د. عبدالمحسن الرحيمي
لطالما عُدت براءة الاختراع نهاية رحلة الابتكار؛ فهي الوثيقة التي تثبت ملكية الاكتشاف وتحميه حتى يصل إلى الأسواق. لكن العالم يقف اليوم أمام تحول قد يغيّر هذا المفهوم بصورة جذرية. فبراءة الاختراع لم تعد تُنظر إليها بوصفها أداة قانونية لحماية الابتكار فحسب، بل بدأت تتحول إلى أصل اقتصادي يمكن أن يسهم في تمويل الابتكار نفسه قبل أن يصل المنتج إلى المريض.
وتواجه صناعة الدواء أحد أكثر التحديات تعقيدًا بين القطاعات الاقتصادية. فمتوسط تطوير دواء جديد يستغرق ما بين عشر إلى خمس عشرة سنة، بينما تصل تكلفة تطوير الدواء الواحد في المتوسط إلى نحو 2.6 مليار دولار عند احتساب تكاليف البحث، والتجارب السريرية، ورأس المال، وفق تقديرات مركز تافتس لدراسة تطوير الأدوية. والأسوأ من ذلك أن نحو 12 في المائة فقط من الأدوية التي تدخل التجارب السريرية تنجح في الوصول إلى الأسواق، في حين لا يصل في النهاية سوى مركب واحد تقريبًا من بين كل عشرة آلاف مركب يُدرس في المختبرات. ولهذا لا تتوقف كثير من الابتكارات بسبب ضعفها العلمي، بل لأن رحلة التمويل تنتهي قبل أن تنتهي رحلة البحث.
ومن هنا بدأ العالم يبحث عن نماذج جديدة لا تقتصر على تمويل الشركات، بل تمتد إلى تمويل المعرفة نفسها. وفي هذا السياق برز مفهوم ترميز الملكية الفكرية بوصفه أحد التطبيقات الواعدة لتقنيات سلاسل الكتل، ويقوم على تمثيل الحقوق المرتبطة ببراءات الاختراع أو الأصول المعرفية في صورة أصول رقمية موثقة، يمكن أن تسهم في جذب المستثمرين، وتنظيم حقوقهم، وتوفير مصادر تمويل جديدة، مع المحافظة على الأنظمة التي تحمي الملكية الفكرية.
ولم يعد هذا التوجه مجرد تصور نظري. فقد بدأت منصات عالمية متخصصة، مثل منصة موليكيول، في تطوير نماذج لتمويل الأبحاث الدوائية عبر ترميز حقوق الملكية الفكرية، بما يسمح للباحثين وشركات التقنية الحيوية بالحصول على التمويل اللازم لاستكمال تطوير الأدوية، مع الاحتفاظ بحقوقهم العلمية وعدم الاضطرار إلى بيعها في مراحل مبكرة. ويعكس هذا التحول انتقالًا مهمًا من تمويل الشركات إلى تمويل المعرفة نفسها، ومن الاستثمار في المنتجات النهائية إلى الاستثمار في الإمكانات العلمية قبل تحولها إلى منتجات.
ولا تكمن أهمية هذا النموذج في توفير مصادر تمويل جديدة فحسب، بل في إعادة تعريف القيمة الاقتصادية للملكية الفكرية. فبراءة الاختراع لم تعد مجرد وثيقة تحفظ الحقوق، بل أصبحت أصلًا معرفيًا يمكن أن يولد قيمة اقتصادية، ويجذب الاستثمار، ويسرّع انتقال الابتكار من المختبر إلى التجارب السريرية، ثم إلى المرضى. وقد يكون هذا التحول بالغ الأهمية في قطاع التقنية الحيوية، حيث تمثل المعرفة والابتكار أهم الأصول التي تمتلكها الشركات الناشئة ومراكز الأبحاث.
ويكتسب هذا التحول أهمية أكبر مع النمو المتسارع للاستثمار العالمي في التقنية الحيوية. فقد تجاوزت استثمارات رأس المال الجريء في هذا القطاع عشرات المليارات من الدولارات خلال السنوات الأخيرة، ومع ذلك لا تزال فجوة التمويل في المراحل المتوسطة من تطوير الأدوية تمثل أحد أكبر أسباب تعثر الابتكارات الواعدة. ومن هنا قد يوفر ترميز الملكية الفكرية نموذجًا جديدًا يربط رأس المال مباشرة بالأصول العلمية، بدلًا من الاقتصار على تمويل الكيان التجاري، وهو ما قد يختصر الزمن بين الاكتشاف العلمي ووصول العلاج إلى المرضى.
ومن هنا يبرز سؤال إستراتيجي للمملكة العربية السعودية في ظل المبادرة الوطنية للتقنية الحيوية: هل يمكن أن يصبح ترميز الملكية الفكرية أحد الأدوات التي تدعم الابتكار الدوائي الوطني؟ فالمملكة تستثمر اليوم في البحث والتطوير، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والتقنية الحيوية، وتسعى إلى بناء منظومة وطنية متكاملة للابتكار. وإذا توافرت الأطر التنظيمية المناسبة، فقد يفتح هذا النموذج آفاقًا جديدة لتمويل الابتكارات الوطنية، وتمكين الجامعات، ومراكز الأبحاث، والشركات الناشئة من استكمال تطوير تقنياتها دون فقدان السيطرة على أصولها الفكرية.
ولا يقتصر أثر هذا التحول على القطاع الدوائي وحده، بل يمتد إلى الجامعات، ومكاتب نقل التقنية، وحاضنات الأعمال، وصناديق الاستثمار، التي قد تجد في ترميز الملكية الفكرية وسيلة جديدة لربط المعرفة برأس المال، وتحويل الاكتشافات العلمية إلى مشروعات اقتصادية قابلة للنمو. وعندها تصبح براءة الاختراع نقطة انطلاق للاستثمار، لا مجرد وثيقة تحفظ الحقوق.
وإذا كان القرن الماضي قد منح براءة الاختراع دورها القانوني في حماية الاكتشافات، فقد يشهد القرن الحادي والعشرون دورًا اقتصاديًا جديدًا لها، يجعلها أصلًا معرفيًا قادرًا على تمويل الابتكار قبل أن يتحول إلى دواء. وعندها لن يكون السؤال الأهم: كيف نحمي الابتكار؟ بل: كيف نجعل الابتكار قادرًا على تمويل رحلته من المختبر إلى المريض؟
وربما لا تكون الثورة القادمة في صناعة الدواء هي اكتشاف علاج جديد فحسب، بل اكتشاف نموذج اقتصادي جديد يجعل المعرفة نفسها أصلًا قابلًا للاستثمار والتمويل. وعندها لن تتحدد قيمة براءة الاختراع بما تحميه من حقوق فقط، بل بما تتيحه من فرص لتسريع وصول الابتكار إلى المرضى، وتعزيز الاقتصادات القائمة على المعرفة، وترسيخ مكانة الدول التي تنجح في تحويل البحث العلمي إلى قيمة اقتصادية مستدامة.