عباس قاسم الملاحي
في أقل من عامين، انتقل الذكاء الاصطناعي من كونه موضوعًا يتداوله المتخصصون في التقنية إلى حاضر يومي يلمسه الطالب في واجباته، والمعلم في تحضير درسه، والموظف في تقريره، ورائد الأعمال في مشروعه، والمدير في قراراته.
وبينما ينظر البعض إلى هذه الموجة بوصفها واحدة من أكبر فرص التقدم التي عرفها الإنسان، ينظر إليها آخرون بقلق: ماذا سيحدث للوظائف؟ هل ستتراجع قيمة الخبرة البشرية؟ هل يمكن الوثوق بما تنتجه الآلة؟ ومن يضمن ألا يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة تخدم الإنسان إلى قوة يصعب التحكم فيها؟
في السعودية، تكتسب هذه الأسئلة أهمية مضاعفة. فالمملكة لا تقف على هامش التحول، بل تسعى إلى أن تكون في مقدمته، ضمن مشروع واسع لبناء اقتصاد رقمي وتعزيز مكانة البيانات والذكاء الاصطناعي في التنمية الوطنية. ومع إعلان عام 2026 «عام الذكاء الاصطناعي»، أصبح النقاش أكثر إلحاحًا: كيف نضمن أن نكون مستعدين لعصر الذكاء الاصطناعي، لا مجرد مستخدمين لأدواته؟
الخوف مفهوم.. لكن الخوف وحده لا يصنع المستقبل
كل تقنية كبيرة في تاريخ البشرية أثارت قدرًا من الخوف عندما دخلت الآلات المصانع، خشي العمال من فقدان وظائفهم. وعندما ظهر الحاسب، اعتقد البعض أنه سيحل محل الموظف. وعندما انتشر الإنترنت، بدا للبعض أنه سيقضي على كثير من المهن التقليدية.
لكن التاريخ يوضح لنا شيئًا مهمًا: التقنية لا تغير الأدوات فقط، بل تعيد توزيع قيمة العمل.
وهذا ما يجعل الذكاء الاصطناعي مختلفًا ومثيرًا للقلق في الوقت نفسه.
فالآلة هذه المرة لا ترفع الأشياء فقط، ولا تجري الحسابات فقط، ولا تنفذ تعليمات محددة؛ بل تستطيع التعامل مع اللغة، وتحليل المعلومات، وكتابة النصوص، وإنشاء الصور، وتلخيص الوثائق، والمساعدة في البرمجة، واقتراح الحلول.
ولهذا فإن القلق من تأثيره على سوق العمل ليس وهمًا.
لكن المشكلة تبدأ عندما ننتقل من السؤال الواقعي:
«كيف ستتغير الوظائف؟»
إلى السؤال المبالغ فيه:
«هل سيصبح الإنسان بلا قيمة؟»
الفرق بين السؤالين هو الفرق بين الاستعداد للمستقبل والخوف منه.
المدرسة.. أول مكان ينبغي أن نتعلم فيه كيف نعيش مع الذكاء الاصطناعي
ربما يكون التعليم القطاع الأكثر حساسية لهذا التحول؛ لأن المدرسة لا تتعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي فقط، بل تتعامل مع الجيل الذي سيعيش معها طوال حياته المهنية.
الطالب اليوم يستطيع خلال ثوانٍ أن يطلب من أداة ذكية كتابة بحث، أو حل مسألة، أو تلخيص كتاب، أو إعداد عرض تقديمي.
وهنا تظهر مشكلة أكبر من «الغش».
إذا أصبح الطالب يعتمد على الآلة في التفكير بدلًا من أن يستخدمها لتوسيع تفكيره، فقد نكون أمام جيل يمتلك أدوات قوية، لكنه لم يتدرب بما يكفي على استخدامها بعقله.
ولهذا، فإن المعركة الحقيقية في التعليم ليست منع الذكاء الاصطناعي من الوصول إلى الطالب؛ فهذا أمر يكاد يكون مستحيلًا.
المعركة هي تعليم الطالب متى يستخدمه، وكيف يستخدمه، ومتى يشك في إجابته، ومتى يرفضها، وكيف يحولها إلى معرفة شخصية.
قد يطلب المعلم من الطالب مثلًا أن يستعين بأداة ذكاء اصطناعي لإنتاج إجابة عن قضية معينة، ثم يطلب منه اكتشاف الأخطاء فيها، ومقارنة المعلومات بالمصادر، وإعادة بناء الإجابة بأسلوبه.
هنا يتحول الذكاء الاصطناعي من «آلة تعطي الإجابات» إلى موضوع للتفكير والنقد والتحقق.
وهذا هو النوع من التعليم الذي يحتاجه المستقبل.
المعلم لن يختفي… لكن دوره سيتغير
في السنوات المقبلة قد يصبح إعداد بعض المواد التعليمية أسرع بكثير.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقترح أنشطة، ويولد أسئلة، ويبني نماذج أولية لخطط دراسية، ويساعد في تحليل نتائج الاختبارات.
لكن هناك شيئًا لا يمكن اختزاله في خوارزمية بسهولة: أن يعرف المعلم لماذا لم يفهم الطالب الدرس، وأن يلاحظ تغير سلوكه، وأن يدرك أن إجابة خاطئة ربما تخفي مشكلة أكبر، وأن يعرف كيف يحفز طالبًا فقد ثقته بنفسه.
التعليم ليس نقل معلومات فقط
وهنا يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي فرصة للمعلم، إذا ساعده على التخلص من بعض الأعمال المتكررة، ليتفرغ أكثر للعمل الإنساني والتربوي.
وقد أشار وزير التعليم يوسف البنيان إلى أهمية بناء القدرات البشرية والمؤسسية في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، في تأكيد يعكس أن الاستثمار في التقنية لا ينفصل عن الاستثمار في الإنسان.
المعادلة إذن ليست «ذكاء اصطناعي بدلًا من المعلم»، بل:
ذكاء اصطناعي يساعد المعلم + معلم يفهم الإنسان = تعليم أكثر قدرة على الاستجابة للمستقبل.
أما سوق العمل… فالقصة أكثر تعقيدًا من اختفاء الوظائف
من السهل أن نتصور المستقبل على هيئة روبوت يجلس مكان الموظف.
لكن التغيير الأكثر احتمالًا قد يحدث بطريقة أقل وضوحًا.
قد لا تختفي وظيفة الموظف، وإنما تختفي نسبة من المهام التي كان يؤديها.
الموظف الإداري الذي كان يقضي ساعات في ترتيب المعلومات قد يستخدم الذكاء الاصطناعي لإنجاز الجزء الأول من المهمة، ثم يتولى هو المراجعة والتحليل.
والموظف في خدمة العملاء قد لا يستبدل بالكامل، لكنه قد يعمل مع نظام ذكي يقترح الردود ويستخرج معلومات العميل، بينما يحتفظ الموظف بالمواقف التي تحتاج إلى تقدير إنساني.
والمهندس قد يستخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد تصورات وحلول أولية، ثم تأتي خبرته لتحديد ما هو قابل للتنفيذ.
لذلك، فإن الخطر الحقيقي ليس أن «تختفي كل الوظائف»، بل أن تتغير طبيعة الوظيفة أسرع من قدرة الإنسان على تطوير نفسه.
وهذه نقطة ينبغي أن تكون في قلب سياسات التدريب والتوظيف في المملكة.
الموظف السعودي أمام فرصة تاريخية
قد يبدو الحديث عن الذكاء الاصطناعي باعتباره خطرًا على الوظائف السعودية، لكن هناك وجهًا آخر للقصة.
المملكة لديها اقتصاد متنوع، ومشروعات ضخمة، وقطاعات جديدة، وقاعدة شابة، واستثمارات واسعة في التقنية والبيانات.
وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح أداة لخلق قيمة جديدة، لا مجرد وسيلة لتقليل عدد الموظفين.
في القطاع الصحي، يمكن أن يساعد في تحليل البيانات ودعم التشخيص.
وفي الصناعة، يمكن أن يرفع كفاءة الصيانة والإنتاج.
وفي الخدمات الحكومية، يمكن أن يساعد في تحليل الطلبات وتحسين تجربة المستفيد.
وفي التعليم، يمكن أن يدعم التخصيص والتقويم.
وفي الشركات الناشئة، يستطيع فريق صغير أن ينجز أعمالًا كانت تحتاج سابقًا إلى عدد أكبر من الموظفين والتخصصات.
لكن الاستفادة من هذه الفرصة تتطلب شيئًا أساسيًا: ألا نتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مشروع تقنية فقط.
إنه مشروع مهارات أيضًا.
الخطر الذي لا نتحدث عنه بما يكفي:
فجوة الذكاء الاصطناعي
ربما لا يكون أكبر خطر في المستقبل أن يستخدم الذكاء الاصطناعي على نحو سيئ فقط، بل أن تتسع الفجوة بين من يعرف استخدامه ومن لا يعرف.
تخيل موظفين متقاربين في العمر والمؤهل والخبرة.
الأول يعرف كيف يحلل البيانات باستخدام أدوات ذكية، ويختصر الوثائق، ويبني مسودات أولية، ويختبر الأفكار، ويتحقق من النتائج.
والثاني ما زال يؤدي كل هذه المهام بالطريقة نفسها التي كان يؤديها بها قبل خمس سنوات.
بعد عام أو عامين، قد لا يكون الفارق بينهما في «الذكاء»، ولا في الاجتهاد، ولا حتى في الخبرة.
الفارق سيكون في الأدوات التي يعرف كل منهما كيف يستخدمها.
وهنا تصبح مسؤولية المؤسسات كبيرة.
لا يكفي أن نطلب من الموظفين «تعلم الذكاء الاصطناعي». يجب أن نوفر لهم التدريب، والوقت للتجربة، والبيئات الآمنة، والسياسات الواضحة. وإلا فإن التقنية التي يفترض أن تقلل الفجوات قد تصبح سببًا في توسيعها.
وماذا عن الحقيقة وسط سيل من المحتوى المصطنع؟
هناك خوف آخر قد يكون أكثر خطورة من الوظائف.
إنه الخوف على الحقيقة نفسها
إذا أصبح بالإمكان إنتاج صورة مقنعة لشخص لم يقل شيئًا، أو مقطع صوتي يبدو حقيقيًا، أو مقطع فيديو لم يحدث، أو نص يبدو موثقًا وهو ليس كذلك، فإن المجتمع سيواجه تحديًا جديدًا:
لم يعد السؤال فقط: «هل المعلومة صحيحة؟»
بل أصبح: «كيف أعرف أنها صحيحة؟»
وهذا يفرض على التعليم والإعلام والأسرة والمؤسسات أن تعزز مهارة لم تعد ترفًا: التفكير النقدي والتحقق الرقمي.
الطالب الذي يتعلم كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي لإنتاج المحتوى يجب أن يتعلم في الوقت نفسه كيف يكتشف المحتوى المصطنع.
والمواطن الذي يستطيع إنتاج صورة أو مقطع بسهولة يجب أن يعرف أن سهولة الإنتاج لا تعني صحة المحتوى.
البيانات.. الثروة التي لا يجوز أن نتعامل معها باستخفاف
هناك جانب آخر من القصة يتعلق بالخصوصية. عندما يضع الموظف مستندًا داخليًا في أداة ذكاء اصطناعي، أو ينسخ بيانات طالب أو عميل، أو يشارك معلومات شخصية للحصول على إجابة أسرع، فهو لا يستخدم أداة تقنية فحسب؛ بل يتعامل مع بيانات لها قيمة ومسؤولية قانونية وأخلاقية.
ولهذا فإن ثقافة الذكاء الاصطناعي يجب أن تشمل سؤالًا بسيطًا قبل الضغط على زر الإرسال:
هل هذه المعلومة يجوز أن أضعها هنا؟
قد يبدو السؤال صغيرًا، لكنه سيكون من أهم أسئلة العمل في السنوات المقبلة.
لا نحتاج إلى مواطن يخاف من الذكاء الاصطناعي… ولا إلى مواطن يثق به ثقة عمياء
بين الخوف المبالغ فيه والثقة العمياء توجد المنطقة التي نحتاجها.
نحتاج إلى إنسان يعرف أن الذكاء الاصطناعي قوي، لكنه ليس معصومًا.
يعرف أنه سريع، لكنه قد يخطئ.
يعرف أنه قادر على إنتاج إجابات مذهلة، لكنه لا يتحمل المسؤولية بدلًا عنه.
وهذه الثقافة تبدأ من المدرسة، وتمتد إلى الجامعة، ثم إلى مكان العمل.
وقد يكون من المفيد أن ننتقل من مفهوم «دورات الذكاء الاصطناعي» إلى مفهوم أوسع: ثقافة الذكاء الاصطناعي.
أي أن يصبح الموظف قادرًا على فهم مخاطره وفرصه، والطالب قادرًا على التعامل معه بوعي، والمدير قادرًا على وضع سياسة لاستخدامه، والأسرة قادرة على فهم أثره على الأبناء.
كيف نستعد إذن؟
الاستعداد لا يعني أن نتنبأ بكل وظيفة ستظهر وكل وظيفة ستختفي. فهذا أمر لا يستطيع أحد ضمانه.
الاستعداد الحقيقي يبدأ من خمس خطوات واضحة:
أولًا: تعليم الإنسان قبل تعليم الأداة. نركز على التفكير، والقراءة، والتحليل، والإبداع، وحل المشكلات، ثم نضيف إليها أدوات الذكاء الاصطناعي.
ثانيًا: إعادة تصميم التدريب الوظيفي. بدلًا من دورات عامة، يتعلم الموظف كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي داخل مهامه الفعلية.
ثالثًا: حماية البيانات. يجب أن يعرف الجميع ما الذي يجوز مشاركته مع الأدوات الذكية وما الذي يجب أن يبقى داخل الأنظمة الآمنة.
رابعًا: بناء ثقافة التحقق. أي معلومة تنتجها الآلة قابلة للمراجعة، خصوصًا في القرارات الحساسة.
خامسًا: إبقاء الإنسان في دائرة القرار. كلما زادت حساسية القرار وتأثيره على حياة الإنسان، زادت الحاجة إلى حكم بشري واضح ومسؤول.
المستقبل ليس معركة بين الإنسان والآلة
ربما تكون الصورة الأكثر دقة للمستقبل ليست إنسانًا في جهة وروبوتًا في الجهة الأخرى.
بل إنسان يجلس أمام شاشة، وبجواره أدوات ذكية، ويحاول أن ينجز عمله بصورة أفضل.
السؤال الحاسم لن يكون: من الأذكى، الإنسان أم الآلة؟
بل: ماذا يستطيع الإنسان أن يفعل عندما يمتلك آلة ذكية؟
هنا تحديدًا تكمن الفرصة السعودية.
فإذا نجحنا في بناء منظومة تجعل الطالب يتعلم التفكير قبل استخدام الأداة، والمعلم يستخدمها لزيادة أثره، والموظف يستخدمها لرفع إنتاجيته، والمؤسسة تستخدمها لتحسين الخدمة، والدولة تضع لها الضوابط التي تحمي الإنسان والبيانات؛ فإن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحول من مصدر للقلق إلى رافعة جديدة للتنمية.
أما إذا اكتفينا بشراء الأدوات دون بناء الإنسان القادر على استخدامها، فسوف نمتلك تقنية متقدمة، لكننا لن نمتلك بالضرورة مجتمعًا مستعدًا لعصرها.
وهنا ربما تكمن الإجابة الأهم عن سؤال المستقبل:
لسنا بحاجة إلى أن نعرف كيف سيكون العالم بعد عشر سنوات؛ بقدر حاجتنا إلى أن نبني إنسانًا قادرًا على التكيف معه مهما تغير.
فالذكاء الاصطناعي قد يغير الوظائف، والتعليم، والإعلام، والاقتصاد.
لكن الشيء الذي سيحدد ما إذا كان هذا التغيير فرصة أم تهديدًا ليس الذكاء الاصطناعي وحده.
إنه الإنسان الذي يقف خلفه.