د. عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز الفاضل
حين يتحول التمويل إلى وسيلة لتمكين الإنسان، ودعم الأسرة، وتحفيز العمل والإنتاج، فإنه يصبح استثمارًا في مستقبل الوطن، قبل أن يكون مجرد خدمة مالية.
وفي هذا السياق، يواصل بنك التنمية الاجتماعية أداء رسالته التنموية بوصفه أحد الممكنات الوطنية المهمة التي أسهمت في دعم الشباب والشابات، وتمويل الأسر، وتشجيع العمل الحر وريادة الأعمال، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر.
وقد نجح البنك خلال السنوات الماضية في بناء تجربة تنموية تجمع بين التمويل الميسر، وتنوع المنتجات، وتطوير الخدمات، والاستفادة من التحول الرقمي؛ فأصبحت برامجه وسيلة لتمكين شرائح واسعة من المواطنين، ومساندتهم في مراحل مختلفة من حياتهم الاجتماعية والاقتصادية.
غير أن نجاح أي مؤسسة تنموية لا يقاس فقط بحجم ما تقدمه من خدمات، وإنما كذلك بقدرتها على مراجعة أدواتها وتطوير معاييرها بما يواكب احتياجات المجتمع ومتغيراته.
ومن هنا يبرز سؤال يستحق النقاش: هل يكفي مستوى الدخل وحده لتحديد أهلية المستفيد، أم أن العدالة في التمويل تستدعي النظر أيضًا إلى قدرته المالية الفعلية، والتزاماته الأسرية والمعيشية، ومدى حاجته إلى التمويل؟
إن طرح هذا السؤال لا ينتقص من نجاح بنك التنمية الاجتماعية، ولا يعني التوسع غير المنضبط في التمويل، وإنما ينطلق من الرغبة في تعظيم أثر تجربة ناجحة، والوصول إلى معايير أكثر دقة ومرونة في تقييم الحاجة والقدرة على السداد.
تمكين الإنسان.. جوهر رسالة البنك:
لم تقتصر رسالة بنك التنمية الاجتماعية على تقديم التمويل بوصفه خدمة مالية، بل اتجهت إلى توظيفه أداةً للتمكين، ودعم الاستقرار الاجتماعي، وتحفيز العمل والإنتاج، ومن خلال تنوع برامجه، استطاع البنك أن يخدم احتياجات متعددة لدى المواطنين، من دعم الأسرة وتمويل الزواج، إلى مساندة العمل الحر وريادة الأعمال والمشروعات الناشئة.
وتكمن أهمية هذه التجربة في أن التمويل حين يرتبط باحتياج حقيقي، ويُقدَّم ضمن إطار منظم يراعي قدرة المستفيد على السداد، فإنه يتحول من مساعدة مالية مؤقتة إلى وسيلة تساعد الإنسان على تجاوز مرحلة، أو تأسيس مشروع، أو تحسين وضع أسري، أو الانتقال إلى قدر أكبر من الاستقلال الاقتصادي.
كما أسهم التطور التقني في تحسين تجربة المستفيد، من خلال تسهيل الوصول إلى الخدمات التمويلية وإنجاز الإجراءات إلكترونيًا، بما يعزز كفاءة الأداء ويوسع نطاق الوصول إلى برامج البنك.
هل يكفي الحد الأعلى للراتب وحده لتحديد أهلية المستفيد؟
لا يختلف اثنان على أن وضع حد أعلى للدخل عند تحديد أهلية بعض المنتجات التمويلية يهدف إلى توجيه الموارد نحو الفئات الأكثر حاجة، وتحقيق قدر من العدالة وكفاءة توزيع التمويل. غير أن اختلاف الظروف المالية والمعيشية بين الأفراد يطرح سؤالًا جديرًا بالدراسة: هل يكفي مستوى الدخل وحده للحكم على قدرة المواطن على الاستفادة من التمويل؟
فالراتب الشهري، على أهميته، لا يعكس دائمًا القدرة المالية الفعلية للمستفيد؛ إذ قد تتفاوت الالتزامات الأسرية والمعيشية والتمويلية تفاوتًا كبيرًا بين من يتساوون في مستوى الدخل. وقد يكون لدى أحدهم عدد أكبر من المعالين، أو التزامات تمويلية قائمة، أو نفقات أساسية مرتفعة، بما يجعل قدرته الفعلية على الوفاء باحتياجاته مختلفة عن غيره.
وتظهر هذه المسألة بصورة أوضح لدى بعض الفئات التي يتجاوز دخلها الحد المحدد للاستفادة من بعض المنتجات، مع استمرار وجود التزامات أسرية أو مالية تجعل حاجتها إلى التمويل الميسر قائمة. ويأتي المتقاعدون مثالًا جديرًا بالتأمل؛ فقد يكون لدى المتقاعد دخل ثابت، لكنه يتحمل في الوقت نفسه مسؤوليات أسرية أو التزامات مالية مستمرة، ولا يعني تجاوز دخله حدًا معينًا بالضرورة انتفاء حاجته إلى تمويل ميسر.
وعليه، فالمقصود ليس إلغاء حدود الدخل أو التوسع في منح التمويل دون ضوابط، وإنما دراسة مدى كفاية هذا المعيار وحده، وإمكان استكماله بمؤشرات أكثر تعبيرًا عن الوضع المالي الفعلي للمستفيد؛ كحجم الالتزامات القائمة، وعدد أفراد الأسرة، والنفقات الأساسية، والقدرة الفعلية على السداد.
وهذا التوجه لا يتعارض مع كفاءة إدارة الموارد، بل قد يعززها؛ فكلما كانت معايير الاستحقاق أكثر قدرة على قراءة الواقع المالي للمستفيد، أمكن توجيه التمويل إلى الحالات التي تحقق فيها الخدمة أثرًا تنمويًا واجتماعيًا أكبر.
نحو معايير أكثر عدالة ومرونة
إن تطوير ضوابط الاستحقاق لا يعني التوسع في منح التمويل أو الإخلال بمبادئ العدالة في توزيع الموارد، وإنما البحث عن معايير أكثر دقة ومرونة في تقييم الحالة المالية للمستفيد.
ويمكن استكمال معيار الدخل بمؤشرات أخرى، مثل الالتزامات التمويلية القائمة، وعدد أفراد الأسرة، والنفقات الأساسية، والقدرة الفعلية على السداد، بما يسمح بتكوين صورة أكثر شمولًا عن الوضع المالي للمتقدم، ويمنح القرار التمويلي قدرًا أكبر من الدقة والمرونة.
كما يمكن دراسة تخصيص مسارات أكثر مرونة لبعض الفئات التي تتوافر لديها مصادر دخل ثابتة، مع استمرار حاجتها إلى التمويل الميسر، ومن بينها المتقاعدون الذين قد تتجاوز دخول بعضهم الحدود المعتمدة لبعض المنتجات، مع بقائهم أمام التزامات أسرية أو مالية مستمرة. ولا يعني ذلك منحهم استثناءً مفتوحًا، وإنما إخضاع طلباتهم لتقييم مالي أكثر شمولًا يراعي الدخل والالتزامات والقدرة على السداد.
ويساعد التحول الرقمي الذي قطعه البنك في هذا المجال على إمكانية تطبيق مثل هذا النهج؛ إذ تتيح البيانات المالية الموثوقة والربط الإلكتروني بالجهات ذات العلاقة بناء تقييم أكثر دقة للحالة المالية للمتقدم، بدل الاكتفاء بمؤشر واحد عند تحديد مدى ملاءمة التمويل.
والغاية في النهاية ليست زيادة عدد المستفيدين لمجرد الزيادة، وإنما الوصول إلى من تنطبق عليه الحاجة والقدرة على السداد بصورة أكثر دقة؛ بحيث تتسع دائرة الاستفادة بقدر ما تسمح به الموارد، وتظل كفاءة التمويل وسلامة القرار جزءًا من المعادلة.
تطوير الضوابط.. استثمار في نجاح البنك
لقد أثبت بنك التنمية الاجتماعية، عبر مسيرته، قدرته على تطوير برامجه وخدماته بما يواكب احتياجات المجتمع والمتغيرات الاقتصادية، وهو ما عزز مكانته بوصفه إحدى المؤسسات الوطنية المهمة في مجال التنمية الاجتماعية. ومن هذا المنطلق، فإن مراجعة بعض ضوابط الاستحقاق وتطويرها بصورة دورية تمثل امتدادًا طبيعيًا لهذا النهج، وتجسد حرص البنك على تعظيم أثر برامجه والوصول بها إلى أكبر قدر ممكن من المستفيدين المستحقين.
ولا يُقصد من تطوير معايير الاستحقاق توسيع نطاق التمويل دون ضوابط، وإنما رفع دقة التقييم، بحيث تستند أهلية المستفيد إلى صورة أكثر شمولًا عن وضعه المالي، ولا تعتمد على مستوى الدخل بمعزل عن بقية المؤشرات. فكلما اقتربت المعايير من الواقع المعيشي للمواطن، أمكن توجيه الموارد بكفاءة أكبر، وتعظيم الأثر الاجتماعي للتمويل.
كما أن تطوير هذه المعايير يمكن أن يتيح للبنك مساحة أوسع لدراسة بعض الحالات التي قد لا تعكس حدود الدخل وحدها مدى حاجتها الفعلية، مع المحافظة في الوقت نفسه على سلامة القرار التمويلي، والقدرة على السداد، وكفاءة إدارة الموارد.
وتظهر هنا قيمة ما حققه البنك من تحول رقمي وتطوير لأدواته؛ إذ يمكن توظيف البيانات المالية والالتزامات القائمة في إجراء تقييم أكثر دقة، يساعد على التمييز بين الحالات المختلفة، ويمنح القرار التمويلي قدرًا أكبر من المرونة دون الإخلال بالضوابط، يساعد على التمييز بين الحالات المختلفة، ويمنح القرار التمويلي قدرًا أكبر من المرونة دون الإخلال بالضوابط.
إن نجاح المؤسسات التنموية لا يعني ثبات أدواتها، بل قدرتها على التطوير المستمر استجابةً لتغير احتياجات المجتمع. ومن ثم، فإن مراجعة ضوابط الاستحقاق ليست تراجعًا عن السياسات القائمة، وإنما خطوة جديدة في مسيرة بنك التنمية الاجتماعية نحو تعظيم أثره، وتوسيع دائرة المستفيدين المستحقين، وتحقيق رسالته في تمكين الإنسان ودعم الأسرة وتعزيز الاستقرار الاجتماعي
الخاتمة: لقد رسخ بنك التنمية الاجتماعية مكانته بوصفه إحدى المؤسسات الوطنية التي أسهمت في تمكين الإنسان، ودعم الأسرة، وتحفيز العمل والإنتاج، وأثبتت برامجه أن التمويل حين يُوجَّه بصورة صحيحة يمكن أن يتحول إلى أداة للتنمية والاستقرار، لا إلى مجرد خدمة مالية.
ومن هذا النجاح تنطلق الحاجة إلى التطوير؛ فمراجعة ضوابط الاستحقاق لا تعني التشكيك في كفاءة البنك أو الانتقاص من إنجازاته، وإنما تعكس طبيعة المؤسسات التنموية الناجحة التي تراجع أدواتها باستمرار، وتبحث عن أفضل السبل لتعظيم أثرها والوصول إلى المستفيدين الأكثر حاجة.
ولعل من المفيد أن تتجه المراجعة المستقبلية لبعض معايير الاستحقاق نحو النظر إلى القدرة المالية الفعلية إلى جانب مستوى الدخل، بما يراعي الالتزامات الأسرية والمعيشية والتمويلية، ويتيح تقييم بعض الحالات بصورة أكثر شمولًا، دون الإخلال بالقدرة على السداد أو سلامة الموارد. فكلما كانت معايير الاستحقاق أكثر دقة ومرونة، أمكن توجيه التمويل إلى مستحقيه بكفاءة أكبر، واتسعت دائرة الأثر التنموي للبنك، وتعززت قدرته على مواصلة رسالته في تمكين المواطنين ودعم استقرارهم.
وفي ظل ما توليه القيادة الرشيدة - أيدها الله من عناية بتمكين المواطن وتحسين جودة الحياة، يظل بنك التنمية الاجتماعية نموذجًا وطنيًا جديرًا بالدعم والتطوير؛ وكل خطوة تسهم في تحسين أدواته وتوسيع أثره هي استثمار في الإنسان، وفي مستقبل الوطن.
فالنجاح الحقيقي للمؤسسات التنموية لا يقاس فقط بما قدمته، وإنما بقدرتها على أن تجعل ما تقدمه أكثر عدلًا، وأكثر كفاءة، وأوسع أثرًا.
ونسأل الله تعالى أن يحفظ سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو سيدي ولي عهده الأمين رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وأن يبارك جهودهما في خدمة الوطن والمواطن، وأن يوفق القائمين على بنك التنمية الاجتماعية ومنسوبيه لمواصلة رسالته التنموية، وأن يديم على وطننا أمنه ورخاءه وازدهاره.
** **
- أستاذ الدراسات العليا بقسم الدعوة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً