ثامر بن سعران السبيعي
حين يفشل الحوار الدبلوماسي في احتواء أزمة دولية، لا ينتقل النظام القانوني الدولي إلى فراغ، بل إلى منظومة محددة بدقة تُعرف بالدبلوماسية القسرية: المرحلة التي يُثبت فيها مجلس الأمن الدولي، بموجب المادة التاسعة والثلاثين من ميثاق الأمم المتحدة، وقوع «تهديد للسلم» أو «عمل من أعمال العدوان»، لينتقل الفعل الحاكم من «الدعوة» الطوعية التي تحكم الفصل السادس، إلى «القرار» الإلزامي الذي يحكم الفصل السابع بأكمله. هذا التحول ليس نظرياً مجرداً؛ فأزمة حية تتكشف فصولها اليوم، الملف النووي الإيراني، توفر شاهداً دقيقاً على كل مرحلة من مراحل هذه المنظومة، بل وتكشف أيضاً، بعد رصد دقيق، ثغرة تصميمية حقيقية تستحق حلاً عملياً.
في الثامن والعشرين من أغسطس 2025، أعلنت فرنسا وألمانيا وبريطانيا أن إيران في حالة «عدم امتثال جوهري» لالتزاماتها النووية، مفعِّلة آلية «الاستعادة التلقائية» المُدرَجة ضمن القرار الأممي 2231 الصادر عام 2015. صُمِّمت هذه الآلية بمنطق معكوس عن التصويت التقليدي: بدل أن يحتاج فرض عقوبات جديدة لتصويت قد يُعطِّله الفيتو، تُستعاد العقوبات تلقائياً خلال ثلاثين يوماً، ما لم يصدر قرار صريح يُبقي على رفعها. وحين فشل مشروع قرار صيني - روسي لتمديد المهلة، اكتملت عودة كامل العقوبات الأممية في السابع والعشرين من سبتمبر 2025. وتستند هذه العقوبات إلى المادة الحادية والأربعين، التي تمنح مجلس الأمن صلاحية تدابير «لا تتطلب استخدام القوات المسلحة» - نص لم يتغيّر حرفاً واحداً منذ 1945، لكن تطبيقه تطوّر جذرياً. فحين فُرضت عقوبات شاملة على العراق عقب غزوه للكويت عام 1990، كشفت دراسة أممية لاحقة أن أكثر من نصف مليون طفل عراقي فقدوا حياتهم جراء الحصار الشامل، وهو الرقم الذي أطلق مصطلح «العقوبات الذكية» كرد فعل مباشر. ويستمر هذا التوجه المستهدَف حتى اليوم في الملف الإيراني، عبر عقوبات أمريكية متلاحقة استهدفت في أغسطس الجاري وحده شبكات تمويل وصرافة أصول رقمية محددة، لا الاقتصاد الإيراني بأكمله.
ويوضح مسار الأزمة العراقية بدقة متى ينتقل مجلس الأمن للخيار الأشد. حين لم تُجبر العقوبات الاقتصادية بغداد على الانسحاب، انتقل مجلس الأمن بعد نحو ثلاثة أشهر ونصف لتفويض «كل الوسائل اللازمة» استناداً للمادة الثانية والأربعين، بموعد نهائي صريح: الخامس عشر من يناير 1991. هذا الانتقال يكشف نمطاً واضحاً: احتلال كامل لأرض دولة عضو يتجذر أكثر كل يوم يستمر، بخلاف ملف تقني معقد كالملف النووي الإيراني الذي احتمل مساراً أطول من العقوبات المتدرجة.
ويكمل هذا المسار فصلاً موازياً أرساه الأمين العام الثاني داغ همرشولد عام 1956 عقب أزمة السويس، مبتكراً ما وصفه بـ»الفصل السادس والنصف»: منطقة وسطى قائمة على ثلاثة مبادئ وضعها بنفسه عام 1958: موافقة الأطراف، الحياد التام، وعدم استخدام القوة إلا للدفاع عن النفس. هذا هو «حفظ السلام» - ممارسة لا نص صريح لها حتى اليوم. ويختلف هذا جوهرياً عن «إنفاذ السلام»، المستند صراحة للمادة الثانية والأربعين، الذي لا يشترط موافقة الأطراف إطلاقاً، كما تجلى في حرب الخليج عبر آلية «التفويض» - الحل البديل الذي طوّرته الممارسة الدولية لسد فجوة المادة الثالثة والأربعين المعطَّلة عملياً منذ 1945.
القصة الإيرانية لم تُغلَق عند استعادة العقوبات، بل كشفت عن ثغرة تصميمية دقيقة لم تظهر إلا عند الاختبار الفعلي. ففي الثامن عشر من أكتوبر 2025، جادلت الصين وإيران وروسيا رسمياً بأن الدول الأوروبية الثلاث لم تملك «الصفة القانونية» لتفعيل الآلية، سائقة ثلاث حجج قانونية محددة وثّقتها الأدبيات القانونية المتخصصة: أن الدول الأوروبية لم «تستنفد» آلية تسوية النزاعات الداخلية المنصوص عليها في الفقرة السادسة والثلاثين من الاتفاق قبل التصعيد المباشر، وأنها لم تتصرف «بحسن نية» كما يشترط النص، وأن «يدها غير نظيفة» قانونياً لعدم التزامها هي نفسها بالاتفاق سابقاً. هذا النزاع لا يزال حياً حتى اليوم: ففي التاسع من يونيو 2026، عقد مجلس الأمن جلسة أخرى حول الملف اعترضت خلالها روسيا والصين رسمياً على عقدها أصلاً؛ بل امتد الخلاف ليُعطِّل ملفات أوسع، إذ ظلت مذكرة تفاهم أمريكية-إيرانية وُقِّعت في الرابع عشر من يونيو 2026 معلَّقة التنفيذ رهناً بتسوية هذا النزاع نفسه. وبتحليل دقيق لبنية هذه الأزمة، تتضح ثغرة تصميمية واحدة محددة: صُمِّمت آلية الاستعادة بذكاء هندسي فائق لتفادي جمود الفيتو عند «تفعيلها»، لكنها لم تُصمَّم بنفس الدقة لحسم أي نزاع لاحق حول «شرعية هذا التفعيل نفسه». فآلية التسوية الداخلية (لجنة مشتركة، مهلة خمسة وثلاثين يوماً، مجلس استشاري) كانت موجودة أصلاً ضمن الاتفاق، لكنها لم تُصَغ كشرط إلزامي واجب الاستنفاد الكامل قبل اللجوء المباشر لمجلس الأمن - وهي بالضبط الفجوة التي استغلتها الأطراف المعترضة لتعليق شرعية الآلية بأكملها لأكثر من عشرة أشهر متواصلة حتى اللحظة.
ويقترح باحثون قانونيون متخصصون بالفعل مساراً جزئياً لهذه الإشكالية، عبر إحالة استشارية لمحكمة العدل الدولية حول حالة الاتفاق النووي، مستفيدين من سابقة تاريخية: حكمت المحكمة عام 2019 بقبول دعوى إيرانية ضد الولايات المتحدة بخصوص معاهدة الصداقة بين البلدين، مؤكدة أن إيران «تعرف الطريق» جيداً لهذه المحكمة. غير أن الحل الأشمل، القابل للتطبيق على أي آلية مماثلة مستقبلاً لا الحالة الإيرانية وحدها، يتطلب ثلاث طبقات تصميمية متكاملة: أولاً، تحويل آلية التسوية الداخلية من خطوة اختيارية إلى شرط إلزامي صريح واجب الاستنفاد الكامل قبل أي تصعيد مباشر لمجلس الأمن، بحيث لا يبقى مجال للجدل لاحقاً حول اكتمال الإجراءات. ثانياً، تعيين حَكَم مستقل مسبق التحديد، كمحكمة العدل الدولية عبر رأي استشاري تطلبه هيئة مخوَّلة كالوكالة الدولية للطاقة الذرية، يقتصر دوره على فحص «الصحة الإجرائية» لتفعيل الآلية حصراً، لا إعادة فتح النزاع السياسي الأعمق حول من هو المخطئ. ثالثاً، تحديد سقف زمني صارم لهذا الفحص الاستشاري نفسه، يوازي مهلة التفعيل الأصلية تقريباً، حتى لا يتحول الفحص الإجرائي بدوره إلى أداة تعطيل جديدة تستبدل غموضاً بغموض آخر.
ويكشف هذا المسار المتكامل درساً يتجاوز الأزمة النووية بذاتها: الهندسة القانونية الذكية التي تحل مشكلة واحدة بدقة متناهية، كتفادي جمود الفيتو، قد تخلق بلا قصد مشكلة جديدة إن لم تُطبَّق عليها نفس الصرامة التصميمية في كل طبقاتها، بما فيها الطبقة التي تبدو تفصيلاً إجرائياً ثانوياً وقت الصياغة الأولى. فأي نظام دولي، مهما بلغت جودة تصميمه العام، يبقى بمنأى حقيقي عن الانهيار فقط حين تُعامَل أضعف حلقاته الحرجة بنفس الجدية التي تُعامَل بها حلقاته الأقوى ظاهرياً - لا حين يُقاس بمتوسط أدائه الإجمالي المطمئن.