سلمان بن محمد العُمري
إنَّ تربية الناشئة والشباب على سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- ليست مجرد سردٍ لقصص تاريخية أو أحداثٍ مضت، بل هي بناءٌ للهوية، وتحصينٌ للفكر، ورسمٌ لمعالم الطريق في دينهم ودنياهم؛ فشباب اليوم هم قادة الغد، وهم بأمسّ الحاجة إلى قدوة حية ومثالية تجمع بين سموّ الروح وحكمة الفعل.
وتكمن أهمية ربط الجيل الصاعد بالسيرة النبوية العطرة في أن السيرة مدرسة متكاملة لتعليم الصبر، والصدق، والأمانة، والعدل، والشجاعة، وهي القيم التي تصنع شخصية متزنة وقوية، ويتعلم الناشئة كيف واجه النبي -صلى الله عليه وسلم- الصعاب والتحديات، وكيف خطط وعمل، مما يزرع في نفوسهم الأمل والإيجابية، ويعلمهم أن النجاح في الدنيا والنجاة في الآخرة يتطلبان بذل السبب مع التوكل على الله، وفي تعلم السيرة فائدة مهمة للغاية وهي تعميق محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فلا تنبت المحبة الصادقة إلا بمعرفة المحبوب؛ ومعرفة تفاصيل حياته وشفقته بأمته تزرع في قلوب الشباب حبّاً يثمر طاعةً واتباعاً.
ومن كمال الإيمان الصادق محبة رسول الأمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، ومحبته واجب شرعي، وشرط أساسي لصحة الإيمان، بل لا يكتمل إيمان المسلم بدونه، يقول- عليه الصلاة والسلام-: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين».
ومحبته تقتضي طاعته، واتباع سنته، والتأسي بأخلاقه، وتقديم هديه على كل محبة دنيوية.
ومحبة الله لا تحصل للعبد إلا باتباع النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال الله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } (31) سورة آل عمران، وقال النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم-: «ثلاث من كنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذف في النار».
إن غرس محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في نفوس الناشئة ينطلق من الأسرة، وترسخها بيئة التعليم، ويتحقق ذلك عبر ربطهم بسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- العطرة، واستخدام أساليب تربوية جذابة وعملية تُبرز أخلاقه ورحمته، مما يجعله القدوة الحسنة والمثل الأعلى في حياتهم اليومية.
هناك نماذج وضاءة لبعض القطاعات التعليمية، وخارج نطاق المناهج الدراسية المعتمدة من قبل وزارة التعليم، تم تقديمها للطلاب والطالبات وفق برامج علمية عميلة محكمة، ومنها برنامج «حياة محمدية» الذي نفذته إحدى المدراس النموذجية المتميزة، التي طبقت المعنى الحقيقي للمدرسة باعتبارها بيئة تعليم وتربية وتهذيب، وحققت تلك البرامج نجاحات طيبة لمس آثارها الأسر في أبنائهم.
ركزت تلك البرامج على غرس محبة الله ورسوله باعتباره فرضا بل أفرض الفروض، وتقديمها على محبة كل شيء، وذلك عن طريق التعليم المباشر، وتطبيق الممارسة العملية من خلال التعامل وفق المنهج المحمدي النبوي الذي يدعو إلى تكريس مكارم الأخلاق والفضائل.
لقد عني البرنامج بتربية الطلاب والطالبات من خلال تقديم المنهج النبوي في تربية النشء مستندة إلى مواقف نبوية وتوجهات تربوية خالدة، كما ركزت البرامج على التعرف على أخلاق النبي -صلى الله عليه وسلم- وشمائله والتعرف على جوانب شخصية الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام وصفاته الخلقية والسلوكية التي كانت أنموذجاً فريداً في الأخلاق والتعامل مع الناس، كما اعتمدت البرامج التعليمية على التأسيس العملي والربط الوجداني، وفق مسارات تفاعلية ترتكز بربط السيرة النبوية بالواقع وتحويل الأخلاق من مجرد نصوص نظرية إلى سلوكيات يومية.
وإذا كان تعليم الأبناء السيرة النبوية وشمائلها المحمدية واجبا شرعيا، فإنه ضرورة حتمية لإكساب الطلاب والطالبات المهارات والقيم وتطويرها إلى جانب التحصيل الأكاديمي، فالمجتمع بأسره يحتاج إلى برامج «حياة محمدية».