حذامي محجوب
لقد أصبحت الرياض في ذلك العام منصة للحوار حول الاقتصاد العالمي والصحة والطاقة والتنمية، بما عزَّز انتقال المملكة من دولة ذات وزن اقتصادي كبير إلى دولة تريد أن يكون لها دور في صياغة النقاش العالمي نفسه.
وهذا التحول يعكس إحدى سمات عهد الملك سلمان: الانتقال من امتلاك عناصر القوة إلى توظيفها في صناعة النفوذ.
فالنفط قوة، لكن إدارة سوق الطاقة قوة سياسية.
والاستثمار قوة، لكن تحويل الرياض إلى مركز مالي واستثماري عالمي نفوذ.
والتراث قوة رمزية، لكن تحويل العلا والدرعية إلى وجهات عالمية هو دبلوماسية ثقافية.
والثقل الديني قوة استثنائية، لكن خدمة الحرمين وتنظيم ملايين الزوار من مختلف أنحاء العالم تجعل هذه القوة مرتبطة أيضاً بإدارة تجربة إنسانية وحضارية عالمية.
والاقتصاد قوة، لكن استضافة العالم في معرض إكسبو 2030 تجعل الاقتصاد والثقافة والسياسة والسياحة في منصة واحدة.
وهنا نصل إلى واحدة من أهم علامات الحضور السعودي الجديد.
في 28 نوفمبر 2023، انتخبت الدول الأعضاء في المكتب الدولي للمعارض المملكة العربية السعودية لاستضافة معرض إكسبو 2030 في الرياض، بأغلبية الثلثين، متقدمة على بوسان وروما.
وفي يونيو 2025، منح المكتب الدولي للمعارض التسجيل الرسمي لإكسبو الرياض 2030، تمهيداً لدخوله مرحلة التنفيذ واستقبال المشاركين الدوليين.
هذا الحدث يحمل دلالة عميقة إذا وضعناه بجوار قصة المعرض الذي جاب عواصم العالم قبل عقود.
في الماضي كانت المملكة تصنع معرضاً متنقلاً لكي تذهب به إلى العالم.
أما في المستقبل القريب، فالعالم كله سيأتي إلى الرياض.
سيأتي إلى إكسبو 2030 ممثِّلو الدول والمؤسسات والشركات والمبدعون والمبتكرون والزوار من مختلف القارات، في تظاهرة تستمر ستة أشهر، وتقدِّم المملكة نفسها من خلالها بوصفها دولة تريد المشاركة في صناعة المستقبل، لا مجرد متلقية لتحولاته.
وهكذا تكتمل دائرة رمزية شديدة الدلالة: المعرض الذي حمل صورة السعودية إلى العالم أصبح اليوم مقدمة لعالم يأتي إلى السعودية.
ومن الرياض إلى العلا، ومن الاقتصاد إلى الثقافة، ومن الإغاثة إلى المؤتمرات الدولية، تشكلت خلال عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان شبكة جديدة للحضور السعودي.
لكن هناك جانباً آخر أكثر عمقاً: إعادة بناء العلاقة بين الهوية والحداثة.
كان السؤال الذي واجهته المملكة، كما واجهته دول عربية كثيرة، هو: هل الانفتاح يعني التخلي عن الخصوصية؟
جاء المسار السعودي بإجابة مختلفة: يمكن للدولة أن تنفتح على العالم وهي أكثر اعتزازاً بتاريخها.
وهذا ما يظهر في مشاريع الدرعية والعلا والمواقع التاريخية والمتاحف والمبادرات الثقافية.
الرؤية السعودية نفسها تضع «مجتمعاً حيوياً» ضمن محاورها، وتربط بين الاعتزاز بالتقاليد الوطنية وبين الحياة الحديثة والانفتاح على العالم.
وهذه الفكرة هي امتداد واضح للمنطق الذي ظهر في تجربة المعرض القديم: تقديم الحداثة السعودية جنباً إلى جنب مع التراث، لا بوصفهما نقيضين.
فالرياض التي تستضيف المؤتمرات الدولية هي نفسها الرياض التي تستعيد بواباتها التاريخية.
والمدينة التي تستقبل كبار المستثمرين العالميين هي نفسها المدينة التي تحتفي بالشعر والفن والموسيقى.
والعلا التي تستضيف الفنانين والزوار العالميين تستمد جاذبيتها من حضارة عمرها آلاف السنين.
وهذا هو جوهر القوة الناعمة: أن تجعل العالم مهتماً بما أنت عليه، لا بما تريد فقط أن تقوله عن نفسك.
أما سياسياً، فقد حافظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان على موقع المملكة كقوة عربية وإسلامية وازنة، في مرحلة شهدت صراعات إقليمية حادة وتغيرات كبيرة في موازين القوى.
وفي هذا السياق، لم تعد الدبلوماسية السعودية تتحرك في فضاء عربي وإسلامي فقط، وإنما اتسعت دوائرها باتجاه القوى الدولية الكبرى، شرقاً وغرباً.
وهذا الاتجاه أخذ لاحقاً شكلاً أكثر وضوحاً في تنويع الشراكات السعودية وعدم حصر العلاقة الدولية في محور واحد.
إن المملكة التي كانت تُقرأ طويلاً من خلال علاقتها بالولايات المتحدة أصبحت اليوم جزءاً من شبكة علاقات أوسع تشمل الولايات المتحدة والصين وروسيا وأوروبا والهند واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها.
وهنا أيضاً ينبغي التفريق بين المراحل.
فبعض التحولات الدبلوماسية الكبرى التي شهدتها المملكة في السنوات الأخيرة، مثل المصالحة السعودية الإيرانية التي تمت بوساطة صينية عام 2023، أو التوسع الكبير في العلاقات مع الصين، جاءت في مرحلة قيادة سمو ولي العهد وإدارته التنفيذية للملف السياسي والاقتصادي، لكنها وقعت في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، الذي وفر الإطار السياسي الأعلى للدولة.
وهذا يوضح طبيعة سموه في هذه المرحلة: ملك يقود الدولة، ويضع معالمها، ويحدد اتجاهها، ويمنح مشروع التحول مشروعيته السياسية والاستمرارية المؤسسية، فيما يتولى سمو ولي العهد إدارة التنفيذ.
لذلك من الخطأ، أن تُقرأ التجربة السعودية باعتبارها مشروع شخص واحد.
إنها في جوهرها عملية انتقال دولة بأكملها.
خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان يمثل فيها الحكمة والاستمرارية والخبرة التاريخية ومرجعية الدولة.
وسمو ولي العهد يمثِّل القوة التنفيذية والجيل الجديد من القيادة والطموح التحويلي.
والنتيجة هي المملكة التي نراها اليوم.
وإذا كان البعض يختزل عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان في رؤية 2030، فإن ذلك يختزل التجربة أكثر مما ينبغي.
فالتحول الحقيقي كان أوسع من رؤية اقتصادية.
كان تحولاً في علاقة المملكة بالعالم.
لقد أصبحت السعودية أكثر حضوراً في السياحة الدولية، وأكثر قدرة على جذب الفعاليات الكبرى، وأكثر انخراطاً في صناعة الثقافة العالمية، وأكثر نشاطاً في العمل الإنساني، وأكثر قدرة على استضافة القمم والمؤتمرات، وأكثر مشاركة في الاقتصاد والاستثمار والطاقة والرياضة.
حتى خارطة المشاريع الحالية لرؤية 2030 تكشف اتساع هذا التحول، من الدرعية والعلا والقدية والبحر الأحمر إلى الرياض آرت وحديقة الملك سلمان والمجمع الملكي للفنون ومشروعات الطاقة والصناعة واللوجستيات.
وهذه ليست مجرد قائمة مشاريع.
إنها خريطة لإعادة تعريف وظيفة الدولة ومكانتها.
فالدولة التي كان العالم يطرق أبوابها بسبب النفط، تريد اليوم أن يطرق هذا العالم أبوابها بسبب الاستثمار والسياحة والثقافة والتكنولوجيا والرياضة والابتكار.
والدولة التي كان حضورها العالمي مرتبطاً أساساً بثقلها الديني والنفطي، أصبحت تضيف إلى ذلك ثقل المدن والمشروعات والمؤسسات والمنصات الدولية.
والدولة التي كانت ترسل معرضاً إلى العالم، أصبحت تستعد لاستقبال العالم كله في إكسبو الرياض 2030 .
وبين اللحظتين مسافة زمنية طويلة، لكن الخيط الناظم واحد.
إنه الإيمان بأن المملكة لا ينبغي أن تكون مجرد موضوع في الصورة التي يصنعها الآخرون، وإنما صانعا لصورتها ومكانتها ورسالتها.
وهنا ربما تكمن واحدة من أكثر الصفات دلالة في شخصية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان.
لقد كان رجل المؤسسات والتاريخ.
أمضى أكثر من نصف قرن وهو يرى الرياض تكبر أمام عينيه، ثم رأى المملكة كلها تدخل مرحلة جديدة من التحول.
وعندما أصبح ملكاً، لم يبدأ من الصفر، وإنما حمل معه خبرة مدينة تحولت، ودولة عايش مراحل نموها، ومجتمع يعرف تركيبته، وعالم يعرف قواعده.
ولذلك فإن مشروع الحضور العالمي للمملكة لم يبدأ في عام 2016 فقط.
رؤية 2030 أعطته اسماً وخطة ومؤشرات وبرامج ومؤسسات، لكنها لم تخترع الفكرة من العدم.الفكرة أقدم.
بدأت عندما آمن قائد عظيم اسمه سلمان بن عبدالعزيز، أمير الرياض، بأن المملكة تستطيع أن تقدم نفسها للعالم.
ثم تطورت الفكرة عندما أصبحت الرياض نفسها نموذجاً لمدينة سعودية حديثة.
ثم اتسعت عندما أصبح سلمان ملكاً، فتحولت العلاقة مع العالم من مبادرات ثقافية وإعلامية متفرقة إلى سياسة دولة متعددة الأدوات.
ثم جاءت رؤية 2030 لتدفع هذا المسار إلى مستوى غير مسبوق.
واليوم، في عام 2026، يمكن رؤية نتائج هذا التحول في مشهد المملكة نفسها.
الرياض ليست المدينة التي كانت عليها قبل عقود.
والعلا ليست مجرد موقع أثري.
والدرعية ليست مجرد ذاكرة تاريخية.
والسياحة لم تعد هامشاً.
والثقافة لم تعد نشاطاً نخبوياً محدوداً.
والرياضة لم تعد شأناً محلياً.
والاستثمار لم يعد مرتبطاً بالنفط وحده.
والعمل الإنساني أصبح مؤسسة ذات امتداد دولي.
والدبلوماسية السعودية تتحرك في فضاءات متعددة.
وإكسبو 2030 ينتظر أن يحول الرياض إلى نقطة التقاء عالمي كبرى.
وهذا كله يعني أن المملكة انتقلت من مرحلة التعريف بنفسها إلى مرحلة الفعل والتأثير في الآخرين.
وهنا يصبح عنوان: «صناعة الحضور العالمي للمملكة» أكثر من وصف إعلامي.
إنه مسار تاريخي.
ففي الماضي كان السؤال: كيف نُعلن للعالم بلادنا السعودية؟
واليوم أصبح السؤال: كيف نجعل السعودية جزءاً من صناعة مستقبل هذا العالم؟
وهذا هو الفارق بين الحضور والصناعة.
الحضور يعني أن تكون موجوداً.
أما صناعة الحضور فتعني أن تبني الأدوات التي تجعل وجودك مؤثراً ومستداماً.
لقد بدأ الملك سلمان، قبل أن يكون ملكاً، بفكرة بسيطة في ظاهرها وعميقة في مضمونها: أن تذهب المملكة إلى العالم بدلاً من أن تنتظر العالم أن يكتشفها.
ثم جاء عهده الملكي الزاهر ليحول هذه الفكرة إلى مشروع دولة.
فالمعرض المتجول كان يقدم صورة المملكة.
ومشروعات اليوم تقدم تجربة المملكة.
والمعرض القديم كان يدعو العالم إلى مشاهدة الثقافة السعودية.
أما المملكة الحديثة فتدعو العالم إلى الاستثمار فيها، والسياحة فيها، وإقامة الفعاليات فيها، والتعاون معها، والمشاركة في مشروعاتها، والحوار معها.
من هنا، فإن قراءة عهد الملك سلمان لا ينبغي أن تختزل في عدد السنوات التي قضاها في الحكم، ولا في عدد المشروعات التي أطلقت خلال عهده، وإنما في التحول الذي حدث في موقع المملكة نفسها على الخريطة العالمية.
لقد انتقلت السعودية من دولة يكتشف العالم ثقلها بسبب النفط والحرمين، إلى دولة تعمل على بناء ثقل متعدد المصادر: ديني، وسياسي، واقتصادي، وثقافي، وإنساني، وسياحي، ورياضي، واستثماري وتكنولوجي.
وإذا كان الملك سلمان قد ورث دولة ذات مكانة استثنائية، فإن أحد أهم ما يميز عهده أنه عمل، مع مؤسسات الدولة وسمو ولي عهده الأمين، على تحويل هذه المكانة من رصيد تاريخي إلى مشروع مستقبلي.
لقد بدأت الحكاية بمعرض يحمل المملكة إلى عواصم العالم.
واليوم تستعد الرياض لاستقبال العالم في إكسبو 2030 .
وبين المعرضين، تغيرت السعودية، وتغيرت أدواتها، واتسعت طموحاتها، لكن الفكرة الأساسية بقيت حاضرة.
وهنا تحديداً يمكن فهم جانب من إرث خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز.
فهو لم يكن مجرد ملك جاء في مرحلة تحول.
بل كان، في مسار طويل بدأ قبل عقود، أحد الذين آمنوا بأن الدولة القوية ليست تلك التي تملك الإمكانات فقط، وإنما تلك التي تعرف كيف تقدم إمكاناتها، وتحول تاريخها إلى قوة، وثقافتها إلى جسر، واقتصادها إلى نفوذ، ومكانتها إلى تأثير.
ومن معرض متنقل في عواصم الدنيا إلى مملكة تستضيف العالم في الرياض، تبدو المسافة شاسعة. لكنها في الحقيقة أجمل قصة نجاح دولة رائدة بمكانة المملكة.
وهذه، في نهاية المطاف، ليست قصة معرض.
إنها قصة رؤية بدأت مبكراً، ونمت مع الرياض، واتسعت مع الدولة، وبلغت في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان مرحلة جديدة من تاريخ المملكة الحديث.