عبدالرحمن بن عمران
عندما يخسر الفريق المباراة، تبدأ المدرجات في البحث عن المذنب.
المدرب؟ اللاعبون؟ أم الحكم؟
أسهلهم دائما الحكم؛ فهو أمامنا، نراه، ونستطيع أن نحمله مسؤولية النتيجة. لكن ماذا لو كان أداء الفريق ضعيفا، أو أداء الفريق المنافس أقوى، وأي ظروف أخرى؟ الظروف لم تكن في صالحه؟ هل يستطيع الحكم أن يسجل هدفا نيابة عنه؟
شيء من ذلك القبيل يحدث عندما نتحدث عن سوق الأسهم.
عندما يتراجع السوق، تتجه الأنظار سريعا إلى هيئة السوق المالية، وكأن من مهامها أن تجعل المؤشر أخضر، أو أن تعيد سهما خاسرا إلى سعره السابق. ومع تولي مازن السديري رئاسة الهيئة، من الطبيعي أن ترتفع التوقعات، لكن ربما كان من المفيد أولا أن نتفق: ماذا ننتظر أصلا من رئيس هيئة السوق المالية؟
ليس من مهامه أن يسجل الأهداف.
فالأسعار تحركها عوامل كثيرة: نتائج الشركات، أسعار الفائدة، السيولة، التقييمات، أسعار النفط، الظروف الاقتصادية العالمية، وأحيانا مزاج المستثمرين أنفسهم. وهذه كلها «لاعبون» داخل الملعب لا يستطيع المنظم أن يأمرهم بتسجيل هدف.
لكن إعفاء الحكم من مسؤولية النتيجة لا يعني إعفاءه من المسؤولية.
فالحكم السيئ قد لا يصنع الهزيمة، لكنه قد يفسد المباراة. وحين يتغاضى عن المخالفات، أو تتفاوت صرامته، أو تصبح قراراته غير مفهومة، يبدأ الجمهور في فقدان الثقة، ليس في النتيجة فقط، وإنما في الملعب نفسه.
وهنا تحديدا تبدأ مسؤولية هيئة السوق المالية.
ليس مطلوبا منها أن ترفع سهما، ولا أن تنقذ مستثمرا من قرار اتخذه، ولا أن تجعل المؤشر أخضر كل صباح. لكن من حق المستثمر أن ينتظر سوقا تكون فيه المعلومة واضحة ومتاحة بعدالة، والإفصاح جادا وفي وقته، والمخالفات تحت الرقابة، والأنظمة تطبق على الجميع.
فالهيئة لا تملك أن تعدنا بالربح، لكنها تستطيع أن تجعلنا نثق بالملعب.
وحتى الحكم نفسه لم يعد كما كان.
جاءت تقنية «الفار» لتمنحه عينا إضافية؛ تعيد اللقطة، وتكشف ما قد لا تلتقطه العين في لحظته، وتقلل مساحة الخطأ البشري. لم تجعل «الفار» الحكم مسؤولا عن النتيجة، لكنها رفعت سقف ما ننتظره منه في تحقيق العدالة.
وأسواق المال اليوم لديها «فار» من نوع آخر.
التقنية، وتحليل البيانات، والأنظمة الرقابية الحديثة تستطيع تتبع التداولات ورصد الأنماط غير الطبيعية وربط المعلومات بسرعة وقدرة لم تكن متاحة قبل أعوام. وكلما تطورت هذه الأدوات، ارتفع معها - وبشكل مشروع - سقف توقعات المستثمر من الجهة المنظمة.
فكما لم يعد مقبولا من حكم يملك «الفار» أن يتصرف وكأنه لا يملكه، لا ينبغي أن تبقى الرقابة في سوق سريع ومتطور بأدوات الأمس.
لكن هنا أيضا ينبغي ألا نذهب إلى الطرف الآخر.
قوة الرقابة لا تعني ضمان الأرباح، وعدالة السوق لا تعني أن أسعار الأسهم لن تنخفض. بل إن السوق الناضج هو الذي يسمح للأسعار أن ترتفع وتنخفض وفق معطياتها، من دون أن يشعر المستثمر أن هناك من يملك معلومة لا يملكها الآخرون، أو أن قواعد المباراة تختلف باختلاف اللاعبين.
ومن هنا، ربما يكون من المبكر أن نسأل ماذا سيفعل مازن السديري بالمؤشر؟
الأجدر أن نسأل، بعد الوقت الكافي: ماذا حدث بالملعب؟
هل أصبحت المعلومة أكثر عدالة؟ هل تحسنت جودة الإفصاح؟ هل أصبحت الرقابة أكثر ذكاء واستباقية؟ هل ازدادت ثقة المستثمر بأن المخالفة ستكتشف وأن النظام سيطبق؟ وهل أصبح السوق أكثر جاذبية وكفاءة وشفافية؟
تلك أسئلة يمكن أن نحاسب عليها الحكم.
أما نتيجة المباراة، فلها لاعبون آخرون.
قد لا يستطيع الحكم أن يمنح فريقك الفوز، لكن من حقك أن تطمئن إلى أن المباراة لم تحسم خارج الملعب (مطبوخة).