أنس تشكالا
هناك أشياء كثيرة في حياتنا لا نعرف قيمتها الحقيقية وهي بين أيدينا. نعتاد وجودها حتى تصبح جزءًا من المشهد اليومي، فنمر بها دون أن نتوقف، ونستخدمها دون أن نفكر في فضلها، ونظن في أعماقنا أنها ستبقى كما هي إلى الأبد. ثم يأتي الفقد، فيتغير كل شيء؛ نكتشف فجأة أن ما كنا نعدّه عاديًا كان في الحقيقة استثنائيًا، وأن النعمة التي لم نلتفت إليها كانت من أجمل ما نملك.
كثيرًا ما لا ننتبه إلى قيمة الأشخاص القريبين منا إلا عندما تغيب أصواتهم. كان حضورهم أمرًا مألوفًا، واتصالاتهم متكررة، ونصائحهم ربما بدت لنا أحيانًا طويلة أو مكررة. ثم يأتي يوم لا نجد فيه ذلك الصوت، ولا نستطيع أن نعيد تلك المكالمة، فنكتشف أن الأشياء التي كنا نريد أن تنتهي سريعًا كانت في الحقيقة لحظات نتمنى لو عادت.
وهذه إحدى المفارقات المؤلمة في الإنسان: أنه قد يعتاد النعمة حتى ينساها، ثم يتذكرها حين تصبح ذكرى.
نحن لا ننتبه إلى صحة أجسادنا إلا عندما يؤلمنا شيء، ولا نعرف قيمة الوقت إلا عندما يضيق، ولا نشعر بأهمية البيت الدافئ إلا عندما نضطر إلى الابتعاد عنه، ولا ندرك قيمة الصديق الصادق إلا عندما نبحث عن شخص يسمعنا فلا نجد.
وكأن الفقد لا يضيف قيمة إلى الأشياء، وإنما يرفع الغطاء الذي كان يحجب قيمتها عن أعيننا.
ولعل المشكلة ليست في قلة النعم، بل في كثرة الاعتياد. فما يتكرر أمامنا يفقد شيئًا من بريقه في أعيننا، حتى لو ظل محتفظًا بقيمته الحقيقية. الشمس تشرق كل يوم، والماء يصل إلى أيدينا بسهولة، والأهل حولنا، والقدرة على الحركة والعمل والتعلم متاحة لنا؛ لكن تكرار هذه النعم يجعلها تبدو وكأنها حق مكتسب، لا هبة تستحق الشكر.
ومن هنا يصبح الاعتياد سلاحًا ذا حدين؛ فهو يساعدنا على الاستقرار، لكنه قد يسلبنا دهشة الأشياء. وقد أشارت كتابات معاصرة عن الامتنان إلى أن الإنسان كثيرًا ما يبدأ في تقدير الأمور البسيطة بعد أن يفقدها أو يواجه عجزًا عن الوصول إليها.
والأصعب من فقد الأشياء المادية هو فقد الأشخاص. فالأشياء يمكن أن تُشترى أو تُستبدل في كثير من الأحيان، أما الإنسان فلا نسخة أخرى منه.
قد نجد هاتفًا جديدًا إذا تعطل القديم، ونشتري كتابًا آخر إذا ضاع الأول، ونستبدل منزلًا بآخر، لكننا لا نستطيع أن نستبدل أبًا، أو أمًا، أو صديقًا، أو معلمًا ترك في حياتنا أثرًا لا يتكرر.
ولهذا فإن بعض الاعتذارات تأتي متأخرة، وبعض كلمات الشكر لا تجد من يسمعها، وبعض الهدايا تفقد معناها لأنها وصلت بعد أن غاب صاحبها.
وقد كتبت «الجزيرة» سابقًا عن أهمية إدراك قيمة الأشياء والأشخاص قبل فقدهم، لأن التقدير المتأخر لا يعيد دائمًا ما رحل.
وليس الفقد دائمًا موتًا. قد يكون الفقد ابتعادًا، أو تغيرًا، أو انتهاء علاقة، أو انتقالًا إلى مكان آخر، أو ضياع فرصة لم ندرك قيمتها إلا بعد أن أغلقت أبوابها.
وقد يفقد الإنسان جزءًا من حياته دون أن ينتبه إلى أنه يفقده؛ فالطفل يكبر، والصديق ينشغل، والوالدان يتقدمان في العمر، والسنوات تمضي، ثم نلتفت فجأة فنجد أن مرحلة كاملة أصبحت خلفنا.
كم من لحظة ظننا أنها عادية، ثم أصبحت بعد سنوات من أجمل ذكرياتنا! وكم من مكان مررنا به دون اهتمام، ثم عدنا إليه فلم نجده كما كان!
وكم من شخص كان قريبًا منا، ولم ندرك قيمة قربه إلا عندما أصبحت المسافة بيننا وبينه أكبر من أن تُقطع!
إن الإنسان كثيرًا ما يعيش اللحظة بعقل منشغل بما بعدها. يجلس مع أسرته ويفكر في العمل، ويعمل ويفكر في الإجازة، ويسافر ويفكر في العودة، وحين تعود الأيام إلى الوراء يكتشف أن جزءًا كبيرًا من حياته مرّ دون أن يكون حاضرًا فيه حقًا. وربما لهذا نحتاج إلى أن نتعلم فن التقدير قبل الفقد.
أن نشكر قبل أن نضطر إلى الندم، وأن نقول كلمة المحبة قبل أن يصبح قولها مستحيلًا، وأن نزور من نحب قبل أن تتحول الزيارة إلى أمنية، وأن نمنح من حولنا شيئًا من وقتنا قبل أن يصبح الوقت نفسه ذكرى.
إن قيمة الأشياء لا ينبغي أن تكون رهينة غيابها. فالزهرة لا تصبح جميلة بعد ذبولها، والصديق لا يصبح عزيزًا بعد رحيله، والوالدان لا تصبح بركتهما واضحة فقط عندما نفتقد وجودهما. القيمة موجودة وهي بين أيدينا، لكننا نحتاج إلى عين ترى وقلب يشعر.
ومن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان في حياته أن يتوقف أحيانًا عن سؤال: ماذا ينقصني؟ ويسأل بدلًا من ذلك: ماذا أملك الآن ولا أريد أن أكتشف قيمته بعد فوات الأوان؟
قد يكون الجواب شخصًا يجلس بجانبه، أو بيتًا يأويه، أو صحة تمنحه القدرة على الحركة، أو وقتًا يستطيع أن يستثمره، أو فرصة لا تزال مفتوحة أمامه. وعندما يتحول هذا السؤال إلى عادة، يصبح الإنسان أكثر امتنانًا وأقل انشغالًا بمطاردة ما ليس لديه.
ولا يعني ذلك أن نتوقف عن الطموح أو أن نرضى بكل شيء دون سعي. فالإنسان بطبيعته يتطلع إلى الأفضل، والطموح هو الذي يدفعه إلى البناء والتقدم. لكن المشكلة تبدأ حين يجعلنا البحث عن القادم غير قادرين على رؤية الموجود.
فقد نضيع سنوات في محاولة الوصول إلى حياة أفضل، ثم نكتشف أن جزءًا من الحياة التي كنا نبحث عنها كان موجودًا بالفعل، لكننا لم نكن نلتفت إليه.
وربما كان أجمل ما يعلمنا إياه الفقد أنه لا يغيّر دائمًا الأشياء، بل يغيّر نظرتنا إليها.
ما كان صغيرًا يكبر في أعيننا، وما كان عابرًا يصبح ذا معنى، وما كنا نظنه مضمونًا ندرك أنه كان هدية مؤقتة.
لكن الحكمة ليست أن ننتظر الفقد حتى نتعلم. الحكمة أن نتعلم قبل الفقد.
أن ننظر إلى الأشخاص الذين نحبهم اليوم كما سننظر إليهم لو غابوا غدًا، لا لنعيش في الخوف، وإنما لنعيش في الامتنان. وأن ننظر إلى صحتنا، وأوقاتنا، وأماكننا، وعلاقاتنا، وفرصنا، بعين تعرف أنها ليست مضمونة إلى الأبد.
فالحياة لا تمنحنا إشعارًا قبل أن تتغير بعض الأشياء. قد يأتي الفراق بلا موعد، وقد تنتهي فرصة في لحظة، وقد يتحول المألوف إلى ذكرى دون أن نستعد لذلك. ولهذا فإن أجمل وقت لتقدير النعمة هو قبل أن تصبح ذكرى.
وفي النهاية، ليست المشكلة أننا نفقد الأشياء، فالفقد جزء من طبيعة الحياة، وإنما المشكلة أن نعيش بينها دون أن نعرف قيمتها. فبعض الأشياء لا نحتاج إلى امتلاكها أكثر، بل إلى رؤيتها أكثر.
ربما لا نحتاج إلى حياة مختلفة، بقدر ما نحتاج إلى عين مختلفة تنظر إلى الحياة التي نعيشها.
فأعطِ من تحب كلمة جميلة اليوم، واشكر من كان إلى جانبك، واستمتع باللحظة التي بين يديك، وتأمل النعم التي اعتدت وجودها.
لأن أجمل طريقة لحفظ الأشياء ليست أن نمنعها من الرحيل، فهذا ليس بأيدينا، وإنما أن نمنحها قيمتها وهي لا تزال معنا.