عبد الله سليمان الطليان
منذ فجر التاريخ، والإنسان يسعى إلى تفسير ما يجهله وفهم ما يعجز عن إدراكه.، وبين الخوف من المجهول والرغبة في الاطمئنان، وجدت الخرافة والدجل طريقهما إلى المجتمعات البشرية. ولئن اختلفت صور الخرافة عبر العصور، فإن جوهرها بقي واحداً: استغلال حاجة الإنسان إلى إجابات سهلة وسريعة عن أسئلة معقدة.
في المجتمعات القديمة كانت الخرافات تنتشر في بيئات يغلب عليها الجهل وقلة المعرفة، وتعتمد في انتقالها على الرواية الشفهية. فكان الناس يتناقلون القصص والأساطير من جيل إلى جيل حتى تكتسب مع الزمن صفة الحقيقة. وانتشرت الاعتقادات المرتبطة بالسحر والشعوذة، والتمائم والأحجبة، والتنجيم وقراءة الطالع، واعتقاد تأثير بعض الظواهر الطبيعية في مصائر البشر.
وقد وجد الدجالون في تلك البيئة فرصة سانحة لتحقيق النفوذ والكسب المادي، فادعوا معرفة الغيب أو القدرة على علاج الأمراض أو جلب الحظ ودفع الشرور. وكان نجاحهم يعتمد على عنصرين رئيسيين: الجهل والخوف. فالإنسان حين يعجز عن فهم ما يحدث حوله يصبح أكثر استعداداً لتصديق التفسيرات الوهمية.
ولم تكن هذه الظاهرة غائبة عن أنظار المفكرين. فقد أشار ابن خلدون في مقدمته إلى أن الناس كثيراً ما ينجذبون إلى الأخبار العجيبة والغريبة دون تمحيص أو نقد، وأن الروايات إذا لم تخضع للعقل وللواقع فإنها تتحول إلى أوهام يتداولها الناس على أنها حقائق.
ومع انطلاق الثورة العلمية والصناعية ظن كثيرون أن عصر الخرافة قد انتهى، وأن العلم سيقضي على الدجل إلى الأبد، لكن الواقع أثبت أن الخرافة لا تموت بسهولة، بل تتكيف مع الظروف الجديدة وتلبس ثياباً تناسب كل عصر.
لقد انتقلت الخرافة في عصرنا من المجالس الضيقة والأسواق الشعبية إلى شاشات التلفاز ومنصات التواصل الاجتماعي. ولم يعد الدجال بالضرورة ذلك الشخص الذي تحيط به البخور والتمائم، بل قد يظهر في هيئة خبير أو مؤثر أو متحدث يستخدم لغة علمية ومصطلحات معقدة لإضفاء المصداقية على أفكاره.
واليوم نشاهد أشكالاً جديدة من الدجل تتمثل في الترويج لعلاجات سحرية لا تستند إلى أي دليل طبي، أو نشر نظريات مؤامرة تفسر كل حدث عالمي تفسيراً غامضاً وسرياً، أو تسويق برامج تعد الناس بالثراء السريع والنجاح المضمون دون جهد أو معرفة حقيقية. كما أصبحت الصور المفبركة ومقاطع الفيديو المعدلة والأخبار الكاذبة أدوات حديثة لتضليل الجماهير والتأثير في آرائهم.
وهنا تتجلى ملاحظة الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون الذي تحدث عن «أصنام العقل»، أي الأوهام والانحيازات التي تجعل الإنسان يرى ما يريد أن يراه لا ما هو موجود بالفعل. فالعقل البشري، مهما بلغ من العلم، يظل عرضة للخداع إذا غاب عنه النقد والتحقق.
أما الفيلسوف الفرنسي فولتير فقد لخص خطورة الخرافة بقوله: «إن الذين يستطيعون أن يجعلوك تؤمن بالسخافات، يستطيعون أن يجعلوك ترتكب الفظائع». فالمشكلة لا تكمن في الاعتقاد الخاطئ وحده، بل في النتائج التي قد تترتب عليه عندما يتحول إلى سلوك أو قرار أو موقف جماعي.
ومن زاوية اجتماعية، يفسر غوستاف لوبون سرعة انتشار الخرافات والشائعات بأن الجماهير غالباً ما تتأثر بالعاطفة أكثر من العقل، وأن الفكرة كلما كانت مثيرة وغريبة ازدادت قابليتها للانتشار بين الناس. ولو عاش لوبون في عصر وسائل التواصل الاجتماعي لرأى مثالاً حياً على نظرياته في الانتشار السريع للشائعات والمعلومات المضللة.
أما كارل بوبر، أحد أبرز فلاسفة العلم في القرن العشرين، فقد أكد أن الفرق بين العلم والدجل هو أن العلم يقبل الاختبار والنقد، بينما يهرب الدجل دائماً من التجربة والبرهان. فكل فكرة لا تسمح بالتحقق منها أو نقدها تبقى أقرب إلى الاعتقاد منها إلى المعرفة العلمية.
وفي السياق نفسه، دعا الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط الإنسان إلى التحرر من الوصاية الفكرية بشعاره الشهير: «تجرأ أن تعرف». فالمعرفة لا تبدأ من التسليم بما يُقال، بل من طرح الأسئلة والبحث عن الأدلة واستخدام العقل بصورة مستقلة.
إن المقارنة بين خرافات الماضي وخرافات الحاضر تكشف أن الوسائل تغيرت بينما بقيت الآليات النفسية متشابهة. ففي الماضي كان الدجال يستغل الجهل المباشر، أما اليوم فقد يستغل المعرفة السطحية. وفي الماضي كانت الخرافة تنتشر بالرواية الشفهية، أما اليوم فتنتشر بالصورة الرقمية والمقطع القصير والخبر المتداول. وفي الماضي كان انتشارها بطيئاً، أما اليوم فقد تصل إلى ملايين الناس خلال دقائق. ومع ذلك فإن عصرنا يمتلك ميزة لم تكن متاحة للأجيال السابقة، وهي وفرة المعرفة وسهولة الوصول إلى مصادر العلم والتحقق. ولهذا فإن مسؤولية الفرد اليوم أكبر من أي وقت مضى. فليس كل ما يُنشر حقيقة، وليس كل ما يُشاهد دليلاً، وليس كل من يتحدث بلغة العلم عالماً.
أخيراً :
الخرافة والدجل ليسا مجرد بقايا من الماضي، بل ظاهرتان تتجددان كلما وُجد من يستغل الخوف أو الجهل أو ضعف التفكير النقدي. وإذا كانت خرافات الأمس تُروى في المجالس والأسواق، فإن خرافات اليوم تُصنع أحياناً في استوديوهات الإعلام وتنتشر عبر المنصات الرقمية، وبين الأمس واليوم يبقى العقل الواعي هو خط الدفاع الأول.
ولعل أفضل ما نختم به هو المعنى الذي اجتمع عليه ابن خلدون وبيكون وكانط وبوبر وغيرهم من المفكرين: أن الحقيقة لا تُنال بالتسليم الأعمى، وإنما بالبحث والتحقق والنقد. فكلما ازداد الإنسان قدرة على التفكير المستقل، ضاقت مساحة الخرافة، واتسعت مساحة المعرفة، وانتصر العقل على الوهم.