د.عبدالرحيم محمود جاموس
لم تعد المسألة بعد الحرب سؤالًا عن المنتصر والمهزوم.
فالحروب الكبرى لا تنتهي عادةً بانتصار طرف وخسارة طرف آخر بصورة مطلقة، وإنما تترك وراءها شبكة من الخسائر والتحولات والوقائع الجديدة التي تعيد تشكيل البيئة التي تجري فيها الصراعات.
وهذا هو حال الشرق الأوسط اليوم، فالمنطقة لم تخرج من الحرب كما دخلتها. تغيرت موازين القوة، وتبدلت حسابات الأمن، واهتزت بعض التحالفات، وأعيد النظر في جدوى الاعتماد على الحماية الخارجية، بينما برزت قوى إقليمية تسعى إلى امتلاك دور أكبر في تحديد مستقبل المنطقة.
لكن السؤال الأهم لم يعد: من ربح الحرب؟ وإنما: من يستطيع تحويل نتائجها إلى نظام إقليمي جديد؟
إن امتلاك القوة العسكرية لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على بناء النظام.
إسرائيل حققت خلال السنوات الأخيرة تفوقًا عسكريًا واضحًا، وألحقت أضرارًا كبيرة بخصومها، وأثبتت قدرتها على استخدام القوة على نطاق واسع.
لكن التفوق العسكري لم يتحول تلقائيًا إلى هيمنة سياسية مستقرة.
فالهيمنة تحتاج إلى أكثر من القوة؛ تحتاج إلى قبول إقليمي، أو إلى قدرة على إنتاج ترتيبات سياسية واقتصادية وأمنية تجعل الآخرين يتعاملون معها باعتبارها جزءًا من النظام، لا باعتبارها مصدرًا دائمًا لعدم الاستقرار.
وهذا الفارق بين التفوق العسكري والنظام الإقليمي هو أحد أهم مفاتيح فهم المرحلة الجديدة.
والولايات المتحدة، من جهتها، ما زالت القوة الدولية الأكثر قدرة على التدخل في الشرق الأوسط، لكنها لم تعد قادرة على إدارة المنطقة بالطريقة التي كانت تفعلها في العقود السابقة.
فقد كشفت الحروب المتتالية أن القوة الأمريكية تستطيع تغيير موازين المعركة، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج استقرار دائم، ولا تستطيع أن تضمن لجميع حلفائها الأمن الذي يريدونه من دون أن تتحمَّل هي نفسها كلفة متزايدة.
وهنا برز تحول بالغ الأهمية: الدول العربية، وخصوصًا دول الخليج، بدأت تتعامل مع أمنها باعتباره مسؤولية لا يجوز إسنادها بالكامل إلى قوة خارجية واحدة.
وقد كشفت الحرب الأمريكية -الإيرانية الأخيرة عمق هذه المعضلة؛ فدول الخليج وجدت نفسها معرضة لتداعيات صراع لم تكن هي من قرر اندلاعه، ما دفعها إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن والشراكات الدفاعية وتنويع مصادر القوة.
وفي هذا السياق اكتسبت التحركات السعودية نحو بناء شراكات إقليمية متعددة أهمية خاصة.
ومن هنا يمكن فهم دلالة الاتفاق الدفاعي السعودي- التركي -الباكستاني؛ فهو لا يعني بالضرورة نشوء حلف عسكري مغلق، لكنه يعكس اتجاهًا جديدًا نحو توزيع مصادر القوة والأمن بدل الارتهان لضامن واحد. كما أنه يكشف عن صعود دور القوى الإقليمية الإسلامية الكبرى في صياغة معادلات الأمن، بدل تركها بالكامل للقوى الدولية.
وهنا تبدو السعودية مرشحة لدور متزايد، ليس باعتبارها قوة عسكرية فقط، وإنما باعتبارها قوة سياسية واقتصادية ودبلوماسية، تمتلك القدرة على بناء الشراكات والتواصل مع أطراف متناقضة، وعلى توظيف وزنها العربي والإسلامي والاقتصادي في صياغة ترتيبات أوسع من حدود المواجهة العسكرية.
وقد يكون هذا أحد أبرز ملامح النظام المقبل: شرق أوسط متعدد الشراكات، لا متعدد المحاور فقط.
لكن كل هذه التحولات تظل ناقصة إذا جرى تجاهل القضية الفلسطينية.
ففلسطين ليست ملفًا هامشيًا يمكن ترحيله إلى نهاية إعادة ترتيب المنطقة؛ بل هي أحد الاختبارات الأساسية لشرعية النظام الإقليمي الذي سيولد بعد الحرب.
إذا انتهت الحرب إلى فصل غزة عن الضفة الغربية، وإعادة إنتاج الانقسام الفلسطيني، وتحويل غزة إلى ملف إداري وإنساني وأمني منفصل عن القضية الوطنية، فإن النتيجة لن تكون حلًا للصراع، وإنما إعادة هندسته بطريقة قد تخدم استمرار الاحتلال والضم وتفريغ مشروع الدولة الفلسطينية من مضمونه.
أما إذا تحولت إعادة إعمار غزة إلى مدخل لإعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية، وإعادة توحيد غزة والضفة والقدس ضمن إطار سياسي واحد، وإطلاق مسار جدي نحو الدولة الفلسطينية، فإن المنطقة ستكون أمام فرصة تاريخية مختلفة.
وهنا تتضح أهمية المواقف العربية والدولية التي لا تزال تربط الاستقرار الإقليمي بحل القضية الفلسطينية. فالسعودية أكدت في الأمم المتحدة أن حل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، هو الطريق إلى السلام، فيما تواصل فرنسا وشركاؤها الدفع باتجاه إبقاء حل الدولتين في قلب المسار السياسي.
لذلك فإن السؤال الحقيقي في الشرق الأوسط بعد الحرب ليس: من انتصر؟
فلا أحد يستطيع أن يدعي انتصارًا كاملًا في منطقة دفعت شعوبها ودولها أثمانًا هائلة.
السؤال الحقيقي هو:
من سيعيد تشكيل النظام الإقليمي؟
ومن سيكتب قواعده الجديدة؟
ومن سيحدد موقع فلسطين فيه؟
فالشرق الأوسط يدخل مرحلة لا تزال مفتوحة على أكثر من احتمال: نظام يقوم على توازن القوى، أو نظام متعدد الشراكات، أو صراع جديد على الهيمنة، أو صيغة تجمع بين هذه العناصر كلها.
لكن المؤكد أن النظام القديم لم يعد قادرًا على العودة كما كان.
والمعركة المقبلة قد لا تكون حربًا عسكرية بالضرورة، بل صراعًا سياسيًا ودبلوماسيًا واقتصاديًا على صياغة قواعد المرحلة المقبلة.
ومن ينجح في بناء التوازنات، لا مجرد خوض الحروب، سيكون هو الأقدر على كتابة مستقبل المنطقة.