محمد بن عبدالله العتيق
كان المؤتمر الصحفي الحكومي الذي استضاف معالي وزير التعليم الأستاذ يوسف بن عبدالله البنيان يوم الاثنين 17 أغسطس 2026، مناسبة مهمة للوقوف على ما تحقق في منظومة التعليم، وما تستعد له الوزارة مع انطلاقة العام الدراسي الجديد.
بالنسبة لمن يعمل في الميدان التعليمي، فإن متابعة مثل هذا اللقاء تتجاوز مجرد معرفة الأخبار والأرقام؛ لأن التعليم منظومة تمس كل بيت، وكل قرار فيها ينعكس على الطالب والمعلم والإداري والأسرة والمجتمع.
ولعل أكثر ما لفت الانتباه في حديث معالي الوزير هو الهدوء والتدرج والوضوح. فقد انتقل بين الملفات التعليمية المختلفة دون استعجال، وقدم الصورة خطوة بعد خطوة، حتى أصبح المتلقي قادراً على تكوين تصور متكامل عن المرحلة التي تعيشها منظومة التعليم في المملكة.
تحدث عن الاستعداد للعام الدراسي، وعن المعلمين والمعلمات، والمناهج، والبيئة المدرسية، والتعليم الجامعي، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والكوادر الإدارية والتعليمية، وجاءت الأرقام لتضع أمام المتلقي حجم العمل الذي يجري في قطاع واسع بحجم وزارة التعليم.
ومن الأرقام التي توقفت عندها كثيراً، الإعلان عن تحديث 22 مادة دراسية وإدراج 50 وحدة تعليمية في مجال الذكاء الاصطناعي. وهذا التوجه يعكس إدراكاً لحجم التحول الذي يشهده العالم، وحاجة الطالب السعودي إلى أن يكون جزءاً من هذا التحول، لا أن ينتظر نتائجه فقط.
كما أن الحديث عن تطوير أكثر من 240 ألف معلم ومعلمة يؤكد أن تطوير التعليم يبدأ من الإنسان الذي يقف أمام الطالب، وأن الاستثمار في المعلم هو استثمار مباشر في مستقبل الأجيال.
ومن الملفات التي استوقفتني شخصياً، وأعتقد أنها استوقفت كثيراً من الزملاء في إدارات التعليم، ملف الترقيات. فقد كان إعلان معالي الوزير عن صدور أكثر من 28 ألف ترقية للكادر التعليمي، ونحو 9500 ترقية للكادر الإداري خلال الشهر المقبل خبراً يهمنا نحن العاملين في الميدان بصورة مباشرة.
هذا الملف تحديداً يحمل أهمية كبيرة لمنسوبي الوزارة؛ فالترقية ليست مجرد انتقال من مرتبة إلى أخرى، وإنما هي تقدير لمسيرة الموظف وجهده وسنوات خدمته وما قدمه خلال رحلته الوظيفية.
وكلنا ثقة وأمل بأن ما قامت به الوزارة من حوكمة وتنظيم لآليات الترقيات، وما يرتبط باحتساب النقاط والمفاضلة، سيقود - بإذن الله - إلى نتائج تحقق العدالة والإنصاف، ويمنح كل مجتهد فرصته المستحقة. ونسأل الله أن يكتب الخير للجميع، وأن تكون الترقيات القادمة محل رضا منسوبي الوزارة، وأن يجد كل موظف ثمرة جهده وعطائه.
وهنا أشعر أن الحديث عن الترقيات يأخذ بعداً آخر؛ لأن الموظف الإداري في إدارة التعليم، والمعلم والمعلمة في المدرسة، وكل من يعمل في هذه المنظومة، يحتاج إلى أن يشعر بأن جهده مقدر، وأن أمامه فرصة للنمو والتقدم. وهذا الشعور ينعكس في النهاية على مستوى الأداء والعطاء.
من الجوانب اللافتة كذلك حديث معالي الوزير عن انتهاء حضور المعلم بنهاية اليوم الدراسي وفق الجدول المعتمد لكل مدرسة، وهي خطوة تمس تفاصيل العمل اليومية للمعلم، وتؤكد أهمية تنظيم بيئة العمل بما يحقق التوازن ويرفع جودة الأداء.
وفي ملف المناهج، يبدو أن الوزارة تمضي باتجاه تعليم أكثر ارتباطاً باحتياجات المستقبل. فالذكاء الاصطناعي لم يعد موضوعاً يمكن تأجيله، بل أصبح جزءاً من الحياة اليومية، ومن سوق العمل، ومن أدوات المعرفة، ولذلك فإن إدخاله في العملية التعليمية بصورة منظمة خطوة مهمة في إعداد الطالب للمرحلة المقبلة.
كما أن وصول 36 مليون كتاب إلى المدارس قبل الإجازة يعكس حجم الاستعدادات اللوجستية التي تسبق بداية العام الدراسي، وهي تفاصيل قد لا تظهر كثيراً للناس، لكنها تمثل عملاً ضخماً خلف الكواليس تقوم به منظومة التعليم حتى تبدأ المدارس عامها الدراسي وهي أكثر جاهزية.
أما التعليم الجامعي، فقد كان حاضراً كذلك في حديث الوزير، مع الإشارة إلى استقطاب جامعات عالمية وتعزيز حضور الجامعات السعودية في التصنيفات الدولية. وهذا جزء من مسار أوسع تسعى من خلاله المملكة إلى بناء منظومة تعليمية تنافس عالمياً، وتنتج المعرفة والبحث والقدرات التي يحتاجها الاقتصاد الوطني.
ما أعجبني في هذا المؤتمر أن معالي وزير التعليم لم يقدم التعليم باعتباره ملفات منفصلة؛ فالمعلم مرتبط بالمنهج، والمنهج مرتبط بالطالب، والطالب مرتبط بسوق العمل، والجامعة مرتبطة بالاقتصاد، والتقنية أصبحت حاضرة في جميع هذه المراحل.
وهذا هو المعنى الحقيقي للتطوير؛ أن تعمل المنظومة كلها في اتجاه واحد.
وقد يكون من السهل أن نقرأ الأرقام ونمر عليها، لكن خلف كل رقم آلاف الموظفين والمعلمين والطلاب والمدارس والجامعات، وخلف كل مشروع عمل طويل وتخطيط ومتابعة وتقييم.
من هنا تأتي أهمية القيادة الإدارية في وزارة بهذا الحجم. فإدارة التعليم ليست مهمة سهلة، والتعامل مع ملايين الطلاب والمعلمين والإداريين وأولياء الأمور يحتاج إلى رؤية واضحة، وإلى قدرة على ترتيب الأولويات، وإلى نفس طويل في تنفيذ المشاريع وتحقيق النتائج.
وفي تقديري، فإن الأستاذ يوسف البنيان قدم في هذا المؤتمر نموذجاً هادئاً في الحديث عن هذه الملفات؛ لم يكن الخطاب مثقلاً بالتعقيد، ولم تكن الأرقام منفصلة عن مضمونها، بل جاءت المعلومات متدرجة، وانتقل الحديث من ملف إلى آخر بصورة تجعل المتلقي قادراً على المتابعة والفهم.
والأجمل أن كثيراً من هذه الملفات لا تتوقف عند عام دراسي واحد، وإنما هي جزء من مسيرة تطوير مستمرة، بدأت ملامحها تظهر بصورة أكبر في السنوات الأخيرة، وتتحرك باتجاه تعليم أكثر جودة، ومدرسة أكثر جاهزية، ومعلم أكثر تمكيناً، وطالب أكثر قدرة على التعامل مع متغيرات المستقبل.
ومن موقعنا كأحد منسوبي وزارة التعليم، فإننا نتابع هذه التحولات بقدر كبير من الاهتمام، ونأمل أن ينعكس هذا التطوير على جميع منسوبي الوزارة، وأن تكون المرحلة القادمة مرحلة خير ونماء، سواء للطلاب والمعلمين أو للإداريين الذين يعملون خلف هذه المنظومة الكبيرة.
أما ملف الترقيات، فننتظر أن يأتي الشهر المقبل حاملاً الخير للجميع، وأن تكون الحوكمة والآليات الجديدة للاحتساب والمفاضلة عاملاً في تحقيق العدالة وإعطاء كل ذي جهد حقه. أسأل الله أن يكتب لنا ولزملائنا جميعاً ما فيه الخير، وأن يوفق وزارة التعليم ومنسوبيها لكل ما يخدم التعليم وأبناء الوطن.
في النهاية، يبقى التعليم هو الاستثمار الأهم في الإنسان، وكل خطوة تتقدم بها هذه المنظومة هي خطوة في بناء مستقبل المملكة.
وما خرجت به من المؤتمر أن التعليم السعودي يمضي في طريق واضح، وأن الحديث عنه لم يعد حديثاً عن تحسين جزئي هنا أو تطوير محدود هناك، بل عن منظومة كاملة يعاد تطويرها بما يتناسب مع طموحات المملكة ومستقبل أبنائها.
كل التوفيق لمعالي وزير التعليم الأستاذ يوسف البنيان، ولجميع قيادات الوزارة ومنسوبيها، ولكل معلم ومعلمة وإداري وإدارية يعملون في الميدان، ونسأل الله أن يكون القادم أجمل، وأن نرى ثمار هذا العمل واقعاً يعيشه أبناؤنا وبناتنا، ونلمسه نحن منسوبي التعليم في بيئة العمل وفي مسيرتنا المهنية.
فالتعليم حين يتقدم، يتقدم معه الوطن كله.