أ.د.عثمان بن صالح العامر
قابلت، وسمعت، وعرفت، وقرأت كثيرًا عن رعاية الوالدين لفلذات أكبادهم، وحرصهم الشديد على أن يكونوا لهم قدوة حسنة، لا بالكلام وحده، وإنما بالفعل والموقف والتضحية.
أذكر أن أحدهم حدثني ذات يوم أنه عاد إلى مقاعد الدراسة في سن متقدمة، وكان بإمكانه أن يكتفي بما حققه فيما مضى من عمره، لكنه اختار أن يبدأ رحلة تعليمية جديدة. والسبب: «أريد أن أكون قدوة مثالية لأبنائي».
بالأمس القريب كنت في إحدى الجامعات العربية، التقيت في رحابها بأم عادت إلى مقاعد الدراسة، ليس بحثًا عن شهادة جامعية، ولا رغبة في تحقيق طموح شخصي، وإنما لتكون إلى جوار ابنتها التي تدرس في الكلية نفسها.
أمٌّ أرادت أن تقول لابنتها بالفعل قبل القول: أنا معك في الطريق.
تدرس الأم، وتدرس ابنتها، وتدفع تكاليف دراستهما معًا، تشاركها الجلوس في قاعات المحاضرات، تعيش معها هموم الاختبارات، تشاطرها فرحة الإنجاز، وكأنها أرادت أن تجعل من رحلتها العلمية رحلة ماتعة مشتركة مع ابنتها، حتى يأتي يوم التخرج فتقفان معًا، تسعد الأم بتخرج ابنتها، وتفتخر في ذات الوقت بأنها عاشت معها تفاصيل الطريق، خطوة بخطوة.
ما أجمل أن يكون الوالد قدوة لأبنائه، لكن الأجمل أن تتحول القدوة إلى صحبة.
فالأبناء لا يتعلمون من نصائحنا بقدر ما يتعلمون من أفعالنا. وقد نقول لهم آلاف المرات: «اجتهدوا، تعلموا، لا تستسلموا»، لكن حين يرون أبًا أو أمًا يعودان إلى مقاعد الدراسة بعد سنوات من الحياة والعمل والمسؤوليات، فإن الرسالة تصبح أبلغ من كل الكلمات. هذه الأم لم تساعد ابنتها على النجاح بالمال فحسب، بل ساعدتها بالحضور. ولعل هذا هو أحد أعمق أشكال التربية؛ أن تجعل ابنك يشعر أنك لا تدفعه من الخلف فقط، بل تمشي معه إلى الأمام. وفي زمن يظن فيه بعض الآباء أن دورهم ينتهي بتوفير احتياجات أبنائهم، تقدم لنا هذه الأم درسًا مختلفًا: قد تكون أعظم هدية تقدمها لابنك أو ابنتك أن تكون نموذجًا حيًا لما تطلبه منهما. وما أجمل أن تتخرج الابنة يومًا، فتلتفت إلى أمها قبل أن تنظر في تفاصيل شهادة النجاح، وهي تقول في سرها: (لم أصل وحدي.. كانت أمي تمشي معي).
طوبى لأم اختارت أن ترافق ابنتها في طريق العلم، وطوبى لابنة ستبقى هذه الصورة في ذاكرتها ما بقي لها من عمر، وستثمن لهذه الوالدة تضحيتها من أجلها.
بعض الأمهات يربين أبناءهن بالكلمات، وبعضهن يربينهم بالمواقف، أما هذه الأم فقد اختارت أن تربي ابنتها بالقدوة والصحبة والحب. وذلك، في ظني، أرقى ما يمكن أن تقدمه أم لابنتها. دمتم بخير وإلى لقاء والسلام.