د. أحمد محمد القزعل
في ضواحي الأندلس، حيث كانت بيوت القرميد تتكئ على سفوح التلال، وتنساب الجداول بين البساتين كأنها خيط نور عاش شاب يُدعى حسّان، لم يكن لصاً كما يظن الناس عن اللصوص؛ بل كان قلباً ممزقاً بين الحاجة والضمير، بين يد تمتد خلسة ووجدان يصفعه كلما لمس شيئاً ليس له، كان الفقر ضيفاً دائماً في بيته منذ أن مات والده وترك أمّه التي تحتاج إلى الدواء، فاضطر إلى طرق باب لم يكن يتمنى يوماً أن يطرقه: باب السرقة.
وفي ليلة من ليالي الشتاء حين هبط الضباب على الطرقات، كان حسّان يسير في الأزقة الضيِّقة لعلّه يجد ما يسدّ به رمق أسرته، لمح نافذة مفتوحة في بيت عتيق يطلّ على بستان من أشجار الرمّان، تسلّل بخفة ووجد على الطاولة كيساً صغيراً جلدياً، لكنه لم يجد فيه سوى دفتر قديم ورسالة كُتبت بخط يشبه وجع السنين، لم تكن تلك الغنيمة التي خرج من أجلها، لكنه قبل أن يغادر شدّه فضول لم يعرف له تفسيراً فقرأ الرسالة، كانت الرسالة من رجل مسنّ إلى ابن غائب:
«يا بنيّ، إن طال غيابك فلا يطول شوقي، وإن ضاقت عليك الدنيا فلا تخجل من العودة، الأبواب التي فتحتُها لك صغيراً لا تزال تُفتح لك كبيراً...»
لم يستطع حسّان إكمال القراءة، شعر أن الكلمات تخترق صدره كأنها كتبت له، هو الذي طال غيابه عن نفسه قبل أن يطول عن الآخرين، جلس على طرف النافذة المضاءة بنور خافت، وأحسّ بأن روحاً ما تناديه من بين السطور: لعلها روح أبيه الذي رحل قبل أن يمنحه فرصة الوداع.
في تلك اللحظة تبدّل الليل داخل حسان، لم يعد لصاً يبحث عن شيء يأخذه، بل إنساناً يبحث عمَّا خسره، أعاد حسان وضع الدفتر في مكانه والقليل من الدراهم التي كانت بحوزته، ثم أغلق النافذة برفق وانسحب كما لو أنه ينسحب من حياته السابقة.
في اليوم التالي شاع في القرية خبر غريب: سارق دخل لبيت من البيوت ولم يسرق شيئاً، بل ترك مالاً لا يساوي شيئاً في الدنيا لكنه يساوي الكثير في النية، كان صاحب البيت شيخاً أعمى يعيش وحيداً، ولمّا فتح الكيس وجد النقود، فبكى وقال:
هذه يد ليست يد لصّ...، هذه يد احتاجت الرحمة فأعطت الرحمة، لم يعرف السكان حقيقة ما جرى، لكن الشيخ أخذ يدعو كل ليلة لصاحب تلك الخطوة التي لم تُر وللروح التي قاومت ظلامها.
أما حسّان فقد ظلّ يمشي بين البساتين بحثاً عن سبيل جديد لحياته، شعر لأول مرة أنه قادر على أن يواجه فقره بوجه آخر غير وجه السرقة، بدأ يعمل في بساتين الزيتون، لا يأخذ إلا ما يستحقه، وشيئاً فشيئاً صار الناس يثقون به بعدما كانوا يخافون منه، كان كل يوم يذهب إلى تلة مرتفعة تطل على القرية، ويقول في نفسه: ربما يخطئ الإنسان، لكن الضمير لا يخون من يسمع صوته...
مرت شهور وجاء يوم قرَّر فيه حسّان أن يذهب إلى الشيخ الذي دخل بيته تلك الليلة، وقف أمام الباب متردداً قبل أن يطرق، فتح الشيخ الباب، ورغم أنه لا يرى إلا أن قلبه عرفه قبل أن يسمع صوته، قال الشيخ بصوت هادئ: جئت لتردّ شيئاً أخذته؟
أم لتستعيد شيئاً فقدته؟ انحنى حسّان أمام الشيخ، وقال: جئت لأستعيد نفسي يا عمّي، ابتسم الشيخ وفتح ذراعيه كأب يعانق ابنه عاد بعد طول غياب، وقال:
إن الذي يسرق رغيفاً من الجوع ليس مثل اللصوص الذين يسرقون ضمائرهم، يكفي أنك عدت إلى نفسك...
وهكذا أصبحت قصة حسان تُروى في ضواحي الأندلس لكل طفل وكل شاب يخطو نحو مفترق الطرق بين الخطأ والصواب، كانوا يقولون:
إن أخطأت فلا تخف من العودة، فالإنسان لا يُعرف بما فعل، بل بما اختاره بعد أن عرف نفسه، كانت تلك هي الفلسفة التي تركها حسّان للقادمين بعده:
إن الضمير قد يغفو لكنه لا يموت، وأن في داخل كل خطيئة باباً يؤدي إلى الإصلاح إذا امتلك الإنسان شجاعة فتحه.