أ.د.عمر بن عبدالعزيز المحمود
يبدو أن الحصول على لقب (خبير) أصبح في السنوات الأخيرة أيسر من الحصول على موعد في عيادة أسنان! فالأمر لا يحتاج إلا إلى حساب في إحدى وسائل التواصل، وصورة شخصية يضع صاحبها يده فيها تحت ذقنه، ونظرة بعيدة توحي بأنه يفكر في مصير البشرية، ثم سطر صغير تحت الاسم يخبرنا بأنه (مهتم) بالشأن العام، وبعد ذلك تبدأ رحلة الخبرة التي تتسع يوماً بعد يوم حتى تشمل كل ما عرفه الإنسان من علوم ومعارف، وربما امتدت إلى أشياء سيعرفها الإنسان مستقبلا، فصاحبنا يملك رأياً في كل قضية، وتحليلاً لكل حدث، وتفسيراً لكل ظاهرة، ويشعر بمسؤولية أخلاقية تجاه متابعيه تدفعه إلى إخبارهم برأيه في أي شيء يحدث فوق هذه الأرض.
يبدأ يوم خبيرنا عادة مع خبر اقتصادي، فيشرح للناس أسباب ارتفاع الأسعار، ويتحدث عن التضخم وأسعار الفائدة وحركة الأسواق العالمية، ويقدم خلال دقائق حلولاً عجز عنها كبار الاقتصاديين، ثم ينتقل بعد فنجان القهوة إلى خبر طبي، فيشرح أسباب المرض، ويناقش طرق العلاج، ويحذر من دواء، وينصح بآخر، ويطلب من متابعيه أن يهتموا بصحتهم، وبعد الظهر تقع أزمة سياسية في دولة بعيدة، فيترك الطب مؤقتاً، ويرتدي عباءة المحلل السياسي، ويشرح تاريخ الصراع، وموازين القوى، والمصالح الدولية، ويتنبأ بما سيحدث خلال الأشهر القادمة، ثم تأتي المساء مباراة مهمة، فيتحول الرجل نفسه إلى مدرب خبير، ويشرح أخطاء المدرب، ويعيد توزيع اللاعبين، ويؤكد بثقة أن الفريق كان سيحقق الفوز لو استمع مدربه إلى التغريدة التي كتبها قبل المباراة بنصف ساعة.
ومع كل هذا النشاط المعرفي الهائل، يجد صاحبنا وقتاً للحديث عن التربية، والزواج، والطلاق، والاستثمار، والعقار، والذكاء الاصطناعي، والتعليم، والأدب، والفن، والتاريخ، وعلم النفس، وربما علم الفلك إذا ظهر في السماء جرم أثار اهتمام الناس، فهو رجل يشعر أن الصمت أمام أي قضية نوعٌ من التقصير في أداء رسالته الإنسانية، وأن مرور حدث دون تعليق منه قد يحرم المجتمع من زاوية بالغة الأهمية، ولهذا يبقى متأهباً طوال الوقت، يحمل هاتفه كما يحمل الطبيب حقيبة الطوارئ، ينتظر خبراً عاجلاً حتى يقدّم للبشرية الإسعافات التحليلية الأولية.
لقد منحت وسائل التواصل هذا الخبير فرصة لم يحلم بها أسلافه؛ فالعالم القديم كان قاسياً بعض الشيء، وكان الوصول إلى منزلة العالم أو المفكر أو المتخصص يحتاج إلى سنوات طويلة من القراءة والدراسة والتجربة، أما (عالم المنصّات) فقد اختصر الطريق، وصارت الثقة في الإلقاء قادرة على تعويض كثير من سنوات التحصيل، وأصبح ارتفاع عدد المتابعين شهادة علمية مفتوحة التخصص، وكلما زادت الأرقام اتسعت دائرة المعرفة، حتى يشعر صاحب المليون متابع أن من حقه أن يصحح للطبيب طبه، وللمهندس هندسته، وللأديب أدبه، وربما غضب من المتخصص إذا خالفه، واتهمه بالعيش داخل البرج الأكاديمي بعيدًا عن الواقع.
والطريف أن جمهور المنصات يسهم في صناعة هذه الشخصية، فما إن يكتب صاحب الحساب رأياً في موضوع يقع خارج تخصصه حتى يأتيه يعقب عليه أحد المتابعين: (أبدعت كعادتك)، ويضيف آخر: (تحليل عميق)، ثم يدخل ثالث أكثر حماسة فيطالبه بإقامة مساحة صوتية لشرح الموضوع، وهنا يبدأ الرجل نفسه في تصديق الأمر، ويشعر أن الأمة كانت تنتظر رأيه منذ سنوات، فيحدد موعداً للمساحة، ويدخل مئات المستمعين، ويخرج منها وقد أُضيف تخصص جديد إلى سيرته الذاتية.
ولهذا الخبير قاموسه الخاص، فهو يحب العبارات الحاسمة؛ لأن التردد قد يسيء إلى الهيبة، ولهذا تسمعه يقول: (الموضوع واضح)، و(القضية محسومة)، و(قلت هذا سابقا)، و(الأيام ستثبت كلامي)، ويكثر من استخدام عبارة (من وجهة نظري) في المواضع التي يوشك بعدها أن يقدّم وجهة نظر البشرية كلها، كما يستعمل (بكل بساطة) قبل أن يشرح قضية اختلف فيها المتخصصون عشرات السنين، فتشعر بعد حديثه أن العلماء بالغوا كثيراً في تعقيد المسألة، وكان يمكنهم اختصار كل تلك المؤلفات في منشور من ثلاثة أسطر.
أما إذا أخطأ التوقع فالأمر أسهل مما نتصور؛ إذ تختفي التغريدة القديمة في زحام الحساب، وتأتي أحداث جديدة، ويعود الخبير إلى ممارسة عمله المعتاد، فذاكرة المنصات قصيرة، والجمهور مشغول، والأخبار تتلاحق بسرعة تمنح الجميع فرصة دائمة للبدء من جديد، وقد يحدث أن يذكّره أحد المتابعين بتوقّع سابق، فيشرح له أن الظروف تغيّرت، والمعطيات تبدّلت، وأن كلامه كان صحيحاً (وفق المعطيات المتاحة حينها)، وهي عبارة عظيمة تستحق أن توضع خلف كل محلل دائم؛ لأنها تمنحه القدرة على إصابة الهدف بعد أن يستقر السهم في مكان آخر!
وتزداد المسألة طرافة حين يدخل هذا الخبير في نقاش مع متخصص حقيقي، فالمتخصص المسكين يبدأ بشرح التفاصيل، ويذكر الاحتمالات، ويتحدث عن حدود معرفته، ويحتاج إلى مقدمات واستثناءات وشروط، بينما يدخل خبيرنا المعركة خفيفاً من هذه الأعباء كلها، ويقدم حُكمه في جملة واحدة، فيبدو أمام الجمهور أكثر فهماً ووضوحا، وقد يخسر المتخصص النقاش بسبب تخصصه؛ لأن المعرفة العميقة تجعل صاحبها يرى تعقيد الأشياء، أما المعرفة السريعة فتمنح صاحبها شجاعة لا تعرفها الكتب.
وربما تكشف هذه الظاهرة شيئاً يتجاوز حدود السخرية، فوسائل التواصل أعادت تشكيل مفهوم المعرفة في أذهان كثير من الناس، وربطت القيمة بسرعة الحضور، ومنحت الجملة الواثقة قوة تفوق السؤال المتأني، وجعلت الرأي متاحاً للجميع في كل وقت، ثم اختلط الحق في التعبير بالقدرة على إصدار الأحكام، وصار بعض الناس يقيسون معرفتهم بمقدار ما يستطيعون الحديث عنه، مع أن الإنسان كلما اتسعت معارفه أدرك حجم المساحات التي ما زال يجهلها.
ولهذا سيظل خبيرنا حاضراً بيننا، يستيقظ كل صباح منتظراً أحداث العالم كي يوزّع عليها خبراته، ويقفز من الاقتصاد إلى الطب، ومن السياسة إلى الرياضة، ومن التربية إلى النقد الأدبي، وهو يؤدي هذه الرحلة اليومية بثقة يحسده عليها كبار العلماء، وربما كان علينا أن ندعو سرّاً إلى أيام هادئة تخلو من الأخبار والأزمات والمباريات والمشكلات الاجتماعية، حتى يحصل صاحبنا على إجازة قصيرة يستريح فيها من أعباء إنقاذ العالم، ونستريح نحن قليلاً من خبراته.