أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
تطرَّقنا في المساق الماضي إلى بعض إشكالات الترجمة العَرَبيَّة في العصر الحديث، وهي مرآة صادقة للُّغة العَرَبيَّة المعاصرة، والوحدة العَرَبيَّة «المعاصرة» أيضًا. وعرضنا بعض ما جاء في «دائرة المعارف الإسلاميَّة»، نموذجًا. وقد جاء في الترجمة، حول مادَّة (جازان)، للمستشرق (جورج س. رنتز George Snavely Rentz، (-1987)، من ترجمة (إبراهيم زكي خورشيد)، ما نصُّه: «جى بين الفتحة والكسرة، وجى، وجو، وقلما يقال زى بين الفتحة والكسرة (بين قبيلة الـمَسارِحَة)». وهذا كلامٌ ملغِزٌ، وطِلَّسْمٌ اجتمع فيه تخليط المعلومة، مع سوء الترجمة. إضافة إلى الحرف المِصْري المشوَّه الرسم، الذي لا يفرِّق بين الألف المقصورة والياء. فهل «جى»: (جيم وألف مقصور)؟ أم «جي»: (جيم وياء)؟
ـ ثمَّ كيف يُصبِح حرفان معًا في حركةٍ بين الفتحة والكسرة؟!
ـ وقد عطفَ المترجِم، لتزداد طينته بِلَّة بالقول: «وجى، وجو، وقلما يقال زى بين الفتحة والكسرة!» فهل فهمتم شيئًا؟!
ـ أنا لم أفهم!
ـ ولا أنا! و(رنتز) إنَّما أراد القول، والله أعلم: إنَّ الاسم يُنطَق: «جَيزان»، أو «جِيزان»، بفتح الجيم أو كسرها. لكنَّ المترجِم لم يكن يأبه بما أراد الكاتب، ولا يُحسِن هو التعبير عمَّا يريد.
ـ أمَّا (جو: جوزان)، فلم يسمع بها أحد!
ـ ولا ندري عن مدَى صحَّة قوله: «زى بين الفتحة والكسرة (بين قبيلة المسارِحَة)»؟ إذ لم نسمع أحدًا يُسمِّيها: زيزان ولا زازن، لا من (المَسارِحَة) ولا من غيرهم! على أنَّ في الترجمة تلبيس- سيتضح بالعودة إلى النصِّ الإنجليزي- في قوله: «وقلما يقال زى بين الفتحة والكسرة (بين قبيلة الـمَسارِحَة)». ما يفهم منه أنها تنطق الجيم زايًا، غير أن ذلك قلما يحدث في استعمال قبيلة المسارحة! وهذا بعكس ما ذكره (رنتز)، الذي زعمَ أنَّ هذا النطق النادر، مسموع لدَى المسارحة دون سِواهم.
ـ إنَّ المآخِذ في هذا كُلِّه ليست على (رنتز)، كاتب هذه المادَّة من دائرة المعارف؛ لأنَّه غير عَرَبيٍّ أصلًا، ليفهم اللُّغة قبل فهم المحتوى والمعنى.
ـ وهو مع ذلك قد اجتهد، محاولًا نقل استعمالات الناس الصَّوتيَّة اللُّغويَّة بأمانة، غير أنَّ المترجِم العَرَبي أضاع ذلك الاجتهاد. ولذا لا مناص من توجيه اللَّوم الشديد إلى المترجِم.
ـ لماذا؟
ـ أوَّلًا، هو لا يكتب بإملاءٍ عَرَبيٍّ سليم؟ ليعرف القارئ أهو أمام ألف مقصورة؟ أم ياء منقوطة؟
ـ ربما شارك المترجِمَ في الملام الطابعُ، الذي برمجَ آلته على عدم التمييز بين صورتَي حرفَين من حروف العَرَبيَّة.
ـ إذا لم يعُد المترجِم يميِّز الحروف العَرَبيَّة، فليته كان يُثبِت الأسماء كما هي بالحروف اللَّاتينيَّة؛ ليريح ويستريح!
ـ وقطعًا لن يجد باللَّاتينيَّة، ولا في أيِّ لُغة بَشَريَّة، حرفَين يُكتبان برسمٍ واحد، كهذا التخليط بين الألف والياء، وما خفي بينهما أعظم!
ـ ما وُجدت الرموز الكتابيَّة إلَّا لتمييز أصوات اللُّغة بعضها عن بعض. عِلمًا أنَّ هذا التخليط قد جاء في الطبعة المِصْريَّة (1969)، وأُعِيدَ في طبعة (الشَّارقة، 1998)، فظلَّ الحرفَان المشار إليهما يُرسمان برسمٍ واحد، على الطريقة المِصْريَّة المعهودة. وبذا حافظت الطبعة الأخيرة على سيِّئات الطبعة الأُولى، وتخلَّت عن بعض حسناتها!
ـ تُرى أن الترجمة، في النهاية، مجرَّد عملٍ آليٍّ، يقتحمه المترجِمُ أعمَى أصمَّ، لا يتدبَّر ما يُترجِم، ولا يَسأل، ولا يطَّلع، ولا يُعلِّق، ولا يُصحِّح ما قد يقع في الأصل من عيوب أو أخطاء؟!
ـ ليت الأمر اقتصر على هذا! بل المترجِم يضيف إلى النصِّ عيوبًا وأخطاء من عنده؟!
ـ هذا مع كثرة أسماء القائمين على مراجعة الترجمة والإشراف العِلمي على موادِّها.
ـ لِنَعُدْ- بعيدًا عن نقد هذه الترجمة، التي لا عَرَبيَّةً مبينةً جاءت ولا أعجميَّة- إلى النصِّ الإنجليزيِّ، للنَّظَر في حكاية ما ورد فيها من إبهام: «نطق جيزان هي: جى بين الفتحة والكسرة، وجى، وجو، وقلما يقال زى بين الفتحة والكسرة (بين قبيلة المَسارِحَة)». كي نتأكَّد: أهي كذلك في النَّصِّ الإنجليزيِّ؟ وهل (الإنجليز) كبعض (العُربان) لا يفرِّقون بين الحروف الهجائيَّة في لغتهم، فيكتبون (جي/ جيم ياء) و(جى/ جيم ألف) برسمٍ واحد؟! أم أنَّ العِلَّة في المترجِم؟! ها هو ذا نصُّ ما كتبه (رنتز)(1):
Variant pronunciations are Dj?-, Dji?-, Dj?-, and rarely Z?- (among the tribe of the Masa?riha).
فانظر كيف كتبَ لك كلمة (جَى) هكذا: Dj?، على حين كتب (جِي) هكذا: Dji?. بل أضاف علامات التشكيل (macrons)(2) على الحرفين (?) و(i?)، وكذا على الحرف (?). أمَّا المترجِم فكتبَ الألف والياء برسمٍ واحد، وليقرأ القارئ ما شاء كما شاء، وليفهم أو لا يفهم، لا يهم! كما يتضح ما أشار إليه حول النطق النادر لجيم (جازان) زايًا لدى (المسارحة).
ـ وبذا تنتفي المعلومة اللُّغويَّة الصوتيَّة التي حاول المؤلِّف تسجيلها حول نُطق الاسم.
ـ نعم. وكذا ذكرَ (رنتز) (3) ما يلي:
Among the mountains belonging to Djayza?n are those of al-?ahr, Har?b, al-Rayth, Ban? Ma?lik, and Fayfa?, all of which are 50 km. or more from the coast.
فكتبَ اسم جبال (فَيْفاء) بصورته العَرَبيَّة الصحيحة؛ لم يكتبه (فِيفاء)، بكسر الفاء الأُولى، كما يفعل بعض العَرَب. وأثبتَ المدَّ على آخِر الاسم، بما يدلُّ على أنَّه ليس (فَيْفا)، بالقصر، كما درجَ العوامُّ لدينا على قصر كلِّ ممدود، بل هو: (فَيْفاء). والعامِّيَّات تَميل عادةً إلى إمالة كلِّ منصوب، وكسر كلِّ مرفوع، وقصر كل ممدود. فلا تُطيق من النطق إلَّا ما دنا وسهل وماع.
ـ لو أنَّه كتبَ الاسم هكذا: (Faif??)، لكان أدقَّ، للتعبير عن صوت الهمزة.
ـ لكن كيف سينقل إلينا المترجِم ذلك الرَّسم الدَّقيق بالإنجليزيَّة. هنا مشكلات مركَّبة، وكُساح مزمن، في الإملاء، واللُّغة، والأسلوب، مع تعصُّب كل قُطْرٍ عَرَبيٍّ لموروثاته، مهما كانت سقيمة.
ـ تحيا الوحدة العربيَّة!
ـ لقد رأينا إشكال المترجم في عدم التفريق بين (الياء والألف المقصورة)، غير أنَّه هنا سيكشف لك عن إشكال آخَر، في عدم التفريق بين (الألف الممدودة والألف المقصورة)! لذا كتبَ الاسم هكذا: «فَيْفَى»!(4) ولا غرو، إذ يبدو أنَّ العَشَى الإملائي كان مستفحلًا لدَى المترجِم في عدم التفريق بين الألف المقصورة والممدودة أيضًا؛ فهو يكتب الممدودة مقصورة تارةً، كما رأينا في «فَيْفَى»، وتارةً أخرى يكتب المقصورة ممدودة، فيكتب اسم (يحيَى) هكذا: «يحيا»! ويظهر إشكال عدم التمييز بين الياء والألف المقصورة عند المترجِم كذلك في قوله: «فإذا كان هذا صحيحا، فإن انتصار على فى معركة الزرائب لا يمكن أن يقع إلا سنة 460هـ !» فما معنى «انتصار على فى...»؟! وهل في اللُّغة العَرَبيَّة كلمة هكذا «فى»، (بالألف)؟! لن تفهم النصَّ العَرَبي. ولكن عُدْ إلى النصِّ الإنجليزي:
If this is correct, ?Ali)s victory in the battle…(5)
فالمؤلِّف كان يشير إلى (علي بن محمَّد الصليحي)- الذي صار اسمه، حسب كتابة المترجِم: (على [بالألف] بن محمد الصليحى [بالألف])!
وللحديث بقيَّة.
* مرفأ:
ولَوْلا نَقْشُ (ذِيْ يَزَنٍ) بِـ(سَيْفٍ)
لَـمَا هَطَـلَ السُّيُـوْفُ دَمـًا تَـوَالَـى
فـحَـرَّرَ أُمَّــهُ مِـنْ كُـلِّ أَفْـعَـــى
مِنَ (افْرِيْقِـيَّـةٍ) زَحَـفَتْ شَـمَـالا
ومَهْـما الْـتَـمَّ مِنْ حَـطَبٍ ولَـيْـلٍ
فَـإِنَّ شَــرَارَةً تَـشْـفِـيْ الـنِّـزَالا!
مَـتَى سَيْـفٌ سَيُـوْلَـدُ في جُـفُـوْنٍ
تَطَـاوَلَ نَـوْمُـها حِـقَـبًا طِـوَالا؟
يُـحَـرِّرُ أُمَّــهُ مِـنْ زَحْــفِ صِـلٍّ
شَـمَـالِـيٍّ عَلَـيْـنَا الـيَـوْمَ صَـالا!
ـــــــــ
(1) Rentz, George Snavely, (1991), The Encyclopaedia of Islam, Prepared by a number of leading orientalists, Under the patronage of the international union of academies. (Leiden: E. J. Brill), 2: 516.
(2) إشارات شبيهة بالشَّكل والإعجام في العَرَبيَّة، تُضاف فوق بعض الحروف أو تحتها، من شَرْطات أو نقاط ونحوهما؛ للتعبير عن أصوات العَرَبيَّة الخاصَّة، كالمد، والهمز، والقاف، والحاء، والخاء. نقلنا رسمها في المقال، لكن من غير المتوقع أن تظهر في النصِّ المنشور، إلَّا بعناية خاصَّة في نسخ صورتها الصحيحة.
(3) م.ن.
(4) تُنظَر: دائرة المعارف الإسلاميَّة، طبعة (القاهرة: دار الشعب، 1969)، 13: 111، وطبعة (الشارقة: مركز الشارقة للإبداع الفكري، 1998)، 11: 3294.
(5) Rentz, 2: 517.
** **
- (العضو السابق بمجلس الشورى - الأستاذ بجامعة الملِك سعود)