صبحي شبانة
لم تكن الستون يومًا التي حددتها مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية مجرد مهلة لوقف إطلاق النار، بقدر ما كانت اختبارًا لقدرة الطرفين على تحويل نتائج الحرب إلى تسوية قابلة للحياة، فقد وضعت المذكرة ملفات شديدة التعقيد على طاولة التفاوض، من البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين إلى العقوبات وحرية الملاحة في مضيق هرمز، بما يعني أن الهدنة لم تكن نهاية للصراع، وإنما محاولة لنقله من ميدان المعركة إلى التفاوض، ومع انتهاء المدة، تدخل المنطقة مرحلة أكثر حساسية، لأن السؤال لم يعد ما إذا كانت الحرب ستعود، وإنما على أي صورة، وفي أي توقيت، وبأي كلفة.
لقد انتهت الستون يومًا من دون أن يتمكن أي طرف من إعلان انتصار كامل، وهذه ربما تكون أهم حقيقة إستراتيجية في موازين الصراع الراهنة، فالولايات المتحدة أثبتت تفوقها العسكري وقدرتها على ضرب العمق الإيراني، لكنها لم تتمكن من تحقيق استسلام سياسي أو تقليص قدرة إيران على التأثير في معادلات الإقليم، بينما نجحت طهران في امتصاص الضربة والحفاظ على قدرتها على الرد والتأثير، وأثبتت أن امتلاك الجغرافيا لا يقل أهمية عن امتلاك السلاح، أما إسرائيل التي دخلت الحرب وهي تراهن على إعادة تشكيل المعادلات الإستراتيجية المحيطة بها، فقد اكتشفت أن إضعاف إيران لا يعني بالضرورة إنهاء التهديد الإيراني، وأن القوة العسكرية تستطيع تغيير ميزان القوة مؤقتًا، لكنها لا تستطيع وحدها إعادة هندسة الإقليم.
ولهذا فإن انتهاء الهدنة قد يفتح مرحلة مختلفة، تتحول فيها الحرب المباشرة إلى صراع على الوقت والاقتصاد والممرات البحرية وقدرة كل طرف على تحمل الضغوط، فالولايات المتحدة وإيران وإسرائيل لا تتحرك وفق الحسابات العسكرية وحدها، وإنما تحت ضغط استحقاقين انتخابيين متقاربين، الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر، وانتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأميركي في نوفمبر، وهو ما يجعل الأسابيع المقبلة اختبارًا لقدرة كل طرف على تحسين موقعه قبل أن تفرض السياسة الداخلية قيودها على القرار العسكري،
وتبدو إيران أكثر الأطراف استفادة من عامل الزمن، لأن الوقت بالنسبة إليها أداة تفاوض وليست مجرد فترة انتظار، فكل يوم يمر من دون اتفاق نهائي يمنح طهران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها، وإعادة بناء ما تضرر من قدراتها، وإبقاء خصومها أمام تكلفة اقتصادية وسياسية متزايدة، وهي تدرك أن واشنطن تخوض المواجهة داخل اقتصاد عالمي وأسواق طاقة وبيئة انتخابية أميركية، ولذلك فإن إطالة الأزمة يمكن أن تتحول إلى وسيلة ضغط في حد ذاتها، وتشير تحليلات متزايدة إلى أن طهران قد تستفيد من إطالة المفاوضات لإبقاء الإدارة الأميركية تحت ضغط سياسي حتى انتخابات نوفمبر.
وفي هذا السياق يصبح مضيق هرمز إحدى أهم أوراق التفاوض الإيرانية، فالمضيق لم يعد مجرد ممر مائي تتحكم فيه الجغرافيا الإيرانية، وإنما تحول إلى أداة لإعادة تعريف ميزان القوة، ولا تحتاج طهران بالضرورة إلى إغلاقه بصورة كاملة، إذ يكفي أن تجعل المرور فيه محفوفًا بالمخاطر، وأن ترفع تكاليف التأمين والشحن، وأن تدفع شركات النقل إلى تغيير مساراتها، بما يبقي أسواق الطاقة العالمية تحت ضغط احتمال اضطراب الإمدادات، وهنا تكمن المفارقة، فهرمز الذي كان في السابق ورقة يمكن استخدامها في حال اندلاع الحرب، أصبح جزءًا من شروط إنهائها، فحرية الملاحة لم تعد قضية بحرية منفصلة عن التفاوض، وإنما أصبحت واحدة من أدوات الضغط المتبادلة بين واشنطن وطهران، ومن يملك القدرة على تهديد حركة الملاحة يمتلك ورقة مؤثرة في الاقتصاد العالمي، لكنه في الوقت نفسه يخاطر بتحويل هذه الورقة إلى سبب لتدخل عسكري أوسع.
ومن هرمز يمتد الصراع إلى باب المندب، الذي يمثل البوابة المقابلة للتجارة والطاقة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس، ولذلك فإن التوتر في البحر الأحمر ليس جبهة منفصلة عن الأزمة الإيرانية ـ الأميركية، وإنما امتداد جغرافي لها، فإمكانية استخدام باب المندب للضغط على حركة التجارة العالمية تفتح أمام إيران وحلفائها مساحة إضافية للتأثير، لكنها في المقابل تضع السعودية ومصر ودول الخليج أمام معادلة أمنية جديدة، يصبح فيها أمن الخليج والبحر الأحمر وقناة السويس أجزاء من منظومة واحدة، وهذا التطور يعيد تعريف أهمية الجغرافيا في الصراع، فهرمز يتحكم في المدخل البحري للخليج، وباب المندب يتحكم في أحد أهم الممرات بين آسيا وأوروبا، وأي اضطراب في أحدهما يمكن أن يرفع كلفة المرور في الآخر، ومن ثم فإن المعركة لم تعد محصورة في الصواريخ والمنشآت العسكرية، وإنما أصبحت أيضًا معركة على خطوط التجارة والطاقة وقدرة الاقتصاد العالمي على تحمل الاضطراب.
وفي خضم هذه الحسابات تأتي الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر، فنتنياهو يحتاج إلى دخول الانتخابات وهو قادر على تقديم الحرب باعتبارها إنجازًا أعاد لإسرائيل جزءًا من قدرتها على الردع، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع تحمل حرب مفتوحة وطويلة تستنزف المجتمع والاقتصاد وتفتح جبهات متعددة، ولذلك قد يكون الخيار الإسرائيلي الأكثر ترجيحًا هو الإبقاء على مستوى من الضغط العسكري والأمني، من دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة، عبر ضربات محدودة وعمليات نوعية واستخبارية وسيبرانية تحقق أثرًا سياسيًا وعسكريًا من دون تحمل تكلفة حرب طويلة.
لكن الانتخابات قد تعمل في الاتجاه المعاكس أيضًا، فإذا رأت القيادة الإسرائيلية أن الوقت المتاح أمامها لتحسين شروطها قبل الانتخابات بات محدودًا، فقد تتحول الرغبة في تحقيق إنجاز إستراتيجي إلى عامل يدفع نحو التصعيد، وفي المقابل قد ترفع إيران سقف ردعها إذا اعتقدت أن إسرائيل تسعى إلى تحقيق مكسب انتخابي، لتمنع تحويل الحرب إلى ورقة سياسية داخلية، وهكذا تصبح الانتخابات عاملًا يمكن أن يكبح الحرب، لكنه قد يدفع إليها إذا أخطأ أحد الأطراف في تقدير حسابات الآخر، أما في واشنطن فالمعادلة أكثر حساسية لأن انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر تفرض على الرئيس دونالد ترامب حسابات مختلفة، فالإدارة الأميركية تستطيع تحويل نجاح عسكري محدود إلى مكسب سياسي، أكثر مما تستطيع تحمل حرب طويلة ترفع أسعار الطاقة وتزيد تكلفة المعيشة وتمنح خصومها مادة انتخابية، ولهذا فإن مصلحة ترامب تميل إلى تحقيق نتيجة سياسية يمكن تقديمها للناخب الأميركي باعتبارها ثمرة للقوة العسكرية، ثم الانتقال إلى تسوية تحد من تكلفة الحرب.
وهنا يبرز اختلاف مهم بين الحسابين الأميركي والإسرائيلي، فنتنياهو يحتاج إلى إنجاز أمني قبل 27 أكتوبر، بينما يحتاج ترامب إلى احتواء تكلفة الحرب قبل نوفمبر، وقد يلتقي الرجلان في دعم الضغط على إيران، لكنهما قد يختلفان حول اللحظة التي يجب أن يتحول فيها الضغط إلى تفاوض، وما يراه نتنياهو فرصة لتعزيز الردع قد يراه ترامب مخاطرة انتخابية، وما يراه ترامب فرصة لاتفاق قد يراه نتنياهو تنازلًا يبدد المكاسب العسكرية، وتستطيع إيران استثمار هذا الفاصل الزمني بين الاستحقاقين، فكلما اقتربت الانتخابات الإسرائيلية ازدادت حساسية نتنياهو تجاه أي تطور أمني، وكلما اقتربت انتخابات الكونجرس ازدادت حساسية ترامب تجاه أسعار الطاقة وكلفة الحرب، ولذلك قد تراهن طهران على إطالة التفاوض وتحسين شروطها بدلًا من الاستعجال في تقديم اتفاق نهائي، إنها لا تحتاج إلى الحرب بالضرورة، وإنما تحتاج إلى إبقاء خصومها تحت ضغط يجعل الزمن جزءًا من ميزان القوة.
ومن هنا يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسة، الأول، تمديد الهدنة أو التوصل إلى اتفاق مرحلي يبقي الملفات الكبرى مفتوحة أمام التفاوض، وهو المسار الأكثر انسجامًا مع رغبة واشنطن في تجنب حرب طويلة، ومع حاجة إيران إلى الوقت، ومع مصلحة إسرائيل في عدم خوض حرب إقليمية مفتوحة قبل الانتخابات، والثاني، تصعيد محدود يترافق مع استمرار المفاوضات، بحيث تستخدم الأطراف الضربات النوعية والعمليات غير المباشرة لتحسين شروطها من دون العودة إلى الحرب الشاملة، وهذا المسار يبدو أكثر خطورة من الهدنة المستقرة لأنه يبقي المنطقة في حالة توتر دائم ويجعل أي حادث في الخليج أو البحر الأحمر قابلًا للتحول إلى مواجهة أوسع، أما المسار الثالث فهو انهيار التفاهم والعودة إلى الحرب المفتوحة، وفي هذه الحالة لن تبقى المواجهة محصورة في إيران وإسرائيل، وإنما يمكن أن تمتد إلى مضيق هرمز وباب المندب والقواعد الأميركية والمنشآت النفطية وشبكات الملاحة، بما يحول الصراع من مواجهة إقليمية إلى أزمة عالمية في الطاقة والتجارة.
وفي قلب هذه المعادلات تتحرك السعودية من موقع مختلف، فهي ليست مجرد دولة تراقب الحرب من الخارج، وإنما دولة تقع في قلب الجغرافيا التي تتقاطع عندها مصادر الطاقة والممرات البحرية والتهديدات الصاروخية، ولهذا فإن حماية حرية الملاحة وبناء منظومة أمن بحري إقليمية يكتسبان أهمية متزايدة، لأن أمن الخليج لم يعد منفصلًا عن أمن البحر الأحمر، وأمن البحر الأحمر لم يعد منفصلًا عن أمن قناة السويس، وتملك السعودية في هذه المعادلة ميزة إستراتيجية إضافية تتمثل في قدرتها على استخدام بنيتها النفطية ومسارات التصدير عبر البحر الأحمر لتخفيف بعض آثار اضطراب هرمز، بما يجعل الجغرافيا السعودية جزءًا من معادلة إدارة الأزمة، لا مجرد ساحة لتداعياتها، ومن هنا يتجاوز الدور السعودي مفهوم حماية الحدود إلى الإسهام في إعادة تعريف الأمن الإقليمي على أساس حماية الممرات ومنع تحويلها إلى أدوات للصراع.
وفي المحصلة، فإن انتهاء الستين يومًا لا يعني بالضرورة عودة الحرب، كما لا يعني انتهاء الأزمة، فالمنطقة تدخل مرحلة صراع على الزمن، يحاول فيها كل طرف الوصول إلى الانتخابات المقبلة بأكبر قدر من أوراق القوة وأقل قدر من الأعباء، لكن الخطر يكمن في أن تتحول الحسابات الانتخابية إلى محفز للتصعيد بدلًا من أن تكون عاملًا لكبحه، نتنياهو يحتاج إلى إنجاز قبل 27 أكتوبر، وترامب يحتاج إلى نتيجة سياسية قبل نوفمبر، بينما تراهن إيران على أن يمنحها الانتظار شروطًا أفضل في التفاوض، وبين هذه الحسابات يبقى هرمز وباب المندب أكثر من مجرد ممرين بحريين، إنهما جزء من ميزان القوة نفسه، ومن يملك القدرة على تأمينهما أو تعطيلهما يمتلك ورقة مؤثرة في تحديد شكل التسوية المقبلة.
لذلك فإن المعركة القادمة لن تكون بالضرورة حربًا تقليدية بين إيران وأميركا، وإنما صراع على من يفرض قواعد المرحلة التالية، ومن يستطيع تحويل القوة العسكرية إلى مكسب سياسي، ومن يملك القدرة على إدارة الوقت قبل أن تفرض الانتخابات إيقاعها على القرار، وفي هذه اللحظة تحديدًا تصبح الدبلوماسية سباقًا مع الزمن، لأن أي خطأ في الحساب قد يحول الهدنة المؤقتة إلى حرب جديدة، وقد يحول الانتخابات التي يفترض أن تؤجل المواجهة إلى عامل يعجل بها.