عبدالعزيز بن سليمان الحسين
منفوحة ليست مجرد بلدة قديمة أصبحت اليوم جزءًا من عاصمتنا الرياض، بل هي صفحة حية من تاريخها وذاكرتها الوطنية، تختزن بين جنباتها إرثًا تاريخيًا وثقافيًا واجتماعيًا يستحق أن يُعاد اكتشافه وتقديمه للأجيال.
ومن هنا، فإن إعادة اكتشاف منفوحة لا ينبغي أن تتوقف عند توثيق تاريخها، بل تمتد إلى إحياء المكان واستثماره ثقافيًا وسياحيًا، من خلال تنظيم رحلات ثقافية إلى مواقعها التاريخية، وزيارات للمزارع والنخيل القديمة، والتعريف بأبراجها ومساجدها العريقة، وواديها وشعابها، وما تختزنه من حكايات وقصص وذاكرة اجتماعية.
ولعل من الأفكار الجميلة كذلك تأهيل بعض المزارع والنخيل التاريخية، مع المحافظة على هويتها، لتكون وجهات ريفية وترفيهية ومنتجعات صغيرة لسكان العاصمة، تجمع بين الطبيعة والتراث، على غرار بعض التجارب الجميلة في مناطق ومحافظات المملكة.
وفي هذا السياق، أتقدم بخالص الشكر والتقدير لأمانة منطقة الرياض، ولسمو أمين منطقة الرياض، وإدارة الثقافة في الأمانة، على ما يولونه من اهتمام بتاريخ العاصمة وموروثها، وحرصهم على دعم الحراك الثقافي والتاريخي الذي يعيد للأماكن القديمة حضورها في الذاكرة المعاصرة.
ومن المبادرات الجميلة في هذا المجال برنامج «ذكريات بلدة منفوحة»، الذي تقيمه ديوانية آل حسين التاريخية، برعاية أمانة منطقة الرياض، للتركيز على تاريخ منفوحة وحياتها الاجتماعية ومعالمها وموروثها، بمشاركة نخبة من الأدباء والمؤرخين والمثقفين.
وقد شهدت الحلقة الأولى مشاركة المؤرخ القدير الدكتور راشد بن عساكر، الذي تناول جوانب من تاريخ منفوحة، كما تحدث المؤرخ القدير الدكتور عبدالعزيز الفيصل في محاضرة بعنوان: «منفوحة تبحث عن اسمها»، في طرح يفتح أبوابًا جديدة للبحث والتأمل في تاريخ هذه البلدة العريقة، التي أصبحت حيًّا من أحياء عاصمتنا الغالية الرياض.
ومثل هذا الحراك الثقافي والأدبي له أثر جميل في وصل الأجيال بتاريخ عاصمتهم، وتعريف أبناء الرياض بتاريخ الأماكن التي يعيشون في رحابها اليوم، كما يلفت أنظار الإعلاميين والأدباء والمثقفين إلى أهمية هذا العمق التاريخي والثقافي لعاصمة المملكة العربية السعودية.
إن منفوحة تملك مقومات تجعلها وجهة ثقافية وسياحية حية، لا مجرد موقع نتحدث عن ماضيه؛ فهي بلدة عريقة أصبحت اليوم في قلب الرياض، عاصمة المملكة، ومركز الثقافة والقرار والحراك الحضاري.
ومن المؤكد أن إعادة توثيق تاريخ منفوحة، وإحياء معالمها، وفتح أبوابها للزائرين، عمل تاريخي وثقافي ووطني؛ لأنه يحفظ ذاكرة المكان، ويصون الهوية، ويجعل الماضي شريكًا في صناعة مستقبل العاصمة.
فالمدن العظيمة لا تنسى جذورها، والرياض، عاصمة وطننا العظيمة، وهي تتجه بثقة نحو المستقبل، تستحق أن تحفظ ذاكرتها، ومنفوحة واحدة من الصفحات التي لا ينبغي أن تُطوى من كتاب تاريخها.