أنور الدوامي
عندما يُذكر شارع التخصصي في الرياض عند متوسطي العمر وممن كان شباب في الثمانينات والتسعينات الميلادية اول ما يطري على البال، اليورومارشيه المركز التجاري القديم. ومستشفى الملك فيصل التخصصي وقليل من المطاعم والقهاوي.
سُمي الشارع بهذا الاسم نسبة إلى مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث الذي افتتح عام 1975م والذي يقع في بداية الشارع من الجهة الجنوبية وفي الجهة المقابلة له اول فرع للمطعم اللبناني العريق مطعم برج الحمام والذي افتتح عام 1979 والذي لازال قائما وبنفس جماله ونوعية أكله وطعمه (أكلت فيه بالتسعينات وأنا صغير وأكلت فيه من كم يوم وتخللها عدة مرات).
كان للشارع طابع مختلف، كما كانت اليورومارشيه من أبرز الأماكن التي يزورها الناس والذي حقق شهرة واسعة في تلك الحقبة حيث كان معلماً بارزاً في العاصمة. افتتحت اليورومارشيه عام 1981، في حي المعذر الشمالي تقاطع التخصصي مع العروبة وأصبحت جزءا من ذاكرة الرياض وأحد معالمها في ذلك الوقت، خصوصًا في وقت كانت فيه خيارات المطاعم والمقاهي والمجمعات والأنشطة محدودة جدا مقارنة بما نراه اليوم.
كان شارع التخصصي الأكثر حيوية والوجهة الأشهر لشباب وبنات الرياض لتغيير الجو والتمشية وقضاء وقت الفراغ مع الأصدقاء والاستعراض ببراندات السيارات والاحتفالات المتواضعة وكان يعتبر متنفسا رئيسيا لأهل الرياض.
لكن العيال كبرت والرياض كبرت، وتغيّرت، وتزينت وأصبحت عاصمة النور والتنوير ومقصد سياحي وسياسي واقتصادي وكذا شارع التخصصي.
عند مرورك اليوم بالتخصصي، تستغرب من كمية الخيارات الموجودة على امتداد الشارع وما حوله. تجد الشركات العالمية ومطاعم من مختلف الأقاليم بالعالم ومطابخ محلية وعالمية، كافيهات، مجمعات، أماكن ترفيه، أنشطة رياضية، تجمعات شبابية، وفعاليات مختلفة، حتى أصبحت بعض الأماكن مقصدًا بحد ذاتها، وليست مجرد محطة تمر عليها وأنت باتجاهك لمكان آخر. (ولا يهون طبعا شارع التحلية والعليا العام وتركي الأول وغيره العديد حاليا)..أصبح الشارع أشبه بمكان يجمع أكثر من حياة في مكان واحد.
تشوف الدبابات بأنواعها وقروبات الهارليات، وتشوف استعراض السيارات الحديثة والكلاسيكية منها اللي تعطي الشارع نكهة مختلفة، وتشوف ناس من مختلف جنسيات العالم جايين للمطاعم، وناس للقهوة، وناس للتمشية، وناس فقط يبي يشوف وش السالفة.
وهنا أتذكر التخصصي زمان، وأقول كيف تغيّر المكان؟
زمان كان الشارع معروفًا ومزدحمًا بنشاط معين، واليوم أصبح فيه مئات الخيارات والبدائل. حتى بعض الأماكن التي كانت تعتبر وجهة رئيسية في وقتها، أصبحت اليوم واحدة من خيارات كثيرة جدًا.
والجميل أن هذا التغيير لم يأت من فراغ، فخلفه بيئة خصبة للتجارة وقوانين طُوعِت لحماية التُجّار والمستثمرين ودعم الفرصة والتي جعلت من التجار الدخول وفتح مطاعم ومقاهي ومجمعات وأنشطة، وكل تاجر منهم أضاف شيئًا للمكان. بعضهم نجح، وبعضهم اختفى، وجاء غيره، وهكذا تستمر دورة الحياة التجارية.
وهذا في رأيي أحد أسرار الرياض اليوم، التاجر إذا رأى فرصة، والمستثمر إذا وجد البيئة المناسبة، والناس إذا وجدت خيارات تحبها، المكان كله يتحرك.
أما في الويكند.. فحكاية ثانية! فالتخصصي في نهاية الأسبوع له شخصية مختلفة تمامًا. وأحيانًا تحس أن نصف الرياض قرر يمر من نفس الشارع في نفس الوقت. لكن الغريب أن على زحمته.. ينحب، يمكن لأن التخصصي أصبح أكثر من شارع ومكانًا ترى فيه الرياض وهي تتحرك
وأحيانًا من شدة الزحمة ترى حادث كفانا الله وإياكم الشر ثم تتساءل، كيف وقع الحادث وسط هذه الكثافة؟ وما السر في سرعة عمل اللازم من المرور والشرطة والانتهاء من الاجراءات ونقل السيارات ورجوع الطريق كما كان بسرعة تُبهر.
وهنا لا بد من الإشارة إلى جهود مرور وشرطة منطقة الرياض في التعامل مع هذه الكثافة، وتنظيم الحركة، والتعامل مع البلاغات والحوادث، خصوصًا في أوقات الذروة ونهاية الأسبوع. ومع حجم الحركة التي يشهدها الشارع اليوم، تصبح المحافظة على انسيابية المرور والسلامة مسؤولية ليست سهلة. فشكرا لمرور وشرطة الرياض ممثلة بامارة منطقة الرياض والجهات الأخرى المسؤولة.
قصة التخصصي ليست قصة شارع تغيّر فقط، بل قصة مدينة تغيّرت معه، من شارع كانت اليورومارشيه واحدة من أبرز محطاته، إلى شارع تتوزع فيه اليوم عشرات الأنشطة والوجهات والتجارب.
وهذه هي الرياض التي نراها اليوم؛ مدينة تتغير بسرعة، وكلما ظننت أن مكانًا وصل إلى أقصى ما يمكن أن يقدمه، يظهر مستثمر جديد، أو فكرة جديدة، أو نشاط جديد، ويعطيه حياة مختلفة وطابع ولون مختلف.
نراكم هذا الويكند في شارع التخصصي لتجديد العهد والاستمتاع ولا تنسوا الاستماع الى أغنية الجميل محمد عبده «ليالي نجد ما مثلك ليالي».