د.محمد بن عبدالرحمن البشر
العراق انتماؤه عربي، وهويته عربية، ثقافته عربية، وتاريخه عربي، فقد كان وما زال عربيا، وسيظل كذلك، وكان فكر سكانه وانتمائهم منتمياً للثقافة العربية، والنهج العربي عبر مئات السنين، لقد عاشت في العراق قبائل عربية كثيرة قبل الإسلام وبعده، مثل بكر، وتميم، ومضر، وكندة، وقيس، وغيرها من القبائل العربية، وفي سابق الزمان قدم العموريون إلى هناك، وشاركوا في بناء الحضارة العريقة التي تعتبر أول حضارات العالم، وهي الحضارة السومرية.
كان المناذرة الذين يسكنون العراق، وهم من العرب القحطانية، مقصداً للشعراء الذين يفدون إليهم من الجزيرة العربية والشام، يتكلمون بلسان عربي، ويلقون الشعر العربي، ويتحدثون العربية، وينتمون إلى حضارتها، لقد نقل إلينا المؤرخون قصصا كثيرة لوفادة الشعراء إلى المناذرة، وأغلبنا يعرف قصة عمرو بن هند مع عمرو بن كلثوم، وبعض منا قد عرف قصة الشاعر المتلمس وابن أخته الشاعر المشهور صاحب المعلقة، طرفة بن العبد مع ملك الحيرة عمرو بن هند، وأخيه قابوس، حيث وفدا إلى ملك الحيرة وعاشا عنده فترة من الزمن، فأصابهما الملل فطلبا من الملك الرحيل، فأعطى كل واحد منهما صحيفة مغلقة كتب فيها إلى ملك البحرين أمرا بقتلهما، لكن المتلمس دخلت في قلبه الريبة مما هو مكتوب في الصحيفة، ففتحها فوجد فيها الأمر بقتله، فرماها في النهر، ونصح ابن اخته طرفة بفتح صحيفته، لكنه لم يفعل، ظناً منه أن الملك قد أمر له بجائزة، فوصل طرفة إلى ملك البحرين والصحيفة في يده، بينما ذهب المتلمس في سبيله، فأعطاها طرفة إلى ملك البحرين فقتله، فأصبح يضرب بها مثلاً، حيث يقال صحيفة المتلمس. ومما يروى أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- أرسل كتاباً إلى عيينة بن حصن الذبياني، يدعوه إلى الإسلام، فقال عيينة: أتراني يا محمد حاملاً إلى قومي كتاباً كصحيفة المتلمس.
ودخل الفرزدق على مروان بن الحكم، وكان والياً للمدينة المنورة من قبل معاوية بن أبي سفيان، فأعطاه مروان صحيفة إلى أحد عماله وأوهمه أن فيها أمراً بعطاء يليق به كشاعر مرموق، لكنه بعد أن غادر الفرزدق خشي أن يفتحها فيوجهه هجاء، فأرسل إليه من يلحق به ويقول له بعض الأبيات من ضمنها:
ألق الصحيفة يا فرزدق فإنها
نكراء مثل صحيفة المتلمس
العراق كان عربي الهوية قبل الميلاد، وبعد الميلاد، وبعد الإسلام، وكانت العراق منارة علم في فترة الخلافة الراشدة، وفي العصر الأموي، ومحطة للعلماء لذين يتكلمون العربية، ويدرسون علومها وقواعدها، وأصبحت عاصمة الدولة العربية والإسلامية، وبهوية عربية خلفاؤها عرب، وثقافتهم عربية، ومؤلفاتهم بالعربية، وشعرهم عربي، وانتماؤهم عربي، بغض النظر عن العرق، فلم يكن للعرق شأن بالانتماء والهوية والثقافة العربية، فقد كتب بها وعاشها وانتمى إليها علماء وشعراء أفذاذ، ونقلوا للعالم علوم الأقوام المجاورة، وأضافوا لها الشيء الكثير.
وفي الأندلس بقي الحكام هناك، ومن بعدهم الأمراء من الأمويين، ومع ما بين الأمويين والعباسيين من خصام، إلا أنهم لم يتسموا بالخلافة، إلا في النصف الأخير من عهد عبدالرحمن الناصر بعد أن رأى ضعفها.
العراق في العصر الحديث امتداد لتاريخها، فلا يمكن أن تكون إلا عربية الثقافة، عربية الانتماء، تقف مع إخوانها العرب في جميع المواقف، وتكون عوناً لهم لا عوناً عليهم، تساعدهم في الملمات، وتقف معهم ضد من يريد بهم سوءا، ولا تسمح أن تكون مصدر قلق واعتداء على جيرانها من العرب، الذين يحرصون على أمنهم، وتنميتهم، والرفع من شأنهم، وخصوصاً المملكة العربية السعودية التي حرصت وما زالت كذلك.