محمد البهيدل
تاريخ كرة القدم مليء بالمتناقضات الكفيلة بصناعة الأزمات الكبرى من رحم الانتصارات الوهمية. وحين يتعلق الأمر بنادٍ بحجم وقيمة الهلال، فإن مقاييس النجاح لا تُقاس بمجرد حصد النقاط الصماء في شهر العسل الافتراضي للموسم، بل تُقاس بمدى جودة الأداء الإستراتيجي، وصلابة المنظومة، واستقرار الهوية الفنية. مع انطلاقة منافسات الموسم الجديد في دوري روشن السعودي وبطولة كأس الملك، وجد المراقب والمشجع الهلالي نفسه أمام مشهد شديد التناقض: فوزان متتاليان في مستهل المسابقتين، ولكن في المقابل، حالة من القلق الوجودي جراء أداء شاحب ومخيب. هذه الثنائية بين النتيجة الرقمية والواقع الفني المعطوب تضعنا أمام تساؤلات ملحة حول مصير الفريق، والمسار الإداري والفني الذي يقوده نحو مجهول غير مأمون العواقب.
وهج النتائج الخادعة وتواضع المنافسين
سجل الهلال انتصارين افتتاحيين في أولى محطاته بالدوري والكأس برباعية مقابل هدفين من أمام الفيصلي بالدوري وثنائية باهتة من أمام الرائد ببطولة كأس الملك وتأهل لدوري الـ16، وهو رقمياً أمر إيجابي يسجّل في بداية أي سباق طويل. غير أن لغة الأرقام وحدها، إن لم تُفسر بعين الفاحص الفني، تتحول إلى خديعة كبرى تحجب العيوب وتؤجل الانفجار المحتوم. الواقع الميداني يقول بوضوح إن الهلال يعيش هذا الموسم توهاناً فنياً جلياً، وركاكة مقلقة في المنظومة الدفاعية التي تبدو عرضة لأبسط اختبار، وغيبوبة تامة في منطقة الهجوم تفقد الفريق شراسته المعتادة وقدرته على خنق الخصوم في ثلثهم الأخير. لو أردنا قراءة سبب هذه الانتصارات بمعزل عن المجاملة، سنجد أن تواضع مستويات الخصوم في هاتين المواجهتين هو العامل الوحيد الذي حيد الكارثة ومنح الهلال بطاقتي العبور والنقاط الثلاث. أما الفريق نفسه، فلم يقدم ما يشي بأن هناك عملاً تكتيكياً منظماً، بل بدا عشوائياً، يعتمد على الفرديات المطلقة والحلول الوقتية، وهي مؤشرات إن دلت على شيء فإنما تدل على أزمة عميقة في التحضير والبناء الفني.
خطر استمرار «خديعة اللاهزيمة» ومأزق سيميوني إنزاغي
أحد أخطر الإفرازات التي قد تنتج عن هذه الانتصارات الهشة هو السقوط في فخ «خديعة اللاهزيمة». فحين تستمر النتائج الإيجابية شكلياً على الرغم من سوء الأداء، تجد الإدارة نفسها في منطقة راحة وهمية تبرر لها بقاء الوضع على ما هو عليه. والأكثر خطورة في هذا السياق هو أن هذه النتائج المخادعة قد تمنح المبرر لاستمرار سيميوني إنزاغي على رأس الهرم الفني للفريق. إن بقاء مدرب تعلو حوله علامات الاستفهام الكبرى، وتظهر بصمته السلبية جلية على تحركات الفريق داخل المستطيل الأخضر، يمثّل تهديداً مباشراً لطموحات الهلال وجماهيره. إن الاعتماد على الحظ أو تواضع المنافسين لتمرير المباريات الأولى يعني تأجيل الأزمة لا حلها، ووقتها سيكون السقوط مدوياً في المنعطفات الحاسمة من الموسم حين يشتد ساعد المنافسين الحقيقيين.
الصمت الإداري والاستخفاف بنبض الشارع الرياضي
من المدهش والمحبط حقاً في آن واحد، أن هذا التوهان الميداني والاعتراض الواسع النطاق من قبل الجماهير والإعلام الأزرق على استمرار وسياسات المنظومة الفنية بقيادة إنزاغي، يقابله صمت مطبق من قبل الإدارة الهلالية واللجنة الفنية. لم تحرك الإدارة ساكناً طوال الفترة الماضية، ولم تقدم الحد الأدنى من التوضيح أو الرد على تلك الاعتراضات الواسعة التي تمثّل نبض المدرج الهلالي الحقيقي. هذا التعالي الإداري في تجاهل الصوت الجماهيري والإعلامي يكرّس حاجزاً غير مبرر بين النادي ومحبيه، ويخلق حالة من الاحتقان الصامت. فالجماهير التي تقف خلف الكيان في السراء والضراء ليست مجرد متلقٍ صامت، بل هي الشريك الحقيقي والداعم الأكبر، ولها الحق الكامل في الاطمئنان على مستقبل فريقها ومقدراته الفنية.
ناقوس الخطر قبل فوات الأوان
إن الهلال نادٍ اعتاد على منصات التتويج، ولا يمكنه الاكتفاء بانتصارات باهتة تولدها صدف البدايات وضعف المنافسين. إن التناقضات الحالية بين الواقع الفني المتردي والأرقام الشكلية تنذر بموسم شاق إن لم يتم تدارك الأمور بحجر عاقل وجريء. الكرة الآن في ملعب الإدارة الهلالية؛ فإما مصارحة شجاعة وتصحيح جذري يضع الفريق على السكة الصحيحة قبل أن يفوت الأوان، أو الاستمرار في رهان خاسر على «خديعة اللاهزيمة» التي ستدفع ثمنها غالياً خزائن النادي وطموحات أنصاره.