فائز بن سلمان الحمدي
ليس أخوف على القلب من ذنب لا يجيئه في هيئة الذنب؛ لا يقرع عليه بابًا، ولا يفزعه بوجه المعصية، وإنما يتسلل إليه خفيفًا كأنه لا شيء: صورة تمر، ونظرة تخطف، ولحظة تنقضي؛ ثم ينقضي زمنها ولا ينقضي أثرها، وتطبق العين جفنها وقد تركت وراءه في القلب شيئًا لم تطبق عليه. وههنا مكر الفتنة كله: تنتهي العين من الصورة، ولا تنتهي الصورة من العين.
تغيب عن الشاشة فتطلع من وراء الخيال، ويطفأ الهاتف ويبقى في النفس شيء مما أوقده، ويحسب المرء أنه رأى ثم مضى، وما يدري أن بعض ما رأى لم يمض؛ بل تخلف فيه، واختبأ في مطاوي نفسه، ينتظر ساعة غفلة أو وحشة خلوة، حتى إذا خلا القلب من شواغله خرج إليه ما خبأته العين، واستدعى بعضه بعضًا؛ فإذا النظرة التي لم تستغرق من العمر ثواني قد تستغرق من القلب أيامًا.
وما أعجب شأن الصورة مع النفس! تستأذن أولًا في موضع من العين، ثم تستوطن الخيال، ثم تستنزل الشهوة، ثم تستميل الإرادة؛ حتى يغدو الطارق صاحب دار، والضيف سيد منزل، والعابر الذي لم يكن له في القلب شيء يأمر فيه وينهى. ومن ههنا جاءت حكمة الشريعة؛ لا تنتظر الحريق حتى يستعر، بل تحرس موضع الشرارة، ولا تترقب السيل حتى يطغى، بل تسد مجراه من القطرة الأولى.
قال الله جل جلاله: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ}.
فبدأ بالبصر؛ لأن العين منفذ صغير إلى مملكة عظيمة، ورب سهم لم يسمع له صوت حين دخل، ثم ظل القلب يسمع وجعه طويلًا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا.. فالعينان زناهما النظر»؛ فالشرع لا يحرس الإنسان عند هاوية الفاحشة وحدها، وإنما يحرس خطواته إليها؛ لأن الكبائر لا تهبط على النفس دفعةً واحدة في صورتها المفزعة، بل تبدأ صغارًا تستأنس بها، ثم تتناقص هيبتها في القلب كلما تكررت مقدماتها، حتى يصير المستوحش مألوفًا، والمألوف محبوبًا، والمحبوب مطلوبًا.
ولذلك قال سبحانه: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}. وما أدق لفظ «الخطوات» في فضح طريقة العدو! لا يريك آخر الطريق وهو يستدرجك إلى أوله، ولا يقول لك: هلم إلى الهاوية؛ فإن النفس ربما نفرت، وإنما يقول: خطوة لا تضر. فإذا خطوت هون الثانية، فإذا ألفتها زين الثالثة، حتى تبلغ من الطريق موضعًا لو أراك إياه أول مرة لارتددت مذعورًا، ثم ها أنت فيه لا تكاد تستوحش.
ومن هنا تعلم أن حذف مشاهد الفتنة، وحجب حساباتها، وتنقية الهاتف من أبوابها، ليست أعمالًا صغيرة كما يصورها الهوى؛ بل هي عبادات السر، وحروب الخلوات، ومواطن الصدق التي لا يصفق فيها أحد لأحد.
لا يراك الناس وأنت تمحو صورة أحبتها نفسك، ولا يسمعون الخصومة الدائرة بين شهوتك وإيمانك، ولا يعلمون كم احتاج إغلاق نافذة صغيرة إلى مجاهدة كبيرة؛ ولكن الله يرى اليد حين تمتد ثم ترتد، والعين حين تدعوها الفتنة فتغض، والقلب حين يتألم من الترك ثم يختار ربه.
تمد يدك فتمحو صورة، ولست تمحو ألوانًا من شاشة؛ لعلك تمحو خاطرًا قبل أن يستحيل شهوة، وشهوةً قبل أن تستحيل عزمًا، وعزمًا قبل أن يستحيل فعلًا، وفعلًا قبل أن يستحيل حسرةً لا تستطيع محوها. وما أمكر النفس حين تقول: إنما هي نظرة!
نعم، هي نظرة؛ ولكن الشيطان لا يزن الأشياء بأحجامها حين تدخل القلب، وإنما بما ستصير إليه إذا استقرت فيه. وكم من قيد بدأ خيطًا رقيقًا، فما شعر الأسير برقته إلا يوم حاول النهوض فوجده سلسلة!
فلا تستصغر ما يدخل قلبك من عينيك؛ فإن القلب لا يبقى بعد كثرة النظر كما كان قبله. ما يتكرر عليه يصير مألوفه، ومألوفه يصنع ميله، وميله يستنبت إرادته، والإرادة إذا اشتدت استتبعت الجوارح. ولهذا لم يقل الله في غض البصر إنه أحوط لهم فحسب، وإنما قال: {أَزْكَى لَهُمْ}؛ فكأن وراء غض العين طهارة قلب، ووراء المنع نماء روح، ووراء هذه الـ«لا» التي تقولها لشهوتك «نعم» عظيمة تقولها لصفاء قلبك وحريته.
فالله حين نهاك لم يرد أن يضيق عليك الحياة، وإنما أراد أن يطهر فيك الموضع الذي به تحيا؛ إذ ليست كل لذة حياة، ولا كل حرمان موتًا، ورب شهوة أطعمتها الجسد فأفقرت الروح، ورب شهوة أمسكت عنها فأوجعت النفس ساعة ثم أورثت القلب عافيةً طويلة.
وللمجاهدة لذة لا يعرفها المستسلم؛ لذة أن تملك نفسك في اللحظة التي كادت تملكك، وأن تقول لها «لا» وهي تستصرخك بألف «نعم»، وأن تغلق الباب وأنت قادر على فتحه، وأن تنصرف عن الحرام ولا يحول بينك وبينه جدار ولا بشر، وإنما يحول بينك وبينه شيء لا تراه العيون: علمك بأن الله يراك. عندئذ يتغير معنى الترك كله؛ فلا يعود حرمانًا مما تشتهي، بل وفاءً لمن تحب، ولا يعود غض البصر نقصًا من لذتك، بل استردادًا لحريتك؛ فما كل من أطلق عينه رأى، ولا كل من غضها حرم؛ ورب عين أطلقتها الشهوة فأعمت القلب، ورب عين غضضتها لله فأبصر بها القلب ما لا تبصره العيون. قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}.
فيا لها من تجارة: شهوة تنطفئ ويبقى ثواب إطفائها، وصورة تزول ويبقى نور الإعراض عنها، ولذة تموت في دقائق ويبقى لك في صحيفة لا تبلى أنك كنت قادرًا فتركت، ومشتهيًا فامتنعت، ووحيدًا فاستحييت؛ وأنك قلت في ساعة لم يسمعك فيها أحد: يا رب، أنت أحب إلي.
فطهر عينك؛ فإن بعض ما تراه العين تدفع ثمنه الروح، وطهر خلوتك؛ فإن الذي سترك عن أبصار الخلق لم يحجبك عن بصره، والذي أغلق عليك باب حجرتك لم يغلق عنك باب السماء.
ولا تستصغر نظرة عابرة؛ فرب عابر في العين صار مقيمًا في القلب، ورب خاطر أكرمته لحظة أقام في النفس حتى صار إخراجه منها جهادًا.
وإذا هاجت الشهوة، واستبد الخاطر، وتزينت الصورة، ومد الشيطان بينك وبين الحرام جسور التمني؛ ثم امتدت يدك فتراجعت، وأقبلت عينك فانصرفت، ونازعتك نفسك فقلت كما قال يوسف عليه السلام: {مَعَاذَ اللّهِ}؛ فاعلم أنك في تلك اللحظة لا تفقد لذة، وإنما تسترد قلبك من سارقه.
هناك، في تلك الخلوة التي لا يشهد انتصارك فيها بشر، تقع من المعارك ما لو كٌشف للناس منها شيء لعلموا أن أشجع الانتصارات قد تقع بلا سيف، وأن أعظم الفتوحات قد تكون في قلب عبد أغلق بابًا إلى الحرام ولم يره أحد.
ولكن الله رآه. رأى اضطراب القلب، وثقل المجاهدة، وحرارة الشهوة، ثم رأى عبده يؤثره عليها؛ وما أجل أن يكون الله وحده شاهد انتصار لا يعلم به أحد سواه. {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}.
فأي خسارة بعد هذا لمن ترك؟ صورة ستبهت، وشهوة ستخمد، ولذة لو نالها لانقضت وبقي حسابها.
وأي ربح أعظم من قلب لم يسلمه صاحبه لعدوه، وخلوة خرج منها أطهر مما دخل، ونظرة قدر عليها فتركها لله فكانت في ميزانه يومًا أثقل مما حسب؟
إنما هي صورة تمحوها اليوم؛ ولكن لعلك تمحو معها ذنبًا لم يقع، وحسرة لم تولد، وظلمة لم تبلغ قلبك.
وإنما هي عين تغضها لحظة؛ ولكن لعل تلك اللحظة تكون في ميزان السماء أعظم من ساعات طويلة؛ لأن حقيقة الامتحان ليست في طول المعركة، وإنما في صدق القلب ساعة الاختيار. فامحها لله، واغضض لله، واترك لله؛ ثم لا تسأل ماذا فات عينك من الصورة، بل اسأل ماذا أنقذت منها. أنقذت قلبًا. قلبًا لم يخلق ليكون مستودعًا لصور فانية، ولا مقبرة لشهوات عابرة، وإنما خلق ليعرف الله، ويحبه، ويأنس به، ويسير إليه. فلا تبع مملكة بلحظة، ولا تجعل قلبًا خلق للسماء أسيرًا لصورة على شاشة، ولا تسلم خالد الأثر فيك لعابر لا يلبث أن يفنى. وما أغلقت عن الحرام نافذة إلا رجوت أن يفتح الله في قلبك نافذة إلى النور، وما غضضت عينك عنه إلا رجوت أن يهبك الله من البصيرة بقدر ما تركت من البصر؛ فإما صورة تعبر العين ثم تستعبد القلب، وإما عين تغضها لله فيتحرر القلب.
فإذا مد الشيطان يده إلى نافذة العين، فلا تنظر إلى صغر النافذة، ولكن انظر إلى عظمة ما وراءها؛ فإن المعركة لم تكن يومًا على صورة تراها ثم تزول، وإنما على القلب الذي ستترك الصورة فيه أثرها.
فاحرس الباب.
فإن العين باب، والقلب مملكة، والإيمان تاجها؛ والشيطان حين يستجدي منك نظرة لا يريد أن يسكن العين، ولا يعنيه أن تبقى الصورة في الشاشة أو تزول منها؛ إنما يريد أن تعبر منها إلى حيث لا ينبغي لها أن تبلغ.
يريد قلبك. فلا تمنحه بالنظرة مفتاحًا، ولا بالشهوة موطئًا، ولا بالتكرار سلطانًا.
فالشيطان لا يريد الصورة.. إنما يريد العرش.