إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
في العتمة الخفيفة التي تسبق شروق الشمس لا يكون المرسم مجرد غرفة بأربعة جدران، وأرضية ملطخة بألوان الأكريليك ورائحة الزيت النافذة لكنه يتحول إلى محترف يولد منه الإبداع والأفكار، بعيدًا عن أعين النقاد ورنّات الهواتف وأضواء منصات التواصل الاجتماعي، يبدأ الفنان التشكيلي رحلته الحقيقية.
إن بناء المشروع الفني ليس مجرد رميٍ عشوائي للألوان على القماش، بل هو مخاض روحي طويل ورحلة شاقة تنتهي بميلاد عالم جديد يُعرض داخل قاعة معتمة تُضاء فيها اللوحات لتهمس لزوّارها بأسرار شهور وسنوات من العزلة والبحث والشغف.
كيف تعثر الفكرة على صاحبها؟
لا تبدأ الفكرة عادةً داخل أروقة المرسم المغلقة إنما تولد في الخارج، في تفاصيل الحياة اليومية الشديدة البساطة، يبدأ الأمر برؤية غير متوقعة شعاع شمس يتسلل عبر نافذة خشبية قديمة، وجه مسن تعلوه علامات الزمن في زحام السوق، أو حتى سكون الليل المفاجئ بعد مطر هتان، لا تأتي الفكرة لدى الفنان كبيان مكتمل أو كلوحة جاهزة في الذهن إنما تظهر كشهاب خاطف أو كطيف يرفض أن يرحل عن مخيلته.
يبدأ الفنان في هذه المرحلة بممارسة أمتع أنواع المشاهدة والإنصات يتأمل تفاصيل الحياة التي يمر بها عامة الناس دون التفات، يتحول فكره إلى إسفنجة تمتص المشاعر والظلال وحركات الأجساد والقصص المنسية في الأزقة، لنفترض هنا فنانًا يتملكه موضوع مثل «الذاكرة وتآكل المكان» إن الفكرة لا تحثه على رسم بيوت قديمة لكنها تجعله يتساءل: كيف ينعكس الزمان على الحجر؟ وكيف يتحدث الفراغ؟ يظل هذا الصيد الفكري يستحوذ على ذهنه، يرافقه في قهوته الصباحية، وفي حديثه مع أصدقائه حتى تشعر نفسه بضرورة أن يتحول هذا الطيف الفكري إلى مادة ملموسة تعبر عن ذاك السؤال البصري الذي يسكنه.
التجارب السرية في المختبر المغلق
حين تصبح الفكرة أثقل من أن تُحمل في الرأس وحده يدخل الفنان إلى مرسمه ويغلق الباب خلفه بإحكام ممسكًا بزمام العزلة الكاملة. هذه هي مرحلة «المختبر السري». في هذا المحترف، لا يُسمح لأحد بالدخول ولا حتى لأقرب الأصدقاء. في هذه المرحلة بالذات يحق للفنان أن يفشل دون خجل وأن يفسد عشرات الأوراق وأن يطمس تجربته الأولى ويعيدها عشرات المرات دون خوف من أحكام النقاد أو توقعات الجمهور.
يبدأ الأثر الأول عبر «السكيتش بوك». بخطوط مسرعة بالرصاص أو الفحم أو ألوان المائية الخفيفة، يحاول التشبث بتلك الفكرة الغائمة قبل أن تتلاشى. يجرّب دمج ألوان غير متوقعة ويفحص استجابة الخامات المختلفة هل يحتاج هذا المفهوم إلى سمك الأكريليك وخشونة المعاجين لإبراز جفاف الجدران وتآكلها؟ أم أن الرقة والشفافية في ألوان الزيت المُحاضرة بالوسائط هي الطريق الأنسب لنقل إحساس الغياب؟ إنها مرحلة اللعب العفوي الممتع والتجريب الجريء حيث تتصارع الأفكار وتتداخل حتى تطفو على السطح نتيجة أولية تشير إلى أن الطريق قد بدأ يتضح.
لمس الخيط الأول في العتمة
تولد النتيجة الأولية فجأة من بين ركام التجارب والدفاتر الممتلئة بالشخبطات، تجربة واحدة من بين عشرات المحاولات تضيء كشرارة حقيقية دراسة لونية صغيرة على قطعة خشبية مهملة أو مجسم مصغر من الصلصال والورق المقوى، يبتسم له الفنان حين يراه ويقول لنفسه بقلب مطمئن: «نعم، هذا هو الخيط الحقيقي».
هذه اللحظة ليست النهاية بالطبع، هي بداية «الوعي بالمشروع». هنا يدرك الفنان أن ما بين يديه ليس مجرد لوحة منفردة ستُعلق على جدار لترميم الفراغ البصري إنما هو خيط حريري طويل لو سحبه بحذر وحرية سينسج منه حكاية بصريّة متكاملة تحمل أسلوبه ورؤيته الخاصة. يتغير نمط التفكير في هذه اللحظة الانتقالية من الانفعال العاطفي الخالص إلى سلوك ممتلئ بالمسؤولية الإبداعية والتنظيم المتقن.
الدراسة التفصيلية والعمق الفكري
بعد العاطفة والشرارة الأولى، يأتي دور العقل والبحث العميق. لا يستطيع أي مشروع فني متين أن يعيش على الانفعال اللحظي وحده لكنه يحتاج إلى جدار فكري يحميه. يتحول الفنان في هذه المرحلة إلى باحث أو عالم آثار يفتش في طبقات المفهوم الذي اختاره.
بالعودة إلى مشروعنا المفترض حول «الذاكرة وتآكل المكان» يبدأ الفنان في قراءة المراجع الأدبية والفلسفية التي تناولت الزمن والذاكرة ويشاهد الصور الفوتوغرافية الأرشيفية ويدرس كيف عبّر الفنانون عبر التاريخ عن مفهوم التحول والغياب. يحلل العناصر البصرية بصرامة، ما هي الرموز الكفيلة بإيصال هذا المعنى؟ هل هي الكراسي الشاغرة؟ أم الظلال الممتدة في الممرات؟ أم الألوان الباهتة التي تآكلت بفعل الضوء والزمن؟ هذه المرحلة تغذي المشروع بالعمق البلاغي وتمنحه روحًا لا تُخطئها عين القارئ البصري المتأمل.
هندسة الرؤية والبناء البصري
حين تنضج الرؤية الذهنية والبحثية يضع الفنان الخارطة الأساسية لمشروعه. يبدأ بتحديد «الهوية البصرية» التي ستجمع أجزاء هذا العالم، ما هي البالتة اللونية التي ستسود؟ هل سيميل إلى الألوان الترابية الداكنة والرماديات ليمنح شعورًا بالقدم والهدوء أم سيطعمها بلمسات من الأصفر الصارخ ليعكس التوتر والاضطراب في الذاكرة؟
كما يحدد تقنياته بدقة، الخامات المستخدمة ونوعية السطوح (قماش مشدود، ألواح خشبية، ورق يدوي الصنع) والتوازنات بين الضوء والظل. بعبارة أخرى يضع الفنان قوانين اللعبة الخاصة به، وهي الأطر الأسلوبية التي سيلتزم بها طوال فترة إنجاز العمل كي لا يتشتت المعنى أو تتضارب الأساليب على جدران المعرض مستقبلاً.
لغة المساحة والتأثير الدرامي
لا يُعد اختيار مقاس اللوحة في المشروع الفني أمرًا عشوائيًا أو مسألة صدفة إنما هو قرار درامي بامتياز يتعلق بنوع العلاقة التي يريد الفنان بناءها مع المشاهد. يعرف الفنان الخبير أن المساحة الكبيرة الضخمة تفاجئ المشاهد وتفرضه داخل اللوحة بينما المساحات الصغيرة تدعوه للاقتراب والهمس والتركيز في التفاصيل الدقيقة.
يبدأ الفنان بتوزيع أحجام أعماله وفق رؤية معمارية؛ لوحة جدارية ضخمة تتوسط المشروع لتكون هي البؤرة أو المركز الثقيل للموضوع تحيط بها لوحات بمقاسات متوسطة تشرح الأفكار الفرعية وأعمال صغيرة جداً تُشبه المذكرات الشخصية أو المقاطع المقتطعة من الحكاية الكبرى، هذا التوازن في المقاسات يمنح المشروع إيقاعًا بصريًا ممتعًا يحمي الزائر من الرتابة والملل أثناء التنقل بين الأعمال.
كتابة الرواية بالفرشاة واللون
كما يكتب الروائي فصول روايته متسلسلة لتقود القارئ نحو الذروة يضع الفنان تخطيطًا زمنيًا وبصريًا لإنتاج لوحاته، يبدأ بتنفيذ «اللوحة الافتتاحية» التي تطرح الفكرة في صورتها العامة ثم ينتقل للأعمال التي تتعمق في التفاصيل وتصعّد التوتر البصري وصولاً إلى الأعمال التي تقدم حلولاً أو نهايات مفتوحة للجمهور.
يستعين الفنان في مرسمه بمخطط يضعه بجدار مرسمه، حيث يعلق الرسوم المصغرة لكل اللوحات على جدار واحد، ليرى كيف تتنفس الأعمال بجوار بعضها بعضا، وكيف تنتقل العين بينها بسلاسة وكيف تتوزع الألوان الرئيسية والكتل المظلمة دون أن تحدث صدمات غير محسوبة تشوش على الفكرة الكلية.
مواجهة الشك ولحظات الانسداد
في منتصف الطريق، وحين تنتصف اللوحات في المرسم يصل الفنان إلى أكثر المراحل قسوة في بناء المشروع: «صراع المنتصف». هنا تبدأ العاطفة الأولى بالتلاشي ويتسلل الشك ليقف بجانب الفنان كأنه طيف ثقيل، ينظر إلى لوحاته الشبه مكتملة ويسأل نفسه بهمس: «هل هذا حقًا ما أردت قوله؟ أم أنني أصنع تكرارًا لا قيمة له؟».
يتوقف القلم وتتجمد الفرشاة في الهواء أمام مساحات بيضاء تبدو كالهاوية، تتراكم الأقمشة الممتلئة بالألوان ويغرق المرسم في فوضى عارمة تعكس الفوضى الداخلية للفنان، يتطلب تجاوز هذه المرحلة شجاعة فائقة حيث يدرك الفنان النضج أن الشك ليس دليلاً على الفشل، هو أداة فلترة صلبة. يتعلم أن يبتعد عن مرسمه لأيام يخرج للمشي، يستمع للموسيقى أو يترك اللوحات في العتمة كي تنضج في غيابه. وحين يعود يحمل جرأة قشط الطبقات الضعيفة وإعادة بناء المساحات من جديد، في هذه المواجهة القاسية بالذات تتخلّص الأعمال من هشاشتها وتكتسب صلابتها الفنية الحقيقية.
الخيط السري الذي يربط المجموعة
إن أكبر نقطة ضعف قد تسقط فيها المشاريع الفنية هي أن تبدو اللوحات وكأنها أُنتجت بصدف متفرقة ولا يجمعها سوى إطار واحد أو موضوع عام، الترابط البصري والفكري هو الروح الحقيقية لأي مشروع ناجح.
هذا الترابط لا يعني التكرار الممتلئ بالملل إنما تحقيق وحدة التنوع. تترابط الأعمال من خلال تكرار رمز معين بشكل متطور من لوحة لأخرى أو عبر الاستمرار في نغمة لونية محددة تتردد في أرجاء القاعة أو من خلال وحدة ضربات الفرشاة وملمس السطح. حين يتجول الزائر بين اللوحات يجب أن يشعر أنه يقرأ صفحات متصلة من كتاب واحد كل صفحة تُكمل سابقتها وتُمهّد لما يليها، دون أن تفقد أي لوحة قيمتها الجمالية الخاصة إذا ما وُضعت منفردة خارج المجموعة.
صياغة البيان الفني والكتالوج
مع الاقتراب من اللمسات الأخيرة يدخل الفنان مرحلة ترجمة المرئي إلى مكتوب، عبر صياغة «البيان الفني» وتصميم الكتالوج الخاص بالمعرض. هذه الخطوة ليست مجرد إجراء شكلي، هي الجسر اللغوي الذي يعبر عليه المشاهد نحو العالم الداخلي للوحات.
يجلس الفنان أمام ورقة بيضاء جديدة لكن هذه المرة ليكتب بالكلمات لا بالألوان، يحاول اختزال شهور من البحث والتجريب في سطور مكثفة وشفافة، لماذا اختار هذا الموضوع؟ ما الذي تعنيه هذه الملامس والألوان؟ وكيف تشكلت هذه المجموعة؟ يتطلب البيان الفني توازنًا دقيقًا بين الوضوح والشاعرية فهو لا يقدم «تفسيرًا كشفيًا» يقتل غموض اللوحات ويسلب المشاهد متعة التأويل بل يقدم مفتاحاً بصرياً يفتح الباب دون أن يدخل كل الغرف. يرافق ذلك إعداد الكتالوج الذي يوثق تاريخ كل قطعة، مقاساتها، وخامتها، لتكون هذه المطبوعة هي الأرشيف الذي يحفظ المشروع الفني ويخلده في مكتبات الفن حتى بعد انتهاء المعرض وتفكيكه.
الميلاد النهائي وسط الضوء
تكتمل الأعمال أخيراً، وينتهي صخب المرسم وعزلته الطويلة التي استمرت شهوراً أو سنوات، يجف الزيت وتُؤطر اللوحات ويحين موعد خروج السر السامي إلى العلن.تنقل الأعمال إلى صالة العرض (الجاليري) وتتحول مرحلة البناء البصري إلى مرحلة «السينوغرافيا»؛ كيف ستُوزع الإضاءة للتركيز على الملامس؟ ما هي المساحات الفاصلة بين كل لوحة وأخرى لتوفير مساحة للتنفس؟ كيف سيمشي الزائر في القاعة ليكتشف التسلسل الدرامي؟
يُفتح الباب وتُسلط الأضواء على اللوحات التي ظلت طويلاً تتخلق في ظلال المرسم، يقف الفنان في زاوية القاعة يراقب وجوه الزوار وهم يتأملون أعماله، قد لا يعرف الجمهور كم ليلة سهرها هذا الفنان، كم مسودة مزقها، وكم صراعًا خاضه ليختار مقاس لوحة أو درجة لون... لكنهم حتماً سيشعرون بتلك الطاقة السحرية، طاقة مشروع فني بُني بحب وشغف وتخطيط صارم ليبقى حيًا في ذاكرتهم ووجدانهم إلى الأبد.
** **
x: AL_KHAFAJII