د. ياسين علي محمد عزي
في مشروع وطني يرفع سقف الممكن كلما بلغ منجزًا جديدًا، لا يعود السؤال عمّا وصلت إليه المؤسسة كافيًا؛ فالقيمة الحقيقية لما يتحقق تبدأ فيما يُبنى عليه بعد ذلك. وفي مسيرة التحول السعودي التي يقودها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله، أصبح الطموح في رؤية السعودية 2030 معيارًا للعمل في الحاضر بقدر ما هو تصور للمستقبل؛ لذلك لا يُقرأ الإنجاز باعتباره محطة مكتفية بذاتها، بل بما يهيئه من قدرة على بلوغ مستوى أعلى في الجودة والتميز وتعزيز التنافسية.
الجامعة من أكثر المؤسسات اتصالًا بهذا المعنى؛ فما استثمرته المملكة في الإنسان والمعرفة والبحث والابتعاث لا يُقاس بعدد الشهادات أو البحوث وحدها، بل بما يتحول منه إلى قدرة وطنية يراها المجتمع، ويقيسها الاقتصاد، وتترجمها المكانة العلمية للمملكة. ولهذا جاء مستهدف الرؤية بأن تكون خمس جامعات سعودية على الأقل بين أفضل مئتي جامعة دولية تعبيرًا عن مستوى التنافسية الذي تريده المملكة لجامعاتها، لا رقمًا منفصلًا عن فلسفة التعليم. وما حظي به التعليم العالي من دعم، وما بنته الدولة عبر عقود من جامعات وكفاءات ومختبرات ومراكز بحثية، وما أتاحته من تطوير للأنظمة واتساع لمساحة القرار المؤسسي، يرفع مسؤولية الجامعة من إدارة ما لديها إلى تحويل هذه الإمكانات إلى جودة وأثر ومكانة علمية تليق بطموح المملكة.
بهذا المعيار تُقرأ نتائج التصنيف الأكاديمي لجامعات العالم «شنغهاي» لعام 2026. فوجود أربع عشرة جامعة سعودية بين أفضل ألف جامعة عالميًا، وانضمام جامعة الحدود الشمالية إلى القائمة، منجز يستحق الاعتزاز، غير أن القيمة لا تقف عند اتساع الحضور وحده؛ إذ تتباين مسارات الجامعات بين تقدم واستقرار وتراجع، ولكل مسار دلالته حين يُقرأ عبر أكثر من عام. والرهان الحقيقي أن يتحول هذا الحضور إلى تقدم متصل يقرب الجامعات السعودية من مستوى التنافسية الذي رسمته المملكة لتعليمها العالي.
تأتي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في مقدمة الجامعات التي سجلت تقدمًا لافتًا؛ فقد دخلت «شنغهاي» للمرة الأولى في 2025 ضمن شريحة 901-1000، ثم تقدمت في 2026 إلى 601-700. كما تقدمت جامعة الملك فهد للبترول والمعادن من 701-800 إلى 601-700، وجامعة الملك فيصل من 801-900 إلى 701-800، وعادت جامعة الطائف إلى شريحة 401-500 بعد أن كانت في 601-700 في 2025، فيما تقدمت جامعة القصيم من 801-900 إلى 701-800.
ولا تكمن قيمة هذه النتائج في الصعود ذاته، بل في فهم ما تغير داخل المؤسسة حتى ظهر أثره في التصنيف. فالمرتبة تأتي في نهاية سلسلة طويلة من القرارات المتعلقة بالبحث العلمي، واستقطاب الكفاءات وتمكينها، وتوجيه الموارد، وبرامج الدراسات العليا، وبناء الشراكات، وجودة البيئة الأكاديمية. والاستفادة من تجربة جامعة تقدمت لا تعني استنساخها، وإنما فهم العوامل التي أسهمت في تقدمها، ثم تكييف ما يصلح منها مع اختلاف الرسالات والبيئات والأولويات.
في المقابل، تراجعت جامعة الملك سعود من شريحة 101 - 150 في 2025 إلى 151 - 200 في 2026، مع بقائها ضمن أفضل مئتي جامعة عالميًا. أما جامعة الملك عبدالعزيز، فقد كان تراجعها قد وقع في 2025 من 201-300 إلى 501-600، ثم استقرت في الشريحة نفسها في 2026. وسلكت جامعة الأمير سطام بن عبدالعزيز مسارًا مشابهًا؛ إذ تراجعت من 601-700 إلى 701-800 ثم استقرت، كما تراجعت أم القرى من 701-800 إلى 901-1000 ثم بقيت في الشريحة ذاتها. والتمييز بين هذه الحالات ضروري؛ فتراجع يحدث هذا العام ليس كاستقرار أعقب تراجعًا سابقًا، ولكل منهما ما يستحق أن يُقرأ في سياسات الجودة والبحث والحوكمة.
أما الاستقرار فلا يحمل معنى واحدًا. فقد حافظت «كاوست» على شريحة 201 - 300، والأميرة نورة بنت عبدالرحمن على 301 - 400، والملك خالد على 401 - 500، بينما حافظت جامعة جازان على شريحة 901 - 1000 في أعوام 2024 و2025 و2026. ولا يكفي جمع هذه الجامعات تحت وصف واحد؛ فالثبات في شريحة متقدمة مع مؤشرات بحثية قوية يختلف عن البقاء سنوات في شريحة متأخرة من دون تقدم إلى مستوى أعلى.
ويصبح الفرق أدق حين نقرأ المؤشرات نفسها. فـ«كاوست» سجلت في 2026 نحو 32 نقطة في مؤشر الباحثين الأعلى استشهادًا، و22 نقطة في النشر في «نيتشر» و«ساينس». وسجلت جامعة الطائف 18 نقطة في مؤشر الباحثين الأعلى استشهادًا، فيما سجلت جامعة الملك فهد للبترول والمعادن 7.4 نقاط في المؤشر نفسه و20.7 نقطة في الأداء الأكاديمي للفرد. أما جامعة الملك سعود، فعلى الرغم من تراجعها إلى شريحة 151 - 200، فقد سجلت 70.1 نقطة في الإنتاج البحثي و16.4 نقطة في مؤشر الباحثين الأعلى استشهادًا. فالتراجع في الشريحة لا يعني تراجعًا شاملًا في القوة الأكاديمية، كما لا يكفي الثبات وحده دليلًا على أن عناصر القوة داخل المؤسسة تتطور بالوتيرة المطلوبة.
وفي شريحة 901 - 1000 تختلف مكونات الأداء أيضًا. فقد حافظت جامعة جازان على موقعها فيها في أعوام 2024 و2025 و2026. وبين 2025 و2026 ارتفع مؤشر الإنتاج البحثي لديها من 25.6 إلى 26.0، واستقر الأداء الأكاديمي للفرد عند 10.9، بينما انخفض مؤشر النشر في «نيتشر» و«ساينس» من 2.9 إلى 2.6، ولم تسجل في 2026 نقاطًا في مؤشر الباحثين الأعلى استشهادًا.
وفي الشريحة ذاتها دخلت جامعة الحدود الشمالية عام 2026 مسجلة 28 نقطة في الإنتاج البحثي و11.7 نقطة في الأداء الأكاديمي للفرد، فيما سجلت أم القرى 28.2 نقطة و11.8 نقطة في المؤشرين نفسيهما. ولم تسجل الجامعتان نقاطًا في مؤشري الباحثين الأعلى استشهادًا أو النشر في «نيتشر» و«ساينس». ولا تكفي هذه الفروق المحدودة للمفاضلة بين الجامعات؛ فلكل مؤسسة حجمها ورسالتها وبيئتها، غير أنها تبين أن الاشتراك في الشريحة نفسها لا يعني تماثل عناصر الأداء، وأن فرص التقدم تبدأ من معرفة المؤشرات التي تستطيع الجامعة تطويرها بقراراتها الأكاديمية والبحثية.
ويرتبط بذلك سؤال الهوية العلمية للجامعة. فجامعة جازان ليست مطالبة بأن تصبح نسخة من «كاوست» أو جامعة الملك سعود أو جامعة الملك فهد، مثلما لا ينبغي للحدود الشمالية أو أم القرى أو غيرهما أن تبحث عن نموذج واحد تستنسخه. فالجامعة التي تعرف مكانها ورسالتها تستطيع أن تجعلهما مصدر قوة، وأن تبني حضورها الدولي من الأسئلة التي يتيحها موقعها وتخصصها، لا من محاولة التشبه بمؤسسة نشأت في سياق مختلف.
وفي جازان مثلًا، تتيح البيئة البحرية والساحلية والجبلية، بما فيها جزر فرسان، إلى جانب الصحة والزراعة والمياه والتنوع الحيوي والخصائص الصحية والسكانية والتحولات التنموية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة، مجالًا واسعًا لبناء مسارات بحثية تتجاوز حدود المكان. وإذا ارتبطت هذه المجالات بفرق علمية مستقرة، وبرامج دراسات عليا قوية، وتمويل موجه، وشراكات منتجة، وتمكين للباحث القادر على القيادة، أمكن أن يتحول الإنجاز الفردي إلى قدرة علمية تبقى داخل المؤسسة.
وما ينطبق على جازان ينطبق على جامعة قد تجد ميزتها في الطاقة أو الصناعة أو الذكاء الاصطناعي أو التعليم أو الصحة أو العلوم الإنسانية. فالجامعات لا تتشابه، وليس مطلوبًا منها أن تتشابه؛ لأن قوة المنظومة لا تأتي من صناعة نسخ متقاربة، بل من قدرة كل جامعة على معرفة المجال الذي تستطيع أن تضيف فيه إلى وطنها ثم إلى المعرفة الإنسانية الأوسع، وتحويل تلك الميزة من جهود متفرقة إلى خيار مؤسسي مستمر.
ولا يكتمل فهم النتيجة قبل معرفة ما يقيسه «شنغهاي». فالتصنيف يعتمد ستة مؤشرات تتصل بخريجي الجامعة الحاصلين على جائزة نوبل أو ميدالية فيلدز، وأعضاء هيئة التدريس الحاصلين عليهما، والباحثين الأعلى استشهادًا، والنشر في «نيتشر» و«ساينس»، والإنتاج البحثي المفهرس، والأداء الأكاديمي للفرد. وبعض هذه المؤشرات تاريخي بطبيعته، ولا تستطيع جامعة حديثة نسبيًا تغييره سريعًا؛ لذلك تبدأ الإدارة الأكثر نضجًا من معرفة ما تستطيع التأثير فيه فعلًا، ثم توجه مواردها وقراراتها إلى المجالات التي يمكن أن تصنع فيها تحسنًا مستدامًا.
كما أن ترتيب الجامعة في التصنيف العام ليس هو ترتيب أحد تخصصاتها في التصنيفات التخصصية. فقد يحقق تخصص بعينه مرتبة عالمية متقدمة في جامعة لا تقع ضمن أفضل ألف جامعة في التصنيف العام، من دون أي تناقض؛ لأن موضوع القياس مختلف. والتميز التخصصي إنجاز يستحق الاعتزاز، لكنه لا يتحول تلقائيًا إلى ترتيب للجامعة بكاملها. ودقة وصف الإنجاز هنا ليست تفصيلًا لغويًا، بل جزء من جودة الخطاب المؤسسي نفسه.
العناية بالتصنيف لا يمكن اختزالها في وحدة إدارية تتابع البيانات وموعد إعلان النتائج؛ فالموقع الذي يظهر في أغسطس يبدأ قبل ذلك بسنوات في قرارات التوظيف والترقية والاستقطاب، والوقت المتاح للبحث، ونوعية برامج الدراسات العليا، وتوجيه التمويل، وتمكين الباحثين، وجودة الشراكات. وحين تصل النتيجة إلى وحدة التصنيف بعد اتخاذ هذه القرارات، تستطيع الوحدة أن تقرأها وتفسرها، لكنها لا تستطيع أن تصنع بأثر رجعي أسبابًا لم تُبنَ داخل الجامعة.
ومع ذلك، لا تختصر «شنغهاي» الجامعة في جميع أبعادها، كما لا يفعل ذلك أي تصنيف منفرد. فالمقاييس الدولية تختلف في منهجياتها وفي الأوزان التي تمنحها للبحث والاستشهادات والسمعة الأكاديمية والتدويل وغيرها. ولهذا تكون قراءة أكثر من تصنيف مفيدة، لا بحثًا عن النتيجة الأكثر إرضاء، وإنما لمعرفة ما إذا كانت جوانب القوة وما يحتاج إلى تطوير تظهر بالطريقة نفسها حين تختلف معايير القياس.
وفي «كيو إس» لعام 2027، حافظت جامعة الحدود الشمالية على شريحة 1001 - 1200 بين نسختي 2026 و2027، كما بقيت جامعة طيبة في شريحة 1201 - 1400، فيما تقدمت الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة من 1201 - 1400 إلى 1001 - 1200. أما جامعتا جازان ونجران فلا يظهر لهما ترتيب في التصنيف العالمي العام لـ«كيو إس» لعام 2027، مع حضور جازان في بعض التصنيفات التخصصية، ونجران في تصنيف الاستدامة. وهذا التباين في النتائج يضيف زاوية أخرى إلى قراءة الجامعة، من دون أن يجعل تصنيفًا واحدًا حكمًا نهائيًا عليها.
ولا يعني اختلاف المواقع بين «شنغهاي» و«كيو إس» تناقضًا في تقييم الجامعة؛ فلكل تصنيف منهجيته وما يعطيه من وزن لعناصر الأداء. وجامعة جازان، على سبيل المثال، حافظت على شريحة 901 - 1000 في «شنغهاي» ثلاثة أعوام متتالية، فيما لا يظهر لها ترتيب في التصنيف العالمي العام لـ«كيو إس» لعام 2027. واجتماع النتيجتين لا يصدر حكمًا على جودة الجامعة، وإنما يوسع مجال القراءة: كيف يتحول الإنتاج البحثي إلى استشهاد وتأثير أوسع؟ وكيف تتحول القوة في بعض المجالات إلى حضور مؤسسي أكثر رسوخًا؟ وكيف تستثمر الجامعة خصوصية مكانها ورسالتها في بناء معرفة تجد صداها خارج حدودها؟
وهذا السؤال لا يخص جامعة جازان وحدها، بل كل جامعة تتباين نتائجها بين مقياس وآخر أو يستقر موقعها طويلًا في شريحة بعينها. وقيمة الجودة في مثل هذه الحالات أن يصل معنى الأرقام إلى القرار مبكرًا؛ قبل أن يتحول التراجع أو الاستقرار الطويل إلى مسار اعتادته المؤسسة ولم تعد تسأل عن أسبابه.
وما وفرته الدولة، وما زالت توفره، لجامعاتها من دعم وإمكانات يجعل مسؤولية القرار أكبر؛ لا لأن المطلوب مرتبة واحدة للجميع، وإنما لأن اتساع الإمكانات يرفع قيمة ما ينبغي أن تصنعه المؤسسة بها. فبين المورد والنتيجة اختيارات تتصل بمن تستقطبه الجامعة وتمكّنه، وكيف توزع وقت عضو هيئة التدريس، وأي نوع من البحث تكافئه، وأين توجه التمويل، وكيف تبني الدراسات العليا، وهل تستطيع الاحتفاظ بباحثيها المؤثرين، وما الذي يبقى داخلها من المعرفة بعد انتهاء الشراكات.
الجامعة لا تحتاج إلى «خطة تصنيف» بقدر حاجتها إلى رؤية مؤسسية تعرف ما الذي تريد أن تصبح عليه، وما المؤشرات التي تقع ضمن قدرتها على التغيير. والمقارنة مع جامعة نظيرة في العمر والحجم والرسالة قد تكون أنفع من مقارنة لا تراعي اختلاف البيئات؛ فالغاية ليست معرفة من سبق فقط، بل فهم لماذا سبق، وأي جزء من تجربته يمكن أن يفيد مؤسسة أخرى من دون أن يلغي خصوصيتها.
وحين يتباعد الطموح والنتائج، ينبغي أن يصل أثر ذلك إلى القرار الأكاديمي نفسه: إلى الاستقطاب، والعبء التدريسي، وبرامج الدراسات العليا، والبنية البحثية، والتمويل، وتمكين الكفاءات الوطنية، واختيار المجالات التي تستطيع الجامعة أن تبني فيها قوة حقيقية. كما ينبغي أن تقرأ المؤسسة مسارها عبر عدة أعوام؛ فالجودة لا تطلب صعودًا عابرًا كل سنة، لكنها لا تقبل أن يتحول التراجع أو الثبات الطويل إلى وضع لا تعرف المؤسسة لماذا استمر أو كيف يمكن تغييره.
لقد استثمرت المملكة طويلًا في الإنسان السعودي، ووسعت فرص الجامعات ومنحتها مساحات أكبر من القرار؛ ولذلك أصبح الاختبار الحقيقي في جودة ما تصنعه بهذه المساحة. فالاستقلالية الجامعية لا تكتمل بأن تملك المؤسسة القرار، بل بقدرتها على أن تبنيه على الأدلة، وتقيس أثره، وتراجعه، وتغيره حين تظهر الحاجة إلى ذلك.
ويبقى وجود أربع عشرة جامعة سعودية في «شنغهاي» 2026 منجزًا وطنيًا يستحق الاعتزاز، كما يستحق تقدم الإمام محمد بن سعود والملك فهد والملك فيصل والطائف والقصيم أن تُفهم أسبابه، ويستحق تراجع جامعة الملك سعود إلى شريحة أدنى، مع بقائها ضمن أفضل مئتين، قراءة متوازنة. أما استقرار «كاوست» والأميرة نورة والملك خالد والملك عبدالعزيز والأمير سطام وأم القرى وجازان، فليس حالة واحدة لمجرد أن الموقع لم يتغير في النسخة الأخيرة؛ فلكل جامعة مسارها، ولكل استقرار أسبابه وما ينبغي أن يأتي بعده.
وعودة جامعة الطائف إلى شريحة 401 - 500 رفعت عدد الجامعات السعودية ضمن أفضل 500 في «شنغهاي» من أربع جامعات في 2025 إلى خمس في 2026. والتفاوت بين الجامعات طبيعي في منظومة بهذا الحجم؛ فبعضها يحقق تقدمًا واضحًا، وبعضها يحافظ على موقعه، بينما تحتاج أخرى إلى وقت وقرارات مختلفة حتى تبلغ مستوى أعلى.
فالمطلوب ليس أن تتقدم كل جامعة إلى شريحة أعلى كل عام، ولا أن يصبح التصنيف غاية تعيد المؤسسة تشكيل رسالتها من أجلها؛ وإنما أن تبني من الجودة والبحث والقيادة وتمكين الكفاءة ما يجعل التقدم أثرًا طبيعيًا لما يحدث داخلها، وأن تعرف لماذا استقرت حين تستقر، ولماذا تراجعت حين تتراجع، وما الذي ينبغي أن يتغير.
حين يكون الطموح، كما أراده سمو ولي العهد، أكبر من المحافظة على ما تحقق، فإن الجامعة السعودية لا تقرأ المرتبة بوصفها شهادة وصول، بل بوصفها علامة على ما بُني وما بقي أن يُبنى. فالرؤية رفعت سقف التنافسية أمام الجامعات، وربطت النجاح بالقدرة على الاستمرار في التقدم، لا بالاكتفاء بالموقع الذي تحقق.
لهذا لا تكمن القيمة الأعمق لنتائج «شنغهاي» 2026 في معرفة أين تقف جامعاتنا اليوم، بل في معرفة لماذا تقدمت جامعة، ولماذا استقرت أخرى، ولماذا تراجعت ثالثة، وما الذي ينبغي أن يتغير حتى يكون الموقع المقبل أقرب إلى الطموح الذي رسمته المملكة لتعليمها العالي.
ففي وطن جعل الطموح طريقًا إلى المستقبل، لا يكون الموقع الذي بلغته الجامعة نهاية الحكاية؛ بل تصبح قيمته فيما تبنيه المؤسسة بعده لتستحق ما هو أعلى.
** **
- أكاديمي وكاتب سعودي