د. عبدالحق عزوزي
لم يعد السؤال المتعلق باستخدام الأطفال والمراهقين لشبكات التواصل الاجتماعي مسألة تربوية تخص الأسرة وحدها، بل أصبح قضية مجتمعية وتشريعية تمس الأمن النفسي للأجيال ومستقبل المجتمعات، وتكشف التجارب الدولية الحديثة أن دولاً متزايدة بدأت تنتقل من مرحلة التحذير إلى مرحلة التنظيم القانوني الصارم. ففي أستراليا، أصبحت المنصات الاجتماعية ملزمة باتخاذ خطوات معقولة لمنع من هم دون السادسة عشرة من امتلاك حسابات عليها. وفي النرويج أعلنت الحكومة نيتها تقديم تشريع يحظر استخدام شبكات التواصل على من هم دون السادسة عشرة، بينما فرضت بريطانيا، في إطار قانون السلامة على الإنترنت، التزامات واسعة على المنصات لحماية الأطفال واعتماد وسائل فعالة للتحقق من العمر والوصول إلى المحتويات الضارة.
وهذا التوجه، في تقديري، ليس حرباً على التكنولوجيا ولا رفضاً للعالم الرقمي، بل محاولة لإعادة الإنسان، وخاصة الطفل، إلى مركز المعادلة. فمشاعر أطفالنا وانتباههم وبياناتهم الشخصية ليست سلعة مباحة للخوارزميات والشركات الرقمية، لقد أصبحت المنصات قادرة على معرفة ما يجذب المستخدم، وما يخيفه، وما يثير فضوله، ثم تقدم له المحتوى بصورة متواصلة تشجعه على البقاء أطول وقت ممكن أمام الشاشة. وإذا كان البالغ يجد أحياناً صعوبة في مقاومة هذا الجذب، فكيف بطفل أو مراهق لم تكتمل بعد قدرته على ضبط الانفعال واتخاذ القرار؟
إن خطورة شبكات التواصل لا تكمن فقط في كثرة استخدامها، بل في قدرتها على صناعة السلوك وتوجيه الرأي وإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية، فالطفل يستطيع اليوم أن ينتقل في دقائق من مادة تعليمية إلى مشاهد عنيفة، أو خطاب كراهية، أو تحديات خطرة، أو محتويات تروّج لمعايير غير واقعية للجمال والنجاح. كما يمكن أن يتعرض للتنمر الإلكتروني أو الابتزاز أو الاستغلال الجنسي أو التواصل مع أشخاص مجهولين، في فضاء يصعب على الأسرة مراقبته بصورة دائمة.
وقد حذرت جهات صحية أمريكية رسمية من أن الأدلة المتاحة لا تسمح باعتبار وسائل التواصل الاجتماعي آمنة بما يكفي للأطفال والمراهقين، خاصة مع الاستخدام المكثف. كما أن الارتباط بين الإفراط في الاستعمال وبين اضطرابات النوم والقلق والاكتئاب وضعف تقدير الذات والعزلة الاجتماعية أصبح موضوعاً مركزياً في النقاش العلمي والصحي. ولا يعني ذلك أن كل طفل يستخدم هذه الشبكات سيصاب بمرض نفسي، ولكنه يعني أن ترك القاصرين وحدهم أمام منظومات رقمية مصممة لجذب الانتباه يشكل مخاطرة لا يجوز الاستهانة بها.
وتقدم البرازيل مثالاً آخر في البيئة المدرسية؛ فقد قيدت قانونياً استخدام الهواتف الذكية في المدارس، بما يشمل أوقات الدراسة والاستراحة، مع استثناءات تعليمية أو مرتبطة بحالات الضرورة وبعض الاحتياجات الخاصة. والفكرة هنا بسيطة: المدرسة ليست مجرد مكان لتلقي المعلومات، بل فضاء لتعلم التركيز والحوار والصداقة والانضباط، وهي كلها وظائف تتضرر حين يصبح الهاتف وسيطاً دائماً بين الطفل والعالم.
ولا ينبغي، في المقابل، أن ننكر ما تتيحه هذه الشبكات من فوائد في التعلم والتواصل واكتشاف الثقافات والوصول إلى المعرفة، خصوصاً عندما يكون استخدامها واعياً وموجهاً. فالمشكلة ليست في التكنولوجيا في ذاتها، وإنما في غياب الحدود، وفي نموذج اقتصادي يجعل زمن المستخدم وانتباهه مادة للربح، وفي خوارزميات قد تقدم الإثارة على المصلحة التربوية، ولهذا فإن المطلوب ليس بناء جدار بين الطفل والعصر الرقمي، وإنما بناء بوابة آمنة للعبور إليه.
ومع ذلك، فإن الحظر وحده لن يحل المشكلة. فالقاصر يستطيع التحايل على أنظمة التحقق من العمر، وقد ينتقل إلى منصات أقل رقابة لذلك يجب أن يكون المنع جزءاً من سياسة أشمل تشترك فيها الأسرة والمدرسة والدولة والشركات الرقمية: تربية رقمية مبكرة، وتحديد أوقات الاستخدام، وحماية البيانات، ومراقبة المحتوى الضار، وتطوير أنظمة موثوقة للتحقق من العمر، مع احترام الخصوصية.
إن المعادلة الحقيقية ليست بين الحرية والمنع، بل بين الحرية والمسؤولية؛ وحماية الطفولة لا تعني عزل الأطفال عن العصر، وإنما تمكينهم من دخول العالم الرقمي في السن المناسبة وبالأدوات المناسبة، فالمجتمعات التي لا تضع حدوداً واضحة أمام استغلال انتباه أطفالها وعواطفهم قد تجد نفسها، بعد سنوات، أمام أجيال أكثر اتصالاً بالشاشات وأقل اتصالاً بالحياة، ومن هنا فإن تنظيم شبكات التواصل بالنسبة للقاصرين لم يعد خياراً ثانوياً، بل مسؤولية أخلاقية وتربوية وتشريعية مشتركة.