صالح الشادي
تخيل للحظة زمن الطفولة، حين كانت أسرارك الصغيرة تُحفظ في دفتر ورقي تحت الوسادة، أو في حكايات لا يعرفها إلا أقرب الأصدقاء. كانت الذاكرة بشرية، تضعف مع الوقت وتنسى التفاصيل، وكان الخوف الوحيد من نظرة الجار أو كلمة عابرة تصل إلى من لا تريد. كانت الحياة أبسط، والخصوصية مساحة طبيعية كالهواء، لا يشاركك فيها إلا من تختار.
أما اليوم، فالأمر مختلف تماماً. ذلك الجهاز الصغير الذي تحمله في جيبك يعرف عنك أكثر مما يعرفه أقرب الناس إليك. يعرف متى تنام ومتى تستيقظ، وأين تذهب وماذا تشتري، ومع من تتحدث، وحتى ما تفكر فيه أحياناً، وذلك عبر الكلمات التي تكتبها أو المواضيع التي تبحث عنها. العلاقة التي كانت بينك وبين محيطك القريب، أصبحت اليوم علاقة بينك وبين عالم رقمي واسع، يجمع تفاصيلك دون استئذان.
الفرق بين الماضي والحاضر كالفرق بين دفتر صغير مقفل بأقفال، ونافذة زجاجية شفافة تطل على طريق عام. في الماضي، كان الجار قد يسمع حديثك بالصدفة وينساه بعد ساعة؛ أما اليوم، فالتطبيقات تسمعك عن قصد، وقد تسجل حديثك، وتحلله، بل وتتوقع ما تريد شراءه قبل أن تفكر فيه، ولا تنسى أبداً. كنا نظن أن الخصوصية حق طبيعي كالتنفس، لكنها اليوم أصبحت سلعة ثمينة يتنافس عليها الجميع، وكلما أعطيتهم القليل، طلبوا المزيد.
وليست المشكلة فقط في التطبيقات التي نعرفها ونمنحها صلاحياتنا، فهناك برمجيات خفية تزرع في بعض الأجهزة ولا نستطيع التخلص منها، تراقب تحركاتنا وتتعقب شبكات الواي فاي والبلوتوث من حولنا، لتعرف من نجالس وفي أي غرفة نقيم. هذه البرمجيات لا تطلب إذناً صريحاً، وتتجاوز خياراتنا بطرق ملتوية، وكأننا وضعنا عيوناً وآذاناً في كل زاوية من حياتنا، لا نملك إغلاقها مهما حاولنا.
كثير منا يشعر بذلك، حين يرى إعلاناً عن شيء تحدث عنه لتوه، فيحس بأن الهاتف «يستمع» إليه. لكن هذا الشعور لا يدفعنا دائماً إلى التغيير، فنحن ننقر زر «موافق» دون تفكير، ونعطي الصلاحيات كأنها مجرد إجراء شكلي. التطبيقات تستغل هذا التراخي، فتطّلع على بياناتنا حتى بعد أن نرفض صراحةً، لأن القوانين ما زالت غير قادرة على حمايتنا كما ينبغي.
الحياة اليوم أصبحت أسرع وأسهل بلا شك، لكن ثمن هذه السرعة هو أرواحنا الرقمية التي لم تعد ملكاً لنا. إن استمر الحال على ما هو عليه، سنظل نعيش في زمن غاب فيه معنى الخصوصية، وأصبح هاتفنا الذكي أكبر جاسوس في غرفتنا، يتنقل أسرارنا بين أيدٍ لا نعرفها، وكأن الماضي الجميل الذي كنا نختبئ فيه خلف جدران منزلنا، قد رحل إلى الأبد.