، تتجاوز دلالة الحدث حدود الاتفاق إلى معنى أعمق في الوعي الاستراتيجي. فمكة تحتضن التاريخ وتمنحه سياقه وذاكرته، ومن رحابها يكتسب الاتفاق بعدًا رمزيًا يربط بين ثقل المكان ودلالة اللحظة، وبين عمق الموروث واستشراف المستقبل.
إن المملكة التي عُرفت طويلًا بثقلها الديني وموقعها الجغرافي وثروتها النفطية، أخذت تعيد تعريف حضورها من خلال منظومة أوسع من عناصر القوة اقتصاد يتشكل للمستقبل، ورأس مال يتحرك عبر الحدود، ومشروعات تعيد وصل المملكة بالعالم، ودبلوماسية تتعدد مساراتها، وقدرة على جمع دوائر متباعدة من المصالح حول مركز واحد.
وفي هذا الامتداد التاريخي، تتصل ملامح الدولة السعودية في حاضرها بميراثها السياسي ففي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تتسع أدوات القوة السعودية لتشمل الاقتصاد والاستثمار والدبلوماسية والتقنية والشراكات الاستراتيجية وهنا يكتسب بيت الفيصل معنى آخر فحماية الحد التي عبّرت عنها تلك الكلمات في زمنها، تتطور اليوم إلى رؤية أوسع للقوة، تحمي السيادة بتوسيع الخيارات، وتعزز المكانة بتعدد الشراكات، وتحوّل الموقع السعودي من حقيقة جغرافية إلى قدرة استراتيجية.
وعلى امتداد هذا التحول، تبدو اتفاقية مكة جزءًا من مسار أوسع في تطور الدور السعودي مسار انتقلت فيه المملكة من امتلاك موقع استراتيجي إلى توظيفه، ومن التأثر بمعادلات الجغرافيا إلى الإسهام في صياغتها. فالجغرافيا التي منحت المملكة أهميتها التاريخية تتحول اليوم إلى أداة لصناعة الخيارات وبناء الشراكات وتوسيع مجال التأثير.
لهذا قد تكون القيمة الأعمق لاتفاقية مكة في كونها بداية سؤال تاريخي أكثر من كونها نهاية إجابة سياسية فهي تفتح أمام المستقبل سؤالًا عن شكل الشراكات بين الدول ذات الثقل، وعن قدرة المصالح المتقاطعة على صناعة فضاء أوسع للاستقرار والقدرة على الحركة. وقد تتجاوز الاتفاقية لحظة توقيعها لتصبح اختبارًا لنمط جديد من العلاقات في العالم الإسلامي، تُقاس قيمته بما يتركه من أثر في بنية الشراكات وموازين المصالح وصناعة القرار.
صفوة القول، اتفاقية مكة كشفت عن مرحلة جديدة من التفكير في موقع المملكة وإذا كان التاريخ سيبحث يومًا عن اللحظة التي بدأ فيها هذا التحول يأخذ شكلًا واضحًا، فقد يجد في مكة، في أغسطس 2026، واحدة من علاماته البارزة.