أوتاوا - تهاني الغزالي:
تدخل العلاقات السعودية - الكندية مرحلة جديدة من الحراك، تتجاوز في طموحها استعادة زخم العلاقات السياسية إلى بناء شراكات أوسع في الاستثمار والتعدين والتعليم والتكنولوجيا والسياحة ونقل المعرفة، مع البحث عن أثر مباشر لهذه الشراكات في حياة المواطنين وفي فرص الشركات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال في البلدين.
وفي حوار خاص مع «الجزيرة»، تتحدث سفيرة خادم الحرمين الشريفين لدى كندا آمال يحيى المعلمي عن رؤيتها لهذه المرحلة، والفرص التي يمكن أن تفتحها استضافة الرياض لإكسبو 2030 وكأس العالم 2034 أمام التعاون مع الشركات والخبرات الكندية، كما تتناول ملفات الطيران والشحن والتأشيرات والتعدين والتبادل الثقافي، وأهمية انتقال المعرفة والخبرة إلى الكفاءات المحلية باعتباره أحد المعايير الأساسية لنجاح أي شراكة طويلة المدى.
ويأتي الحوار بعد الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى المملكة في يوليو 2026 ولقائه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وهي الزيارة التي شهدت الإعلان عن 13 اتفاقية ومذكرة تفاهم تجارية تتجاوز قيمتها مليار دولار، وشملت عددًا من القطاعات من بينها التعدين والبنية التحتية والتكنولوجيا الصحية، إلى جانب توسيع التعاون في التعليم والطاقة والذكاء الاصطناعي ونقل الخبرات.
بعد سنوات مرت فيها العلاقات السعودية - الكندية بمرحلة من الفتور، هل يمكن القول إن ما نشهده اليوم هو عودة للعلاقات بعد انقطاعها؟
- بينت سعادة السفيرة آمال أن من المهم هنا تصحيح التوصيف فقالت «العلاقات السعودية - الكندية لم تنقطع، وإنما انخفض مستوى التمثيل الدبلوماسي بين البلدين، وظلت قنوات التواصل قائمة خلال تلك المرحلة، قبل أن تعود العلاقات لاحقًا إلى مستوى السفراء».
وهذا أمر مهم؛ لأننا لم نبدأ من الصفر عندما استعادت العلاقات زخمها، بل كانت هناك أرضية قائمة يمكن البناء عليها وتوسيعها. وما نراه اليوم هو استعادة لمساحات التعاون التي ظلت موجودة، مع فتح مجالات جديدة يمكن أن تدفع العلاقة إلى مستوى أوسع خلال المرحلة المقبلة.
الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء الكندي للمملكة حملت اتفاقيات ومذكرات تفاهم بأكثر من مليار دولار. أين ترين القيمة الحقيقية لهذه الشراكات؟
- قالت المعلمي «إن قيمة الاتفاقيات لا تتوقف عند حجمها أو عند اسم الشركة التي توقعها. المهم أيضًا أن ننظر إلى ما يمكن أن ينشأ حول المشروع الكبير من فرص أخرى».
أي مشروع كبير يحتاج إلى موردين ومقاولين من الباطن وشركات نقل ولوجستيات وتقنية وخدمات وتدريب وغيرها. ومن هنا يمكن أن تصل فرص المشروعات الكبرى إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة وإلى رواد الأعمال، بدل أن تظل الفائدة محصورة في المؤسسات الكبرى فقط.
قد تحصل شركة كبيرة على عقد رئيسي، لكنها تحتاج أثناء التنفيذ إلى عدد كبير من الشركات الأصغر التي تقدم خدمات أو منتجات أو خبرات متخصصة. وعندما يحدث ذلك، يبدأ أثر الاتفاق الكبير في الوصول إلى السوق بصورة أوسع.
لذلك فالسؤال ليس فقط: كم تبلغ قيمة المشروع؟ وإنما أيضًا: كم فرصة يستطيع هذا المشروع أن يخلق حوله؟
وهل ترين أن تطوير حركة الشحن الجوي بين البلدين يمكن أن يكون جزءًا من توسيع هذه الفرص؟
- أكدت المعلمي على أن التجارة لا تتحرك بالاتفاقيات وحدها. هناك سلع ومعدات ومنتجات واحتياجات للمشروعات يجب أن تنتقل بين السوقين، ولذلك فإن مرونة النقل والشحن عنصر أساسي في نجاح العلاقات التجارية.
وقد شهد اتفاق النقل الجوي بين المملكة وكندا توسعًا يسمح بما يصل إلى 14 رحلة ركاب أسبوعيًا لكل دولة، إلى جانب رحلات شحن جوي غير محدودة.
وهذا مهم جدًا للشركات التي تريد العمل في السوق الآخر، وخصوصًا الشركات الصغيرة والمتوسطة التي قد تشارك كموردين أو مقاولين من الباطن أو مقدمي خدمات.
فالشحن الجوي ليس مجرد نقل بضائع، وإنما جزء من البنية التي تسمح للتجارة بالتحرك وتفتح أمام الشركات مساحة أكبر للاستفادة من نمو العلاقات الاقتصادية.
وماذا عن حركة الأفراد؟ أين يمكن للمواطن أن يشعر عمليًا بأن العلاقات بين البلدين تتطور؟
- أضافت السفيرة أن إحدى المساحات المهمة هي تسهيل حركة الناس بين البلدين.
لهذا المملكة أتاحت للمواطن الكندي إمكانية التقدم إلكترونيًا للحصول على التأشيرة السياحية، وهي متعددة الدخول وصالحة لمدة عام، وتسمح بالإقامة لمدة تصل إلى 90 يومًا وفق شروطها.
وأهمية ذلك لا تتوقف عند تسهيل إجراءات السفر. عندما يستطيع المواطن الكندي زيارة المملكة ورؤية ما يحدث فيها بنفسه، فإنه يتعرف إلى المجتمع والمدن والجامعات والمشروعات والفعاليات والثقافة والحياة اليومية بصورة مباشرة.
التجربة الشخصية تستطيع أن تقدم للإنسان صورة أكثر واقعية من الصورة التي قد تتشكل لديه من الخارج.
وفي المقابل، نتطلع إلى أن تحمل المرحلة المقبلة مزيدًا من التيسير للمواطن السعودي الراغب في زيارة كندا، بما يدعم حركة السفر والتبادل بين المجتمعين في الاتجاهين.
فالطالب ورائد الأعمال والسائح والأسرة والمهني يتحركون بين البلدين، ومع حركة الناس تتحرك المعرفة والثقافة والفرص أيضًا.
هل يدخل إطلاق رحلات مباشرة بين الرياض وكندا ضمن ما تتطلعين إلى تحقيقه خلال المرحلة المقبلة؟
- المعلمي: نعم، نتطلع إلى رؤية ربط جوي مباشر بين الرياض وكندا، ومن بين الإمكانات التي نتطلع إليها وجود رحلة مباشرة لطيران كندا «إير كندا»، إلى جانب توسع حضور شركات الطيران السعودية في السوق الكندية.
والربط المباشر لا يخدم السياحة وحدها، وإنما يسهّل حركة رجال الأعمال والطلاب والعائلات، ويدعم المشاركة في المؤتمرات والفعاليات والمشروعات.
عندما توجد حركة أكبر بين بلدين، يصبح الاتصال بين مجتمعيهما وقطاعاتهما الاقتصادية والتعليمية أكثر سهولة. فالرحلة المباشرة لا تختصر وقت السفر فقط، بل تختصر أيضًا جزءًا من المسافة العملية بين البلدين.
المملكة تستعد لاستضافة إكسبو 2030 وكأس العالم 2034. ماذا يمكن أن يمثل الحدثان بالنسبة للتعاون مع كندا؟
- رأت المعلمي أن الفرص لا ترتبط فقط بفترة إقامة إكسبو أو كأس العالم، وإنما تمتد إلى سنوات من الاستعداد والبناء والتشغيل والتدريب.
استضافة فعاليات عالمية بهذا الحجم تحتاج إلى منظومة كبيرة من الفنادق والسياحة والنقل والبنية التحتية والتقنية والخدمات اللوجستية، إضافة إلى التدريب ورفع كفاءة العاملين في قطاعات الضيافة والخدمات.
وهنا توجد مساحة مهمة للاستفادة من الخبرات الكندية.
في قطاع الفنادق والضيافة، على سبيل المثال، هناك خبرات لسلاسل عالمية مثل «فيرمونت»، ويمكن الاستفادة من خبراتها في الإدارة الفندقية والسياحة والتدريب ومستويات الخدمة، خصوصًا مع التوسع الكبير الذي تشهده الطاقة الفندقية في المملكة استعدادًا لإكسبو والمونديال.
لكن مرة أخرى، لا تقتصر الفرصة على الشركة الكبيرة التي تنفذ أو تدير المشروع. الفندق نفسه يحتاج إلى التجهيز والتوريد والخدمات الغذائية والتقنية والصيانة والتدريب والنقل، وهذا يفتح المجال أمام شركات أصغر للدخول ضمن سلسلة المشروع.
وبهذه الطريقة يمكن لإكسبو 2030 وكأس العالم 2034 أن يتحولا إلى فرصة أوسع لنقل الخبرات وخلق فرص اقتصادية تتجاوز الشركات الكبرى.
تكررين كثيرًا الحديث عن نقل المعرفة. لماذا يمثل هذا العنصر أهمية خاصة بالنسبة لك؟
- أكدت السفيرة على أن الاستثمار بالنسبة لي لا يُقاس فقط بحجم الأموال أو بقيمة العقد. إذا انتهى المشروع وترك وراءه خبرة جديدة، فهذه قيمة تستمر بعد انتهاء المشروع نفسه.
عندما يعمل خبير كندي إلى جانب مهندس أو فني سعودي، أو تقوم مؤسسة كندية بتدريب مجموعة من الكفاءات، أو تتعلم شركة محلية طريقة جديدة في الإدارة أو التشغيل، فإن المعرفة تبقى داخل السوق وتستمر فائدتها.
هذه هي الشراكة التي نريدها؛ ألا تأتي الشركة بخبرتها لتنفيذ المشروع ثم تغادر، وإنما يكون هناك انتقال للمعرفة والخبرة إلى الأشخاص والمؤسسات. أفضل الشراكات ليست فقط تلك التي تحقق رقمًا كبيرًا، وإنما التي تترك وراءها قدرة جديدة على العمل.
التعدين من القطاعات التي ظهر فيها اهتمام متزايد بين الجانبين. ما الذي يمكن أن تقدمه الخبرة الكندية للمملكة في هذا المجال؟
- وعند هذا الأمر بينت السفيرة أن كندا رائدة في هذا القطاع لهذا فالتعدين والموارد المعدنية من المجالات الواعدة جدًا للتعاون بين المملكة وكندا. المملكة تعمل على توسيع دور قطاع التعدين ضمن تنويع اقتصادها، في الوقت الذي تمتلك فيه كندا خبرة طويلة في الاستكشاف والجيولوجيا والهندسة وتطوير الموارد المعدنية. وهناك خبرات مهمة في ألبرتا في قطاعات الموارد والمعادن يمكن النظر إليها والاستفادة منها مع اتساع الفرص في القطاع السعودي.
لكن المعيار هنا هو نفسه: لا نريد أن يكون السؤال فقط عن الشركة التي ستنفذ المشروع، وإنما عن المعرفة التي ستنتقل معه.
هل يتعلم المهندس والفني؟ هل تستفيد المؤسسات السعودية من تقنيات الاستكشاف والتشغيل والإدارة؟ وهل يصبح الشريك المحلي بعد سنوات قادرًا على تنفيذ أعمال لم تكن لديه خبرتها من قبل؟ هذه هي القيمة الأبعد للشراكة.
الحديث حتى الآن اقتصادي في معظمه، لكنك تعطين الثقافة والتواصل المجتمعي مساحة واضحة أيضًا. لماذا؟
وهنا أكدت السفيرة على أن العلاقة بين بلدين لا تكتمل بالاقتصاد وحده. هناك مصالح تبنيها التجارة والاستثمار، وهناك معرفة ينقلها التعليم، لكن الثقافة واللقاء المباشر يسمحان للإنسان بأن يعرف الآخر بطريقة مختلفة.
المعارض الفنية والجامعات والفعاليات الثقافية والسياحة واللقاءات المجتمعية كلها مساحات مهمة للتعارف بين السعوديين والكنديين بعيدًا عن الاجتماعات الرسمية. فالإنسان عندما يرى فن المجتمع وثقافته ويتعامل مع أفراده ويزور بلده، تتكون لديه صورة قائمة على معرفة وتجربة مباشرة. ولهذا أتطلع إلى مزيد من التبادل والنشاط الثقافي والمجتمعي بين البلدين خلال المرحلة المقبلة.
«قبل العمل الدبلوماسي كانت لك تجربة في التعليم والحوار والعمل الاجتماعي وحقوق الإنسان. ماذا بقي من هذه السنوات في طريقة آمال المعلمي في ممارسة الدبلوماسية؟»
- المعلمي «أنا إنسانة أحب ألا أكتفي بأن أكون دبلوماسية، بل أحب أن يكون هناك تفاعل بيني وبين الموظفين وبيني وبين الجهات الخارجية. أعلمهم وأتعلم منهم، وأستفيد من خبراتهم أيضًا».
المعرفة ليست في اتجاه واحد. لديّ خبرتي التي أستطيع أن أقدمها، لكن الأشخاص الذين أعمل معهم أو أتعامل معهم لديهم أيضًا خبرات أتعلم منها. والتواصل يبدأ من الداخل، من فريق العمل والأشخاص الذين نلتقي بهم يوميًا، ثم يمتد إلى المؤسسات والمجتمع.
هذه الفكرة رافقتني خلال مراحل مختلفة من العمل، من التعليم والعمل الاجتماعي والحوار وصولًا إلى العمل الدبلوماسي.
أنت امرأة سعودية تمثل المملكة في دولة غربية. ما الصورة التي تتمنين أن يفهمها الآخر بصورة أفضل عن المرأة والمجتمع السعودي اليوم؟
- المعلمي: لا أنظر إلى تجربتي باعتبارها حالة فردية منفصلة عن التحول الذي تشهده المملكة. ورؤية السعودية 2030 هي أحد أهم المداخل لفهم هذا التحول. فالرؤية لا تتعلق فقط بالاقتصاد والاستثمار والمشروعات والسياحة، وإنما تضم أيضًا ركيزة «مجتمع حيوي»، وتضع الإنسان ونوعية حياته وفرصه في قلب عملية التطور.
وفي «كلمة القيادة» تأتي الإشارة إلى المملكة باعتبارها «دولة قوية مزدهرة تتسع للجميع، دستورها الإسلام ومنهجها الوسطية، تتقبل الآخر». المهم أن يفهم الآخر أن التطور لا يعني أن يفقد المجتمع السعودي هويته أو يصبح نسخة من مجتمع آخر، وإنما أن تتسع الفرص أمام الإنسان في التعليم والعمل والمشاركة، وأن تتسع مساحة التواصل والتعامل مع الآخر.
وينطبق ذلك أيضًا على المرأة السعودية. لا نريد استبدال صورة نمطية قديمة بصورة نمطية جديدة، حتى لو كانت أكثر إيجابية. الأفضل أن يرى الآخر الواقع بنفسه؛ حضور المرأة في التعليم والأعمال والدبلوماسية والعلوم والثقافة وفي مجالات الحياة المختلفة.
وجود امرأة سعودية في منصب سفيرة جزء من هذه القصة، لكنه ليس القصة كلها.
هل تعتقدين أن السفر والتواصل المباشر قادران فعلًا على تغيير الصور المسبقة التي يحملها كل مجتمع عن الآخر؟
بالتأكيد هكذا بينت سعادة السفيرة فقالت « أؤمن بأن التجربة المباشرة من أقوى أدوات المعرفة».
نحن نعيش في زمن أصبحت فيه المعلومات متاحة بصورة غير مسبوقة، ومع ذلك يمكن أن تستمر بعض الصور القديمة والأحكام المسبقة لسنوات.
وهنا تلتقي أشياء كثيرة قد تبدو منفصلة: التأشيرة تسهّل السفر، والطيران يفتح الطريق، والجامعة تجمع الطلاب، والشركة تجمع المهنيين، والمعرض الثقافي يجمع الجمهور، وإكسبو وكأس العالم يجلبان الناس من دول مختلفة، وفي كل حالة توجد فرصة لكي يرى الإنسان الآخر بنفسه. ليست الفكرة أن يقول السعودي للكندي كيف يجب أن يرى السعودية، أو أن يقول الكندي للسعودي كيف يجب أن يرى كندا. الأهم أن تتاح لكل منهما الفرصة للقاء الآخر وتكوين رأيه انطلاقًا من تجربة حقيقية.
إذا التقينا مرة أخرى بعد عدة أعوام، ما الذي تتمنين أن يكون قد تحقق بالفعل في العلاقات السعودية - الكندية؟
- المعلمي: أتطلع إلى أن تصبح حركة الناس بين البلدين أكثر سهولة، وأن يكون هناك مزيد من التيسير للمواطن السعودي الراغب في زيارة كندا، وأن نرى ربطًا جويًا مباشرًا بين الرياض وكندا، وحركة أكبر للشحن والتجارة.
أتطلع أيضًا إلى توسيع التعاون في التعدين والتكنولوجيا والتعليم والسياحة، وإلى مشاركة كندية فاعلة في الفرص المرتبطة بإكسبو 2030 وكأس العالم 2034. وأتمنى أن نرى انتقال الخبرة من الشركات والمؤسسات الكبرى إلى الكفاءات والشركات الأصغر.
لكن الأهم هو أن يصل أثر العلاقة إلى دوائر أوسع من الناس: أن تجد شركة صغيرة فرصة داخل مشروع كبير، وأن يكتسب مهندس أو فني معرفة جديدة، وأن يجد رائد أعمال طريقًا إلى سوق جديدة، وأن يزور الكندي المملكة فيتعرف إليها من تجربته، وأن يتسع التواصل بين السعوديين والكنديين في الأعمال والتعليم والثقافة والحياة اليومية.
الاتفاقيات الكبرى مهمة، لكنها تصبح أكثر قيمة عندما يستطيع المواطن ورائد الأعمال والطالب والمهني أن يشعروا بنتائجها بأنفسهم.