د. عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز الفاضل
في زمنٍ تتداخل فيه الأصوات، وتتسع فيه دوائر العلاقات، وتتغير فيه أنماط التواصل، تبرز الحاجة إلى قيمةٍ أصيلة تحفظ للناس مكانتهم، وللعلاقات توازنها، وللتعاملات أدبها؛ تلك القيمة هي إنزال الناس منازلهم.
فهذه القيمة ليست مجرد مجاملة اجتماعية، ولا تقديرًا شكليًا للمكانة، وإنما هي أدبٌ شرعي وسلوكٌ إنساني يقوم على معرفة قدر الناس، وإعطاء كل ذي حقٍّ حقه، ومراعاة الفوارق الطبيعية بين الناس في السن والعلم والمسؤولية والمقام.
وقد جاء الهدي النبوي مؤكدًا هذا المعنى في صور متعددة؛ فالكبير يُوقَّر، وحامل القرآن يُكرَم، وولي الأمر يُحترم، والوالدان يُبرّان ويُحسن إليهما، ولكل مقامٍ ما يليق به من الأدب والتقدير.
وإنزال الناس منازلهم لا يعني التمييز بينهم في الكرامة الإنسانية، وإنما يعني أن يعرف الإنسان متى يقدّر، وكيف يوقّر، ولمن يقدم حقه، وأين يضع كلمته وموقفه. وحين تستقر هذه القيمة في النفوس، فإنها لا تهذب الفرد وحده، بل تسهم في بناء مجتمع أكثر احترامًا واتزانًا وترابطًا.
قيمة شرعية راسخة:
جاء الإسلام بمنظومة أخلاقية تُعلي من شأن الاحترام، وتهذب التعامل، وتضع لكل ذي حقٍّ حقه، وأصل هذه القيمة ثابتٌ في الهدي النبوي بلفظها؛ فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ»، وهو أصلٌ جامع يقوم عليه هذا الأدب النبوي الرفيع.
ويأتي حديثٌ آخر ليفصّل هذا الأصل ويبيّن صوره؛ فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ من إجلالِ اللهِ إكرامَ ذي الشَّيبةِ المسلمِ، وحاملِ القرآنِ غيرِ الغالي فيه والجافي عنه، وإكرامَ ذي السلطانِ المقسطِ». ففي هذا التوجيه النبوي تتجلى منزلة التقدير والإكرام، ويتبين أن معرفة مقامات الناس وإعطاءهم ما يستحقونه من الاحترام ليست مجرد أعراف اجتماعية، وإنما قد تكون من صور إجلال الله تعالى حين تكون قائمة على الحق والاعتدال.
فإكرام الكبير تقديرٌ لما حمله من تجربة وسنوات عمر، وإكرام حامل القرآن توقيرٌ لما يحمله من كتاب الله، مع البعد عن الغلو والجفاء، وإكرام ولي الأمر احترامٌ للمسؤولية التي أُنيطت به، وما يترتب عليها من حفظ النظام والمصالح العامة.
وهكذا يعلّمنا الهدي النبوي، أن حسن التعامل لا يقوم على تطابق جميع صور التعامل والمقام، وإنما على معرفة الحقوق والمقامات، وإعطاء كل ذي حقٍّ حقه، من غير غلو ولا انتقاص.
الوالدان.. أعلى المنازل وأعظم الحقوق:
وإذا كان الشرع قد حث على إكرام الكبير، وتوقير حامل القرآن، واحترام ولي الأمر، فإن الوالدين لهما منزلة أعظم، وحق أوجب؛ فقد قرن الله تعالى الإحسان إليهما بعبادته وتوحيده، فقال سبحانه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا
وإنزال الوالدين منزلتهما لا يقف عند حدود الاحترام اللفظي، وإنما يظهر في البر والإحسان، ولين القول، وحسن المعاملة، والقيام بحقهما، ومراعاة حالهما، والحرص على إدخال السرور عليهما. ولذلك جعل الإسلام بر الوالدين من أجلِّ القربات، وربط الإحسان إليهما بمعنى عظيم من معاني الوفاء.
ومن جمال هذا الهدي أن توقير الوالدين لا يتعارض مع مكانة الأبناء واستقلال شخصياتهم، وإنما يقوم على معرفة الحقوق، وأداء الواجب، وحسن الخطاب؛ فالإنسان قد يختلف مع والديه في أمر من الأمور، لكنه لا يفقد أدب البر، ولا يسقط حق الإحسان.
وهنا تتضح قيمة إنزال الناس منازلهم في أسمى صورها؛ فمعرفة مقام الوالدين لا تكون في المناسبات وحدها، وإنما تظهر في تفاصيل الحياة اليومية، في السؤال عنهما، وخدمتهما، والاستماع إليهما، واحتمال ما قد يثقل على النفس من أجل الوفاء بحقهما. وحين يرى الأبناء هذا السلوك ويتعلمونه بالممارسة، تنتقل قيمة البر من التوجيه إلى ثقافة أسرية راسخة.
لماذا نحتاج هذا المبدأ اليوم؟
تزداد الحاجة إلى مبدأ إنزال الناس منازلهم في زمنٍ اتسعت فيه دوائر العلاقات، وتقاربت فيه المسافات بين الناس على اختلاف مراتبهم ومواقعهم، حتى أصبحت المسافات الاجتماعية أقل حضورًا في كثير من صور التعامل. ومع هذا الانفتاح، قد تختلط أحيانًا حدود الألفة بالاحترام، ويُنظر إلى بعض الفوارق في المقامات على أنها أمور شكلية يمكن تجاوزها.
وليس المقصود أن يتحول تقدير المقامات إلى تكلفٍ في التعامل أو إقامة حواجز بين الناس، وإنما أن تبقى الألفة منضبطة بالأدب، والقرب محفوظًا بالاحترام، والمساواة في الكرامة الإنسانية مصحوبةً بمعرفة الحقوق والواجبات.
فالكبير له حق التوقير، والعالم له حق التقدير، والوالدان لهما حق البر والإحسان، وولي الأمر له حق الاحترام، وصاحب الفضل له حق الاعتراف بفضله. وهذه المعاني لا تنتقص من قدر أحد، بل تمنح العلاقات قدرًا من الوضوح والاتزان، وتحول دون أن تتحول حرية التعبير أو سهولة التواصل إلى إساءة أو تجاوز.
والمجتمع الذي يعرف أفراده كيف يقدّرون بعضهم بعضًا، ويحفظون لكل إنسان مكانته وحقوقه، يكون أكثر قدرة على بناء علاقات مستقرة يسودها الاحترام والثقة. أما حين تضطرب المقامات، ويغيب أدب التعامل، فإن ذلك ينعكس على الأسرة ومؤسسات التعليم والعمل وسائر العلاقات الاجتماعية.
ولذلك فإن إعادة الاعتبار لهذه القيمة لا تعني العودة إلى أنماط اجتماعية قديمة، وإنما تعني استعادة جوهر الأدب الذي يجعل الإنسان يعرف قدر من أمامه، ويحسن اختيار عبارته وموقفه، ويوازن بين الألفة والاحترام.
بين المساواة والعدل..
الفرق الذي يغيب عن كثيرين
المساواة في الكرامة الإنسانية أصلٌ ثابت؛ فالناس جميعًا لهم حقوقهم الإنسانية، ولا يجوز أن يكون اختلاف العمر أو العلم أو المكانة سببًا لانتقاص قدر الإنسان أو إهانته. غير أن المساواة لا تعني أن تتطابق جميع صور التعامل، فالعدل يقتضي أن يُعطى كل ذي حقٍّ حقه، وأن يُراعى لكل مقام ما يناسبه من الأدب والتقدير.
فاحترام الكبير لا يعني الانتقاص من الصغير، وتوقير العالم لا يعني إلغاء قدر غير المتخصص، وبر الوالدين لا يعني إهدار شخصية الأبناء، واحترام ولي الأمر لا يعني أن يفقد الإنسان حقه في إبداء الرأي بالطرق المشروعة. وإنما المقصود أن يعرف الإنسان حق كل مقام، وحدود كل علاقة، والأدب الذي يليق بها.
ومن هنا، فإن إنزال الناس منازلهم ليس تمييزًا بين البشر في أصل الكرامة، وإنما هو صورة من صور العدل وحسن الأدب؛ إذ يضع الإنسان الأشياء في مواضعها، ويمنح كل شخص ما يستحقه من التقدير وفق مكانته وحقوقه ومسؤوليته.
وحين يستقر هذا الفهم في المجتمع، تتوازن العلاقات دون أن تتحول إلى تكلف أو تعقيد؛ فيجتمع الاحترام مع الألفة، وتبقى المساواة في الكرامة مصحوبةً بالعدل في الحقوق والمقامات. وهذا التوازن من شأنه أن يخفف كثيرًا من صور الجفاء والتجاوز التي قد تنشأ حين تُفهم المساواة على أنها إلغاء لجميع الفوارق في التعامل.
الخاتمة:
إن إنزال الناس منازلهم ليس مجرد خلقٍ حسن، وإنما هو أدبٌ راسخ يجمع بين معرفة الحقوق، وحسن التعامل، ومراعاة المقامات. وحين تستقر هذه القيمة في النفوس، فإن أثرها لا يقف عند حدود العلاقة بين الأفراد، بل يمتد إلى الأسرة والمدرسة ومؤسسات المجتمع، فيسهم في بناء بيئة يسودها الاحترام والثقة وحسن التعامل.
وما أحوجنا اليوم إلى أن نعيد لهذه القيمة حضورها في حياتنا اليومية؛ فنوقر كبيرنا، ونقدر عالمنا، ونبر والدينا، ونحترم ولي أمرنا، ونعترف لأهل الفضل بفضلهم، دون غلو أو جفاء، ودون أن تتحول الألفة والمساواة في الكرامة إلى إلغاء للحقوق والمقامات.فالمجتمع المتزن ليس هو الذي تتشابه فيه جميع العلاقات، وإنما هو الذي يعرف أفراده كيف يتعاملون مع اختلاف المقامات بروح من العدل والأدب؛ فيجتمع فيه الاحترام مع الألفة، والتقدير مع التواضع، والحقوق مع حسن المعاملة.
ولعل أجمل ما نغرسه في الأجيال أن يعرف الإنسان قدر من أمامه، ويحفظ حقه، ويختار من القول والعمل ما يليق بمقامه؛ فبهذه التفاصيل الصغيرة تُبنى الأخلاق، وتستقيم العلاقات، ويصبح الأدب ثقافةً يعيشها المجتمع لا مجرد كلمات تُقال.
** **
- أستاذ الدراسات العليا بقسم الدعوة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقًا