جانبي فروقة
هناك طريقة بسيطة لفهم ما حدث في عالم الذكاء الاصطناعي خلال الأسابيع الأخيرة: لا تنظروا كثيراً إلى ما أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على قوله، بل إلى ما أصبح قادراً على فعله قبل سنوات قليلة كنا نفتح ChatGPT تشات جي تي فنسأله سؤالاً ثم نندهش لأن آلة استطاعت أن تكتب فقرة تشبه ما يكتبه الإنسان وكان السؤال يومها: أي نموذج يجيب بصورة أفضل؟ ثم تطور السؤال إلى: أي نموذج يفكر بصورة أفضل؟ أما اليوم فقد بدأ السؤال يتغير للمرة الثالثة وأصبح أي نموذج يمكن أن أعطيه مهمة فيخطط لها ويستخدم الأدوات اللازمة وينفذها ويراجع نفسه ثم يعود إليّ بالنتيجة بأقل تدخل ممكن مني؟ وهذا التحول ربما يكون أهم من كل أسماء النماذج الجديدة فمن أواخر يونيو إلى منتصف أغسطس 2026 تسارعت الإصدارات بصورة لافتة طرحت أوبن أي آي OpenAI عائلة GPT-5.6 وأطلقت Anthropic أنثروبيك نماذج جديدة من Claude، وقفزت xAI سريعاً بين أجيال Grok بينما واصلت Google تطوير Gemini وربطه بعالم الروبوتات ودفعت Meta بنماذجها الوكيلية الجديدة في حين واصلت DeepSeek الضغط على السوق من بوابة الكفاءة والسعر لكن متابعة الأرقام وحدها قد تجعلنا نفوّت القصة فالثورة الحقيقية ليست في الانتقال من 5.5 إلى 5.6 أو من 4.5 إلى 4.6، بل في الانتقال من Chatbot ينتظر منك السؤال إلى Agent يستطيع أن يتصرف نيابة عنك وهنا في رأيي يبدأ ما يمكن تسميته عصر التفويضThe Age of Delegation فبدلاً من أن أطلب من الذكاء الاصطناعي «اكتب لي خطة تسويق» يمكنني تدريجياً أن أقول له: «أريد إطلاق هذا المنتج» ثم يبدأ هو بالبحث عن السوق ومقارنة المنافسين وتحليل العملاء واقتراح السعر وتصميم الحملة وإعداد العرض وربما التواصل مع الأدوات والأنظمة المختلفة لإنجاز أجزاء من المهمة فالفرق هائل نحن لا نتحدث عن آلة تعطينا إجابة بل عن آلة تبدأ باستلام جزء من العمل نفسه وهذا أيضاً يغيّر طريقة النظر إلى السباق بين الشركات الكبرى فشركة أنثروبيك Anthropic تبدو قوية جداً في الأعمال المعقدة والبرمجة والمهام الطويلة التي تتطلب قدراً كبيراً من الحكم والتخطيط. أما أوبن أي آي OpenAI فتراهن على معادلة مختلفة تجمع بين قوة النموذج والانتشار الضخم وتكلفة الاستخدام وتحويل الذكاء الاصطناعي إلى منتج يومي للأفراد والشركات أما xAI فدخلت السباق بقوة من خلال نماذج سريعة وتنافسية مع تركيز واضح على الأداء مقابل السر وشركة غوغل Google من جانبها تملك ورقة مختلفة يصعب تجاهلها فهي لا تملك نموذجاً فقط بل تملك البحث ويوتيوب YouTube وأندرويد Android وWorkspace وورك سبيس والسحابة والرقائق والبنية التقنية إضافة إلى عملها في الروبوتات فإذا أصبح الذكاء الاصطناعي مستقبلاً طبقة موجودة داخل كل برنامج وهاتف وسيارة ومصنع فقد تكون قوة غوغل Google في المكان الذي يعيش فيه الذكاء أكثر من ترتيبها في اختبار تقني واحد وشركة ميتا Meta تخوض معركة أخرى حول سؤال ملكية الذكاء نفسه فهل ستبقى أقوى النماذج خدماتها مغلقة نستأجرها من عدد محدود من الشركات أم يمكن أن تصبح نماذج نستطيع تشغيلها وتعديلها والتحكم بها؟ وبينما تأتي DeepSeek ديب سيك من الصين لتطرح سؤالاً اقتصادياً بالغ الأهمية وهو هل نحتاج دائماً إلى أذكى نموذج في العالم أم نحتاج إلى نموذج جيد جداً ورخيص جداً؟ فهناك مشكلة أساسية في الطريقة التي نقيس بها تقدّم الذكاء الاصطناعي حيث أننا نغرق في الحديث عن المعايير المعيارية Benchmarks، وعدد الـ Tokens (الوحدات النصية) وسرعة النموذج وحجم نافذة السياق وكأن الذكاء يمكن اختزاله في لوحة أرقام وهذه المقاييس مهمة بلا شك لكنها لا تخبرنا بالقصة كاملة، فالسؤال الحقيقي لم يعد فقط: أي نموذج يجيب أسرع أو يحقق نتيجة أعلى؟ بل: أي نموذج يفهم ما نريده فعلاً ويستطيع أن يحوّل هذا الفهم إلى عمل مفيد في العالم الحقيقي؟
في النهاية فإن الإنسان لا يحتاج إلى نموذج يتفوّق في الامتحانات بقدر ما يحتاج إلى شريك رقمي يساعده على اتخاذ قرار أفضل وإنجاز عمل أصعب وتوفير وقت كان يضيع في التفاصيل وهنا تحديدًا تبدأ المسافة بين ذكاء يُقاس في المختبر وذكاء نشعر بقيمته في حياتنا وفي ظل هذا التسارع الكبير ربما نحتاج إلى مقياس جديد يتجاوز نتائج الاختبارات التقليدية ويمكن أن نسميه «عائد الذكاء Intelligence Yield « فبدل أن نسأل فقط: أي نموذج حقق أعلى نتيجة؟ يمكن أن نطرح سؤالًا أكثر ارتباطًا بواقع الشركات والأفراد وهو كم ساعة من العمل البشري الموثوق يستطيع الذكاء الاصطناعي أن ينجز ما يعادلها مقابل كل دولار يُنفق على الحوسبة؟
قد يحتل نموذج ما المركز الخامس في اختبارات الذكاء الاصطناعي لكنه في المقابل يكون أسرع وأقل تكلفة وأكثر استقرارًا ولا يحتاج إلى إنسان يراقبه عند كل خطوة وعندها يصبح السؤال عن «الأذكى» أقل أهمية من السؤال عن الأكثر نفعًا فقد يكون النموذج الخامس على لوحة الاختبارات هو الأول فعليًا على أرض الواقع لكن هناك مقياسًا آخر أراه أكثر إثارة للاهتمام ويمكن أن نسميه «أفق التفويض Delegation Horizon» أي المسافة الزمنية التي يستطيع فيها الذكاء الاصطناعي أن يعمل باستقلالية قبل أن يضطر إلى العودة إليك طلبًا لتوجيه جديد أو قرار بشري بمعنى آخر هل يستطيع أن يعمل وحده لدقيقتين؟ لساعة؟ ليوم كامل؟ أم يمكن أن نعهد إليه بمهمة تستمر أسبوعًا ثم يعود إلينا بالنتيجة؟ وربما يكون هذا هو الاختبار الأهم في المرحلة المقبلة فالقفزة الحقيقية في الذكاء الاصطناعي لن تحدث عندما يصبح النموذج أفضل قليلًا في الإجابة، بل عندما يصبح قادرًا على تحمّل مسؤولية أطول بين أمرٍ نعطيه له ونتيجةٍ يعيدها إلينا. إن الفرق بين هذه المراحل ليس تقنياً فقط بل اقتصادي وتنظيمي فالذكاء الاصطناعي الذي يحتاج منك أن تراجعه كل دقيقتين يبقى أداة أما إذا أعطيته هدفاً صباح الاثنين وعاد إليك بعد أيام بنتيجة دقيقة وموثقة فنحن نقترب من شيء مختلف تماماً يمثل قوة عمل رقمية والمفارقة هنا أن انتشار هذا النوع من الذكاء قد يجعل المورد النادر في المستقبل ليس الذكاء نفسه بل الحُكم البشري Human Judgment.
عندما يصبح بإمكان ملايين الوكلاء الرقميين أن يكتبوا ويحللوا ويبرمجوا ويبحثوا ويصمموا سيصبح السؤال الأهم : من يحدد الهدف؟ من يعرف أن النتيجة جيدة؟ من يكتشف الخطأ المقنع؟ ومن يقرر أصلاً أي مشكلة تستحق أن نستخدم كل هذا الذكاء لحلها؟
لذلك قد لا تكون أكبر قيمة للإنسان مستقبلًا في تنفيذ المهمة، بل في اختيار المهمة التي تستحق أن تُنفَّذ. ومن هنا ندخل ما يمكن تسميته «عصر المسافة الصفرية Zero-Distance Age عصر تتقلص فيه المسافة بين الفكرة وتحويلها إلى واقع إلى حد غير مسبوق.
في العالم القديم كانت الفكرة رخيصة نسبيًا أما التنفيذ فكان مكلفًا فقد تخطر لك فكرة شركة في عشر دقائق لكن تحويلها إلى منتج حقيقي كان يحتاج إلى رأس مال وموظفين ومبرمجين ومصممين ومستشارين ثم شهور أو سنوات من العمل أما اليوم فالذكاء الاصطناعي يبدأ في ضغط هذه المسافة بصورة جذرية.
والسؤال اليوم الذي يعد خطراً أكثر من ألف جواب هو ماذا يحدث إذا انخفضت تكلفة التنفيذ بصورة هائلة؟ عندها ربما لا تكون ثورة الذكاء الاصطناعي الكبرى هي البطالة الجماعية التي يخشاها البعض ولا اليوتوبيا التي يتخيلها آخرون بل شيء أكثر هدوءاً وأعمق أثراً وهو انهيار تكلفة المبادرة البشرية
فقد يستطيع طالب أن يبني شركة كانت تحتاج سابقاً إلى عشرات الموظفين وقد يتمكن باحث صغير من تجربة مئات الفرضيات وربما تستطيع شركة صغيرة أن تمتلك قدرات تحليل وتسويق وتصميم كانت قبل سنوات حكراً على الشركات العملاقة لكن الوجه الآخر لهذه القوة لا يقل أهمية فعندما يصبح التنفيذ أرخص تصبح الأخطاء أرخص أيضاً ويصبح التضليل أسرع والهجمات الإلكترونية أكثر قابلية للتوسع وتصبح القرارات الآلية أسرع من قدرة المؤسسات على مراقبتها ولذلك سيصبح الأمن والثقة والرقابة البشرية جزءاً من البنية الأساسية للذكاء الاصطناعي لا مجرد ملحق أخلاقي له فقبل أربع سنوات كنا نكتب جملة في صندوق أبيض وننتظر جواباً مدهشاً واليوم بدأ ذلك الصندوق يختفي وخلفه تظهر أنظمة تبحث وتكتب وتبرمج وتتصفح وتحلّل وتستخدم أدوات أخرى بل وتساعد أحياناً في بناء الجيل التالي من الذكاء الاصطناعي نفسه ولذلك ربما يكون السؤال الأقل أهمية اليوم هو: من يملك أذكى نموذج في العالم؟ أما السؤال الذي قد يحدد اقتصاد العقد المقبل فهو: من سيملك أرخص وأكثر الطرق موثوقية لتحويل الفكرة البشرية إلى عمل منجز؟
لأن الذكاء الاصطناعي في مرحلته القادمة لن يكون مجرد أداة نستخدمها، بل سيصبح سعر الصرف الجديد بين فعلين وهما «أريد» و«تم».
** **
- كاتب أمريكي